معركة حرية الأسرى

19 تشرين الأول 2021 - 12:41 - الثلاثاء 19 تشرين الأول 2021, 12:41:25

بقلم: راغدة عسيران

بين عملية الهروب الكبير من سجن غزة في أيار/مايو من العام 1987، التي أشعلت حينها الشارع الفلسطيني وزوّدته بالروح المعنوية العالية لمواصلة المواجهة مع الاحتلال، وعملية "انتزاع الحرية" التي نفذتها "كتيبة جنين" بقيادة المجاهد محمود العارضة، في 6 أيلول/سبتمبر الماضي، ثمة تشابه في تبعات العمليتين الجريئتين والبطوليتين، رغم تباعد الزمن وتغيّر المشهد، ما بين الوضع الفلسطيني قبل "انتفاضة الحجارة" من جهة والوضع بعد إقامة سلطة الحكم الذاتي، من جهة أخرى، ومعركة "سيف القدس" التي شنّتها المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة في أيار/مايو الماضي للدفاع عن القدس.

لقد أحدثت عملية "إنتزاع الحرية"، ولأنها تمت بعد معركة "سيف القدس"، هزّة ارتدادية ما زالت متواصلة حتى الوقت الحاضر، على صعد مختلفة، داخل الكيان المحتل وداخل الشعب الفلسطيني. وتعتبر معركة الأسرى الحالية ضد العدو ومؤسسته الأمنية في السجون إحدى أهم تجلياتها، والتي قد تكون عنوان المعركة القادمة مع المحتل.

كيف يمكن تلخيص أهمية عملية انتزاع الحرية، أي عملية الهروب الجماعية التي نفذها 6 أسرى، أغلبهم من حركة الجهاد الإسلامي، رغم إعادتهم الى السجن بعد بضعة أيام من هروبهم ؟

تكمن أهمية العملية البطولية بأنها زعزعت الكيان الصهيوني ومؤسساته الأمنية كافة، وأحدثت هزّة شبيهة، على المستوى المعنوي، بالدمار الذي لحق بمستوطناته خلال معركة سيف القدس، بسبب جرأتها العالية، وتخطيطها الدقيق وتنفيذها المتقن، من قبل أسرى محكوم على أغلبيتهم بالمؤبد، أي أنهم لم يفقدوا، رغم هذه الأحكام الجائرة، أملهم بالحرية. يعتبر الحلم بالحرية من قبل أسرى محكومين بالمؤبد إخفاقا للعدو الذي يحاول، من خلال التقنيات الحديثة والكتب والندوات في العواصم الغربية، كيّ وعي الأسرى الفلسطينيين وإبعادهم عن طموحاتهم الوطنية. يقول المتخصصون في هذا الشأن أن الصهاينة يسعون، إضافة الى عزل الأسير عن محيطه ومجتمعه، تدمير إنسانيته وصحته. لكن خرج الأبطال الستة من سجونه، كما خرج العديد من قبلهم، ليؤكدوا فشلهم.

تكمن الأهمية الثانية في إعادة طرح موضوع الأسرى أو التذكير به على المستوى العالمي، والتذكير بما يعيشه الأسرى في سجون العدو، معاناتهم بسبب الإهمال الطبي المتعمد، والعنف الذي يمارس ضدهم من قبل وحدات همجية مدججة بالسلاح، والمنع من الزيارات بحجة جائحة كورونا، والتعذيب الوحشي خلال التحقيق، والعزل المستمر لأسرى واجهوا المحتل وتمرّدوا على سجانيه، واعتقال الأطفال وتعذيبهم. رغم غياب المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الانسان وحقوق الأسرى، ورغم صمت بعض الصحف العالمية أو ترويجها للرواية الكاذبة الصهيونية حول أهل مدينة الناصرة (لوموند الفرنسية مثلا)، استطاعت عملية "انتزاع الحرية" جعل مسألة الأسرى تتصدر اهتمام الجماهير العربية والمسلمة، التي تابعت ملحمة الهروب وتضامنت مع الأبطال واستهزأت من الكيان الغاصب وفضحت الإعلام العربي الموالي للصهاينة.

لقد وحّدت عملية "انتزاع الحرية" من جديد الشارع الفلسطيني حول الأسرى واستعاد عنفوانه وانتشى بالصفعة والهزة التي أصابت العدو. رغم أن قضية الأسرى لم تغب يوما عن اهتماماته، إلا أنها تصدّرت منذ الملحمة البطولية، كل الأمور المتعلقة بالقضية الفلسطينية، لأنها أصبحت منذ عملية "انتزاع الحرية" عنوان المعركة ضد الصهاينة، بسبب غبائهم وعنجيتهم.

بعد إعادة اعتقال الأبطال الستة، والتي تمت "بالصدفة"، على الأقل بالنسبة لمن بقي في الأراضي المحتلة عام 1948، كما أكّدوا للمحامين، أو بالمناورة لمن وصل منهم الى جنين (وقد ركّز إعلام العدو على "ذكائه" في تلك المناورة ليستعيد القليل من هيبته المفقودة)، شنّ هجوما غير مسبوقا على الأسرى، وخاصة أسرى حركة الجهاد الإسلامي، للتغطية على فشله الأمني والإعلامي. فكانت قوة هجمة الانتقام بقدر شعورهم بالفشل والخيبة.

