تاريخنا مقابل رواياتهم المزيّفة

08 تشرين الثاني 2021 - 12:36 - الإثنين 08 تشرين الثاني 2021, 12:36:38

فلسطين لأهلها .. لا مكان فيها لمستوطن صهيوني
فلسطين لأهلها .. لا مكان فيها لمستوطن صهيوني

بقلم: راغدة عسيران

بعد حوالي 60 عاما على تحرير الجزائر، تواصل الدولة الفرنسية حربها على تاريخ الجزائر، رافضة اعتبار نفسها دولة إستعمارية ارتكبت مجازر وحشية بحق الشعب الجزائري وشعوب أخرى، وتسعى لتحريف التاريخ، ليس فقط تاريخ استعمارها، بل تاريخ الجزائر ما قبل الاستعمار، بنفي وجود شعب وحضارة قبل مجيئ المستعمِر وغزوه للبلاد.

تلك هي الرواية الجامعة لكل الدول والقوى الاستعمارية في العالم: في القارة الأميركية التي احتلها واستعمرها الأوروبيون القادمون أساسا من بريطانيا وفرنسا واسبانيا، نظر هؤلاء المستعمرون الى الأمم الهندية الراسخة في بلادها بأنها مجموعات بشرية غير حضارية يمكن سرقة أراضيها والتخلص منها. وفي القارة الإفريقية أيضا، من جنوبها الى شمالها، اعتبر المستعمرون الأوروبيون شعوبها دون تاريخ، ويمكن نقلها من مكان الى آخر، بالادعاء أنها أصلا غير مرتبطة بالأرض التي يطمع بها المستوطنون.

يسوّق المستعمِر هذه الرواية الزائفة بحق الشعوب غير الأوروبية من أجل تبرير وحشيته والتقليل من أهمية الفظائع التي ارتكبها، وادعاء الموضوعية بسرد "إنجازاته" في تلك البلاد المنهوبة، أي شق الطرق وفتح المدارس والمستشفيات وبناء الإدارات. ومن أجل توضيح هذه "الإنجازات الحضارية"، يطالب المستعمِر، كما اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حديثا، إعادة كتابة التاريخ، تاريخ الجزائر بالتحديد، من قبل لجنة مشتركة فرنسية جزائرية، للنظر في هذه الفترة الحساسة من تاريخ الجزائر.

يعني ذلك أن فرنسا الرسمية لا تعترف الى الآن بحق الجزائريين بكتابة تاريخهم دون وصايتها. وتريد، كما صرّح عدد من مؤرخي البلاط الفرنسيين ومن السياسيين، أن تظهر "إنجازاتها الحضارية"، ليس فقط من أجل "تصحيح" التأريخ الجزائري، بل من أجل رسم صورة العلاقات المستقبلية بين فرنسا والجزائر، إذ المطلوب من الأخيرة الاعتراف بـ"إيجابيات الاستعمار" و"فضل" فرنسا على الجزائريين، رغم كل ما مضى.

لا تختلف كثيرا عن هذه الروايات الاستعمارية، رواية الحركة الصهيونية المزيّفة، إزاء الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة بشكل عام، منذ بداية الاستيطان الاستعماري، لكن أضافت اليها اسطورة دينية لمنحها شرعية أكبر، بعد أن ساهم الغرب الاستعماري في صياغتها.

تدعي الرواية الصهيونية أن الغزو الصهيوني لفلسطين، ساهم في تطوير البلاد وفي تمدين سكانها، وأنه لا وجود أصلا لشعب فلسطيني ولا لفلسطين، بل هي قبائل وتجمعات سكنية جاءت على مر السنين لتسكن وتعيش في هذه البلاد.

وتمثّل التضليل الصهيوني في ربط وجود الشعب الفلسطيني بوجود الدولة الحديثة، الأطروحة التي رفضها معظم المؤرخين في العالم، إلا المستعمرين الذين يتمسكون بها لتبرير جرائمهم وإبادة الشعوب الأصلانية في العالم.

يتصرّف الصهاينة الآن على هذا الأساس، أي أن فلسطين كلها، وما وراءها، هي ملك لشعب يهودي يتم اختراع تاريخ له في المنطقة. وعندما تغيب كل القيود أمامهم، بسبب ضعف الحاضنة العربية، الرسمية والشعبية، وتواطؤ الغرب الاستعماري والامبريالي ومشاركة أنظمة عربية، خليجية خاصة، في روايتهم الكاذبة وفي حروبهم الدموية على الفلسطينيين والعرب، يتصرّف هؤلاء الغزاة بطريقة توحي بأنهم أصحاب البلاد وأن شرعية وجودهم فيها غير قابلة للتشكيك.

