محاربة الجريمة في الوسط العربي وعلاقتها بحرب غزة الأخيرة

11 تشرين الثاني 2021 - 02:02 - الخميس 11 تشرين الثاني 2021, 14:02:16

"إسرائيل" تعترف بفشل أسرلة الفلسطينيين في الداخل المحتل
"إسرائيل" تعترف بفشل أسرلة الفلسطينيين في الداخل المحتل

بقلم: سامي جبريل

 لم تكن الجريمة في المجتمع العربي بإسرائيل وليدة المرحلة الراهنة، إذ تمتد جذورها إلى سنواتٍ وعقودٍ خلت تفاقمت فيها أعمال العنف والقتل، وسط انتشار السلاح والمخدرات بشكل مخيف، وفي ظل حالة من التراخي والتغافل تعاملت بها الشرطة "الإسرائيلية" مع هذه القضايا الخطيرة، ورغم رفض الشرطة "الإسرائيلية" الاتهامات الموجهة لها بالتمييز والإهمال، وادعاءاتها بوضع خطط لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي؛ إلا أن منحنى الجريمة يتصاعد ويتعاظم في كل سنة مقارنةً بالسنوات الماضية، حيث يُلقي العرب باللوم في ذلك على الجهات الرسمية والحكومية، ويتهمون الشرطة بتخصيص موارد قليلة للغاية لمواجهة الجريمة المنظمة في المدن والبلدات العربية، مقارنة بالاهتمام الكبير وتخصيص الميزانيات الضخمة لمواجهة العنف في المجتمع "الإسرائيلي".

 ومنذ سنوات يواصل العرب في "إسرائيل" مناشداتهم للجهات الرسمية بالتدخل لضبط حالة الانفلات الأمني ومكافحة الجريمة المنظمة التي جعلت الحياة في المجتمع العربي لا تطاق، لكن دون أن تلقى نداءاتهم تلك آذاناً صاغية، فحين تكون الضحية شخصًا يهودياً ويكون المشتبه بارتكاب الجريمة عربياً، تسارع الشرطة لوضع الحواجز وتسخير كل إمكانياتها لإلقاء القبض على الفاعل، ولكن عندما يكون القاتل والمقتول عرباً، تتقاعس الشرطة عن القيام بدورها ولا تبذل الكثير من الجهود لفك لغز هذه الجرائم، ما يضع الشرطة وأجهزة الأمن "الإسرائيلية" أمام تساؤلات مهمة حول دورها في التغاضي عن الجريمة أو حتى تغذيتها لتحقيق أهداف سياسية وديمغرافية مرتبطة بالوجود العربي داخل "إسرائيل".

 الفلسطينيون في "إسرائيل"

ويمثّل الفلسطينيون العرب نحو 21٪ من سكان (الكيان) ويصل تعدادهم حوالي 2 مليون مواطن، أقلية صغيرة منهم من الدروز والمسيحيين، والأغلبية منهم مسلمون، يعيشون في واقع شديد الخطورة وسط حالة من انعدام الأمن والاستقرار، إذ تتصاعد في أوساطهم معدلات الجريمة وأعمال العنف بشكل لافت، حيث أضحى القتل والاغتيال وسفك الدماء أحداثاً اعتيادية شبه يومية، ما يعني أن المجتمع العربي أمام خطر داهم يوشك أن يدمّر نسيجه الاجتماعي، ويستنزف طاقاته وجهود أبنائه في صراعات لا تتوقف، ودوّامة من العنف لا تنتهي أدّت إلى مقتل عشرات الأشخاص خلال هذا العام ناهيك عن الأعوام الماضية.

 وعلى الرغم من أن الفلسطينيين يشكلون خمس السكان في (الكيان)، إلا أنهم شكلوا 71% من ضحايا جرائم القتل التي ارتُكبت في "إسرائيل" خلال العام 2019م وفق تقارير رسمية، وفي عام 2020م قُتل نحو 113 مواطناً عربياً في جرائم وأحداث عنف مختلفة، بينما قتل هذا العام وحتى إعداد هذا التقرير نحو 109 أشخاص، حيث أظهرت إحصاءات رسمية عام 2018 أن عمليات القتل بين العرب في "إسرائيل" تعادل ثمانية أضعاف معدل الجريمة في الأحياء اليهودية.

 تمييز عنصري

وبحسب صحيفة "هآرتس" العبرية فإن الشرطة "الإسرائيلية" قامت بحل 22٪ من جرائم القتل التي حدثت هذا العام في المجتمع العربي، بينما في المجتمع "الإسرائيلي" تم حل 71٪ من القضايا، وفقًا للبيانات في عام 2021 هناك زيادة في عدد جرائم القتل التي حدثت بسبب النزاعات داخل المجتمع العربي، حيث قُتل 64 عربيًا بين شهري يناير(كانون الثاني) ويوليو (تموز)، مقارنة بـ 51 قتيلاً في نفس الفترة من العام الماضي، من ناحية أخرى كان هناك انخفاض في عدد جرائم القتل في المجتمع "الإسرائيلي"، هذا العام كان هناك 21 جريمة قتل، بينما في عام 2020 كان هناك 26 جريمة قتل في نفس الفترة.