الانتقام سمة من سمات العدو الصهيوني، منذ تأسيس كيانه. الأنتقام ضد من يقف أمامه، ومن ينتصر عليه ولو بمعركة جانبية، الانتقام لأية ضربة أو هزة تصيبه. فأراد الانتقام من الأسرى الذي أذلوه، وخاصة من أسرى حركة الجهاد الإسلامي الذين لم ولن يركعوا أمام عنجهيته. فانتقموا منهم كما انتقموا من أهل الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب مقاومة حزب الله، وانتقموا من أهل غزة بسبب المقاومة الفلسطينية الشجاعة التي ترفض الانصياع، كما انتقموا من أهل مخيم جنين الصامدين. لم يدمّروا الأبنية والبنى التحتية ولم يقتلوا ويرتكبوا المجازر كما فعلوا في هذه المناطق، لأن المعركة بينهم وبين الأسرى تأخذ أشكالا أخرى.

في الحرب التي يشنّها الكيان الصهيوني ضد الأسرى، وخاصة ضد الذين داسوا على صورته الأمنية في الإعلام العالمي، كما داست عليها معركة سيف القدس قبل أشهر، وكما يدوسها كل فعل مقاوم وتدوسها كل مواجهة شعبية (في المسجد الأقصى والقدس مثلا)، يتمثل الانتقام منهم باتخاذ إجراءات عدوانية عنيفة ضدهم، بسحب إنجازات الأسرى منهم، بعزلهم والتضييق عليهم ونقلهم الى أقسام وسجون أخرى وفصلهم عن بعضهم، بالهجوم عليهم وضربهم ومحاولة إهانتهم وتفكيك الأطر التنظيمية التي ينتمون اليها، التي تؤمن لهم نوعا من الحياة الكريمة داخل سجون العدو، وتجعلهم أسرى حرب وأسرى حرية وليس أفرادا بلا انتماء كما يريد الاحتلال.

اعتقد العدو الهمجي أن انتقامه من الأسرى سيشفي غضبه ويعيد قليلا من هيبته، لكن ذلك لم يحصل بسبب تصدي أسرى حركة الجهاد الإسلامي لانتهاكاته وعدوانه، أولا بالإعلان عن خطوات نضالية متصاعدة باشروا فيها منذ اللحظات الأولى للهجمة الانتقامية، وثانيا بمشاركة الحركة الأسيرة بهذه المعركة، كونها معركة من أجل المحافظة على أرثها النضالي وانجازاتها التي تمت بفضل دماء الأسرى ومعارك الأمعاء الخاوية. ثم إضافة بندي "إنهاء الاعتقال الإداري للإخوة المضربين إداريا" و"إنهاء سياسة التضييق بحق الأسيرات الماجدات وتحسين ظروفهن الاعتقالية" الى مطالب الأسرى المجاهدين الذين دخلوا المعركة يعني توسيعها لتصبح معركة الأسرى وأهلهم وشعبهم جميعا.

صعّد الأسرى نضالهم ضد الاحتلال وسجونه، بعدما دخل 250 أسيرا من حركة الجهاد في معركة الإضراب عن الطعام، ضمن خطة نضالية تصاعدية ستشارك فيها الفصائل الأخرى، إذا لم يتراجع العدو عن إجراءاته الانتقامية، ويعيد الأمور الى ما كانت عليه قبل عملية "انتزاع الحرية". فانضمام ثلاث اسيرات (المجاهدة منى قعدان، أمل طقاطقة وشاتيلا أبو عيادة) في المعركة قبل يومين يعني توسيع دائرة المواجهة داخل السجون، بعد كلمة القائد المجاهد زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، المفصلية، وبيان سرايا القدس الذي تبعها مباشرة، حيث لم تعد المسألة دعم هذه المعركة الجديدة ضد العدو فقط، بل امكانية "الذهاب الى الحرب" من أجل حياة وكرامة وحرية الأسرى. وفي اللقاء الذي جمع قيادة حركتي الجهاد وحماس، تم التوافق على عدم ترك الأسرى وحيدين في المعركة وعلى امكانية المواجهة الشاملة من أجلهم.

أدى غباء القيادة الأمنية والسياسية الصهيونية وروحها الانتقامية المريضة الى فتح معركة جديدة عنوانها حرية الأسرى، بين الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده والكيان الصهيوني، وقد تتدحرج الى معركة أوسع إذا لم يفهم العدو بعد أنه يواجه مقاومين شرسين لا يعرفون الاستسلام، يخوضون المعركة ضده كما يخوض المجاهدون معاركهم على أرض فلسطين، متسلحين بشعار "النصر أو الشهادة"، لأنها معركة الحق ضد الباطل، في كل الميادين.

هل ستنتقل معركة الأسرى ضد المحتل من داخل السجون الى خارجها؟ ساحات المواجهة واسعة وعديدة.

 

انشر عبر
المزيد