التسلل "الإسرائيلي" الى الإتحاد الافريقي يهدد بانشقاق المؤسسة الإفريقية

18 تشرين الأول 2021 - 01:48 - الإثنين 18 تشرين الأول 2021, 13:48:43

الاتحاد الإفريقي
الاتحاد الإفريقي

وكالة القدس للأنباء – ترجمة

أصدرت وحدة الدراسات في "مركز أفريقيا الشرق الأوسط" (AMEC) في دولة جنوب افريقيا، جوهانسبرغ، تقدير الموقف التالي الخاص باعتماد الكيان الصهيوني "إسرائيل" في الإتحاد الإفريقي.

سيجتمع الوزراء الأفارقة في أديس أبابا (العاصمة الأثيوبية) هذا الاسبوع في اجتماع المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي. وستكون مسألة منح إسرائيل صفة مراقب في الاتحاد محل نقاش ساخن. سننظر الى المخارج الممكنة ومواقف الدول من هذه المسألة.

منذ تأسيسه في 2002، كوريث لمنظمة الوحدة الأفريقية، افتخر الاتحاد الافريقي بكونه حافظ على موقف موحد كمنظمة قارية، واستطاع اتخاذ قرارات وفقا لمبدأ الإجماع، والمحافظة على التعامل معا حتى وإن كانت دول أعضاء تتخاصم أو تقاتل ضد بعضها البعض. لقد تعرض هذا الإحساس بالوحدة للخطر قبل ثلاثة أشهر بسبب منح "إسرائيل" صفة المراقب في الإتحاد الأفريقي، كونه يهدد انشقاق هذا الجسم الى نصفين.

في يوم 22 تموز/يوليو، وافق رئيس المفوضية الأفريقية، موسى فكي محمد، على أوراق اعتماد سفير "اسرائيل" لدى اثيوبيا، أدماسو الالي. أعلنت الحكومة "الإسرائيلية" مباشرة، عبر قنوات متعددة، أنه تم الموافقة على منح "اسرائيل" صفة المراقب في الاتحاد الإفريقي. وأكّدت مفوضية الإتحاد هذه الصفة في اليوم التالي. تبع ذلك موجة اعتراضات وإدانات من قبل حكومات أفريقية ومنظمات مدنية، التي شكّلت حديثا ائتلافا باسم الشبكة الأفريقية المتحدة للتضامن مع فلسطين. ردّ "محمد" أنه مخوّل بمنح صفة المراقب لدولة غير افريقية، ولم يكن مرغما للتشاور مع الدول الأعضاء قبل ذلك.

صفة المراقب مقابل الاعتماد

 قبل تقييم ادعاء "محمد"، يجب التوضيح أنه لم يمنح صفة مراقب "لإسرائيل" في الاتحاد الافريقي. حسب قرار خاص حول مسألة صفة المراقب والاعتماد، فصفة المراقب تخص المنظمات غير الحكومية، وليست الدول، ويمكن منح الاعتماد الى الدول غير الافريقية (ثمة استثناء واحد، إذ منحت لدولة هايتي صفة المراقب في فبراير (شباط) 2012... والتي، رغم أنها دولة غير افريقية، جغرافيا، تعد دولة كونها جزء من الجالية الافريقية).

الفرق بين صفة المراقب للNGOs والاعتماد للدول غير الأفريقية ليست بسيطة تماما. لدى الاثنين نفس الحقوق في الاتحاد الافريقي مع استثناء واحد: يمكن دعوة الNGOs لحضور اجتماعات مغلقة خلال مناقشة موضوع له علاقة باهتماماتها. لا وجود لأي إشارة لاجتماعات مغلقة ضمن حقوق الدول غير الافريقية المعتمدة.

يمكن لرؤساء بعثات الدول غير الافريقية المعتمدة حضور جلسات الاتحاد الافريقي العلنية، والمشاركة في اجتماعات هيئات الاتحاد والحصول على الوثائق غير السرية المتعلقة بالمسائل التي تخص هذه الدول، وتقديم بيانات في الاجتماعات حول أمور تهمها، إن وافق رئيس الاجتماع على ذلك.