 وفي تقرير خاص لمراقب الدولة "الإسرائيلي"، قال: "إن أجهزة الأمن فشلت في منع انتشار واستخدام السلاح غير المرخص في المجتمع العربي، الأمر الذي كان له الأثر الهائل في ارتفاع نسبة الجريمة"، والسبب ببساطة أن المؤسسة الرسمية في "إسرائيل" لا تحرك ساكناً رغم تصاعد الجريمة، ورغم معرفتها بالنقاط السوداء ومراكز السلاح المنفلت، طالما تضمن أن السلاح غير موجه "للإسرائيليين"، بينما جاء في مسودة تقرير صيغ عام 2020 بشأن العنف في المجتمع العربي، وصل ديوان رئيس الوزراء إلى نفس الاستنتاج الذي توصل إليه قادة الوسط العربي ومنظمات المجتمع المدني أن الجريمة المنظمة في الأحياء العربية تفاقمت نتيجة لجهود السلطات في مكافحة الجريمة المنظمة التي كانت متفشية في المجتمع "الإسرائيلي"، وذلك بعد أن أمر رئيس الوزراء "أرئيل شارون" في بدايات الألفية الثانية سلطات إنفاذ القانون بقمع الجريمة في المدن التي يقطنها "الإسرائيليون" حيث كان أعضاء المنظمات الإجرامية يقتلون بعضهم البعض في شوارع تل أبيب ونتانيا وأسدود، وببساطة بعد أن بدأت الحكومة "الإسرائيلية" بمحاربة الجريمة المنظمة في المجتمع "الإسرائيلي"، انتقلت تلك العصابات 15 كم إلى "المثلث"، في إشارة إلى مجموعة من المدن والبلدات العربية الواقعة في شمال البلاد.

 مكافحة الجريمة والحرب على غزة

السلطات "الإسرائيلية" التي تجاهلت الواقع الأمني والجنائي في المجتمع العربي طيلة عقود مضت، وتعاملت مع هذه الكارثة بمنطق "الغيتو" كون هذه الجرائم تقع في المجتمع العربي المغلق والمعزول عن المجتمع "الإسرائيلي"، وتركت العرب يواجهون مصيرهم المظلم بأنفسهم في مواجهة العصابات المسلحة وجماعات الجريمة المنظمة؛ وجدت نفسها أمام معضلة أمنية خطيرة بعد انخراط فلسطينيي الداخل بشكل مباشر في الحرب الأخيرة "حارس الأسوار" التي شنتها "إسرائيل" على غزة في مايو (أيار) 2021، في ظل وجود قرابة 320 ألف قطعة سلاح في المدن والبلدات العربية، وفق إحصاءات رسمية "إسرائيلية"، ما دفع المستوى الأمني والسياسي للتداعي بصورة حثيثة لتطويق ومعالجة هذا التحدّي الأمني الخطير الذي عصف بالجبهة الداخلية مؤخراً، إثر اشتعال جبهة الجنوب ووصول صواريخ غزة إلى القدس وتل أبيب شمالاً ومطار ريمون أقصى الجنوب.

 أمام هذا التهديد الخطير قررت الحكومة "الإسرائيلية" إشراك الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك)، في محاربة العنف والجريمة، ومكافحة ظاهرة انتشار الأسلحة غير الشرعية في المجتمع العربي، وجاء ذلك بعد عقد جلسة هي الأولى من نوعها للجنة الوزارية المكلفة بمكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، ترأسها رئيس الوزراء  نفتالي بينيت الذي قال: إن "العنف في المجتمع العربي وصل إلى الخط الأحمر" وإن على الحكومة "أن تأخذ هذه القضية على محمل الجد"، مضيفاً بأن "الجمهور العربي يجب أن يفهم بأن قوات الأمن ليست العدو، بل هي الحل".

 ويرفض العرب في "إسرائيل" إدخال الجيش والشاباك إلى المدن والقرى العربية، في ظل تخوفات من أن "إسرائيل" تحاول استغلال استفحال الجريمة في المجتمع العربي لتحقيق مكاسب أمنية واجتماعية، واستثمارها لتسهيل تغلغل المخابرات وشرعنة وجود الجيش على أمل النجاح في "صهينة" المجتمع العربي في الداخل وفق وجهة نظر قادة الأحزاب العربية، خصوصاً بعد الفشل الأمني والاستخباري "الإسرائيلي" في توقّع التفاعل الكبير من قبل المجتمع العربي مع الحرب الأخيرة على غزة، والتي دفعت بالجيش لإرسال ألوية ووحدات قتالية للسيطرة على الوضع الأمني بعد خروج الأوضاع عن سيطرة الشرطة "الإسرائيلية"، الأمر الذي يجعل "إسرائيل" أمام خطر حقيقي بخضوعها لحالة من الاستنزاف في حال تعدد ساحات المواجهة معه في كل أنحاء البلاد. (المصدر: عكا للشؤون الإسرائيلية)

انشر عبر
المزيد