يلقي كتاب "حقوق الانسان من أجل السيطرة" لنقولا بروجيني ونفى غوردن، الذي صدر في العام 2015، الضوء على المفاهيم التي تقف وراء تصرفات وجرائم المستوطنين الصهاينة. فيعتبرون أن وجودهم على أرض "أجدادهم" شرعي، في حين ان الفلسطينيين هم "الغزاة"، ولذا، من "الطبيعي" أن يتم طردهم وقتلهم واعتقالهم وتدمير منازلهم ونبش قبورهم وإزالتها، ونقلهم من مكان الى آخر، حسب احتياجات المرحلة.في حين ما زال كيان العدو ينتظر الفرصة لتهجير المزيد من الفلسطينيين الى خارج البلاد، يواصل سياسته الإجرامية في كل بقعة من فلسطين، لمنع شعبها الأصيل من الاستقرار وإشعاره أنه "الغريب" في وطنه، كما شرعنته المؤسسة الصهيونية بـ"قانون القومية"، حيث أصبح الفلسطيني مجرد "مقيم" كالعامل الأجنبي.

ولم تسلم القبور، الشاهدة على عمق تجذر الشعب الفلسطيني بأرضه، من هذه السياسة، في الوقت الذي يزرعون فيه قبور يهودية وهمية في عدة أماكن من فلسطين، بما فيها حول المسجد الأقصى في القدس المحتلة، لإثبات تاريخهم المزيف المبني على أساطير ومزاعم.

لكن، عندما ينتفض الشعب الفلسطيني ضد الظلم والاحتلال ويمارس حقه في المقاومة المسلّحة ويوجع المحتل في الصميم، كما حصل خلال الثورات والانتفاضات المتكررة، ويرفع صوته عاليا لتسمعه شعوب العالم وتتضامن مع حقه، يضطر المستعمِر الى التراجع وإعادة صياغة مشروعه، ولو الى حين. فتصعد الأصوات المطالبة بالاعتراف بالشعب الفلسطيني وبحقه (المجزأ) بإقامة كيانه السياسي والاعتراف بتاريخه أو بأجزاء منه، كما  اقترح الباحث الصهيوني ميخائيل ميلشتاين، رئيس قسم الدراسات الفلسطينية في "مركز دايان"، بعد انتفاضة الداخل الفلسطيني المحتل في أيار الماضي، خلال معركة سيف القدس.

لقد كتب قبل أسابيع (13/10) أن على المستوطنين الصهاينة الاعتراف بما حصل في العام 1948، "كي يفهموا عمق هذه الذكرى في الوعي الجماعي الفلسطيني"، وكي يكفّ الفلسطيني من اعتبار نفسه "ضحيّة أبدية" (لأن هذه الصفة لا تناسب إلا اليهودي)، لكن بالمقابل (في نظر الصهاينة، هناك دائما مقابل، لا شيء مجاني) على الفلسطينيين أن يطوّروا نهج تاريخي يدرس "الماضي بصورة نقدية"، أي حول "رفض خطة التقسيم في سنة 1947، والمبادرة الهجومية على الييشوف اليهودي والمسؤولية عن المذابح التي تعرّض لها اليهود، وخصوصا في البلدات التي استسلمت".

الصورة النقدية التي يقترحها الباحث الصهيوني هي أن يعترف الفلسطينيون بشرعية وجود المستوطن على أرضهم، وأن ينتقدوا ويشجبوا المقاومة الشرعية لوجوده، ويعتبروا أن قتل المستوطن الذي سرق الأرض والبيت هو جريمة مماثلة لجرائم المستوطنين، وليس حق الدفاع عن النفس.

منذ سنوات، يحاول الصهاينة كتابة تاريخ فلسطين الحديث والبحث في الثورات الشعبية وخلفياتها الاجتماعية السياسية، وفي شخصياتها المؤثرة، بعد أن فرض الفلسطيني وجوده بتضحياته الجسام، بحيث لم يعد يستطيع الصهيوني من إنكار وجوده. لكن، التأريخ الصهيوني ليس له القدرة ولا القابلية لإعادة النظر في عدم شرعية الوجود اليهودي الاستيطاني في فلسطين. ينطلق هؤلاء المؤرخون غالبا من التواجد الثنائي "العرب واليهود" في البلاد، وكأنه شيء متفق عليه وبديهي، وليس غزو أجنبي إستعماري إستيطاني.

الإصرار الصهيوني، كما هو الإصرار الاستعماري الفرنسي، على نفي التاريخ الذي يكتبه ويسرده الشعب الفلسطيني والشعب الجزائري، أصحاب الحق في البلاد المنهوبة والمغتصبة، سابقا وحاليا، ليس إلا إصرار المعتدي على عدم الاعتراف باعتدائه والسعي لمواصلة جريمته بالطريقة ذاتها (فلسطين) أو بطرق أخرى (الجزائر).

 

 

انشر عبر
المزيد