تقع مسؤوليات كبيرة على "المراقبين" في الاتحاد الأفريقي، خلافا للدول غير الافريقية المعتمدة. من أجل المحافظة على موقعها، المنظمات غير الحكومية المراقبة عليها تقديم، كل ثلاث سنوات، ملخص عن نشاطها، حيث تشير الى وضعها المالي ولائحة نشاطاتها، خاصة التي لها علاقة بدعم الاتحاد الأفريقي، ولائحة بمسؤولي مكاتبها والتأكد من جديّة الانتخابات التي قامت بها.

عملية الاعتماد

من ناحية، ما قاله "محمد" (رئيس المفوضية) بأن لديه السلطة لمنح الاعتماد لأي دولة غير افريقية يبدو صالحا. لكن، كما هو الحال في كافة الوثائق القانونية، الشيطان يكمن في التفاصيل. عملية الاعتماد التي تبناها المجلس التنفيذي في 2005 ينص على أن أي دولة غير افريقية أو منظمة تريد منحها الاعتماد يجب عليها تقديم الطلب الى رئيس المفوضية الذي ينظر الى الطلب وقد يوافق على رسالة الاعتماد. الرئيس ليس مرغما لاستشارة الدول الأعضاء قبل موافقته على تلك الرسائل ومنحه الاعتماد.

 لكن، اعتبارات الرئيس أمام أي طلب اعتماد عليها أن تجاري أسس وأهداف المرسوم التأسيسي والقرارات المتعلقة بها في أجهزة الاتحاد الأفريقي. اضافة الى أنه على رئيس المفوضية ان ينظر الى الطلب من ناحية المصالح العليا للاتحاد ووجهات نظر واهتمامات الدول الأعضاء. هنا وجدت الدول المناهضة لمنح الاعتماد لاسرائيل أسس معارضتها. تقول أن "محمد" لم ينظر الى اسس وأهداف المرسوم التأسيسي والى القرارات أجهزة الاتحاد المتعلقة بإسرائيل، ولم يأخذ بعين الاعتبار "الآراء المعروفة واهتمامات الدول الأعضاء"، التي تم توضيحها في مناسبات عدة، من خلال القرارات والبيانات التي أصدرتها أجهزة مختلفة في الاتحاد الافريقي ومن قبل دول أعضاء بشكل أحادي. عندما هذه "الآراء والاهتمامات" تكون معارضة لمنح الاعتماد لدولة معينة، تتابع الدول المعارضة، على رئيس المفوضية ألا يوافق على رسالة الاعتماد.

معارضة القرار

بعد أيام من منح الاعتماد "لاسرائيل" من قبل "محمد"، بدأت دول أعضاء بالاعتراض عليه. من بين أولى الدول التي وجهت رسائل معارضة كانت جنوب أفريقيا والجزائر وناميبيا وبتسوانا وليزوتو. فيما بعد، كتب عدد من الدول في المجموعة العربية رسالة مشتركة للاعتراض. وفي 18 آب/اغسطس، انهت مجموعة التنمية الافريقية الجنوبية (SADC) قمتها في ليلونغوي في ملاوي، ببيان جماعي يعارض قرار "محمد" "الأحادي". بحيث وصل عدد الدول المعرضة الى 22. وهناك دول أخرى، مثل نيجيريا والتشاد، لم تكتب بعد معارضتها بل أشارت الى معارضتها لمنح "اسرائيل" صفة جديدة.

الدول التي عارضت رسميا هي: الجزائر، أنغولا، بتسوانا، جزر القمر، جمهورية الكنغو الديمقراطية، دجيبوتي، مصر، أسواتيني، ليزوتو، ليبيا، مدغشقر، ملاوي، موريتانيا، مورسيوس، موزمبيك، ناميبيا، سيشل، جنوب افريقيا، تنزانيا، تونس، زمبيا وزمببوي. وأقوى الداعمين لمنح الاعتماد "لإسرائيل" ولقرار "محمد" هم المغرب وجمهورية الكونغو الديمقراطية (رغم موافقتها على بيان مجموعة التنمية) ورواندا. لم تعلن الدول الأعضاء الأخرى عن موقفها.

معارضة منح الاعتماد من قبل دولة واحدة كفيلة بأن يطرح رئيس المفوضية المسألة في أجندة الاجتماع القادم للمجلس التنفيذي، الذي يضم وزراء خارجية الدول الأعضاء، والذي تم في أديس أبابا في 14 – 15 تشرين الأول/أكتوبر.

أشارت الدول المعارضة الى عدة نقاط لدعم موقفها. أولا، ترفض الاعتماد من الناحية الإجرائية، متحججة أن "محمد" ليس له الحق أو السلطة للموافقة على أوراق ممثل "إسرائيل" كونه يعرف "آراء واهتمامات" عدد من الدول الأعضاء، وهذه الخطوة تعتبر أحادية وغير شفافة.

 تقول ثانيا هذه الدول أن الاتحاد الأفريقي كان قد رفض محاولتين سابقتين "لاسرائيل" (في 2013 و2016) لهذا الاعتماد، ويؤكدون أن انتهاكات  "إسرائيل" للقانون الدولي وحقوق الانسان لم تتوقف بل زادت.

لقد منح "محمد" الاعتماد بعد شهرين من أحداث أيار/مايو عندما طردت عائلات فلسطينية بالقوة من القدس، وبعد الهجوم على المسجد الأقصى وبعد الحرب على قطاع غزة التي خلفت أكثر من 20 شهيدا. وبعد هذه الأحداث في أيار/مايو، كان الاتحاد الأفريقي قد أصدر بيانا يشجب "القصف على قطاع غزة" و"الهجوم العنيف في المسجد الأقصى"، وكان قد أكّد على أن "طرد الفلسطينيين من بيوتهم في القدس الشرقية" يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي. أضافة الى أن "محمد" لم يأخذ بعين الاعتبار الرأي القانوني الذي أصدرته المديرية للأمور القانونية في الإتحاد الأفريقي بعد طلب إصدار ذلك الرأي من قبل الرئيس السابق للإتحاد، نكوسازانا دلاميني زوما.

 لقد طلبت من الإدارة القانونية النظر إن كان اعتماد "إسرائيل" يناسب قانونيا المرسوم التأسيسي للاتحاد الافريقي والمواثيق والقرارات المختلفة. كان الرأي أن ذلك قد يكون ممكنا، على أساس انتهاكات "اسرائيل" للقانون الدولي وممارساتها الاستعمارية. وهذه الانتهاكات قد أصبحت اليوم أشد من الفترة التي تم إصدار الرأي القانوني.

 ثالثا، يعتبرون أن منح "إسرائيل" اعتمادها هو انتهاك لقيم وأسس المرسوم التأسيسي للاتحاد الافريقي، الذي ينص، من بين أهدف هذا الجسم القاري، على احلال "السلام والأمن والاستقرار"، كما ينص أيضا المرسوم التأسيسي على "دعم وحماية حقوق الانسان والشعوب وفقا لميثاق حقوق الانسان والشعوب" الأفريقي. يؤيد هذا الميثاق، بسبب وضوحه، موقف الدول المعارضة، لأنه يطالب ب"إزالة الاستعمار، والاستعمار الجديد، والفصل العنصري والصهيونية". ما يعني أن الاتحاد الأفريقي قد وكّل نفسه لإزالة الايديولوجية التي تقف وراء إقامة دولة إسرائيل، ما يعني أن استقبال هذه الدولة ومكافأتها بالاعتماد يعد مفارقة تاريخية.

جاء رد "محمد" على هذه الانتقادات، بعد أسبوعين من منح الاعتماد "لإسرائيل"، بالتأكيد على أن القرار يقع كليا ضمن صلاحياته. حجته الأساسية هي أن "إسرائيل" لديها علاقات ديبلوماسية مع أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الاتحاد الافريقي. ثم يعترف بيانه بدعم الاتحاد الافريقي "للحقوق الاساسية للشعب الفلسطيني" و"لمبدأ الدولتين وعودة السلام". افادت افريقا الجنوبية، أحدى الدول التي لديها علاقات ديبلوماسية قديمة مع "إسرائيل"، أن العلاقات الثنائية الديبلوماسية ليست المسألة، بل المسألة هي العلاقات بين الجسم القاري ودولة تعتبرها افريقيا الجنوبية دولة استعمارية وفصل عنصري. أشارت ايضا افريقيا الجنوبية الى أن مواصلة العلاقات الديبلوماسية مع "إسرائيل" لا تستلزم تأييد منح الاعتماد لإسرائيل في الاتحاد الافريقي، وبالتالي، أن حجة "محمد" مخادعة.

المجلس التنفيذي

على هذه الأسس، الدول المعارضة لاعتماد "إسرائيل" حريصة على دفع المجلس التنفيذي الى سحب الاعتماد. يمتلك المجلس السلطة لذلك، وفقا للقرار الخاص بالاعتماد الذي ينص أنه "بامكان المجلس التنفيذي، بناء على توصيات الممثلين الدائمين في المجلس، تعليق أو سحب الاعتماد، إذا اتضح أن الدولة غير الافريقية أو المنظمة التي تتمتع بهذه الصفة لم تعد تلبي المتطلبات المثبتة لهذه المعايير، أو فقدت صفتها التمثيلية". تتابع هذه الدول بالقول أنه في الحالة الإسرائيلية، لم تلب الدولة غير الافريقية أبدا المتطلبات الضرورية لنيل الاعتماد.

بسبب توجه منتقدي "اسرائيل" وداعميها بسرعة الى اجتماع المجلس التنفيذي، تتساءل عدة دول أعضاء عن تأثير النقاش على الجسم القاري ككل. يخشى البعض بأنه إذا ذهب الموضوع الى التصويت، سيؤدي الى انقسام الاتحاد الأفريقي لا يمكن إصلاحه.

لقد أعلنت الجهتان عن هذا الشعور، وإنها تتجهّز لمعركة في اجتماع تشرين الأول/اكتوبر، ويبدو أن الكثيرين يتوقعون هذه الامكانية. بالأساس، هاجس الكثيرين هو أن هذه المسألة حول دولة غير افريقية قد تعطّل الطريقة المعتادة لأخذ القرار بالإجماع، وستضع الدول الأعضاء بالفعل في محورين متصارعين، وقد  يصبح هذا الوضع راسخا في عدد من الأمور الأخرى.

لا تريد معظم الدول ذلك الوضع. يبدو في هذه المرحلة أن الأمر سيطرح في أجندة الاجتماع (وفقا للإجراءات المعمول بها) وسيتم الاستماع الى وجهات النظر دون اتخاذ أي قرار. بل سيتم تحويل القرار بهذا الشأن الى قمة رؤساء الدول في كانون الثاني/يناير القادم، أو الى اجتماع المجلس التنفيذي القادم. إذا وافق وزراء خارجية الجهتين على ذلك، سيكون النقاش في وقت لاحق.

 لكن يبقى السؤال الأهم وهو ما سيكون وضع "إسرائيل" في هذه المرحلة الانتقالية؟ هل سيسمح لها أن تتمتع بحقوق أي دولة غير افريقية معتمدة، أم سيتم تعليق هذا الوضع الى حين اتخاذ القرار؟ أو سيأخذ المجلس التنفيذي بعين الاعتبار حجة الدول المعارضة ويسحب اعتماد "إسرائيل" الى حين التوصل الى إجماع حول هذه المسألة ؟

 

انشر عبر
المزيد