حرية الأسرى وحرية الشعب الفلسطيني

24 أيلول 2021 - 11:06 - الجمعة 24 أيلول 2021, 11:06:38

بقلم: راغدة عسيران

بعد عملية "كتيبة جنين" البطولية التي هزّت كيان العدو وما تبعه من قمع ممنهج للأسرى، ومحاولة النيل من أسرى حركة الجهاد الإسلامي بنية الانتقام، طالبت أصوات عدة التوجّه الى المؤسسات الحقوقية في العالم المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان، من أجل حماية الأسرى الذين أعيد اعتقالهم وضربهم وتعذيبهم وعزلهم، والأسرى المهدّدين بمزيد من القمع الوحشي، تلبية لرغبة الجمهور الصهيوني. انتقدت هذه الجهات صمت  المؤسسات إزاء ما يعانيه الأسرى بشكل خاص والشعب الفلسطيني بشكل عام.

كيف يمكن تفسير هذا الصمت المطبق لهذه المؤسسات الدولية المدافعة عن "حقوق الانسان" وعن القوانين والمواثيق الدولية كما تدعي.. عندما يكون الأمر متعلّقا بالأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون العدو الصهيوني؟.. أو عندما يكون الأمر متعلّقا بنهب الأرض الفلسطينية وتدنيس المقدسات وتدمير المنازل والقرى والقتل والاعتقال؟ هل هو فعلا الكيل بمكيالين، أي الاهتمام والإدانة والتحرك العاجل عندما يكون الأمر متعلق بقضايا أخرى، أم يجب اتهام اللوبي الصهيوني المتغلغل في المؤسسات الدولية والحكومات الأجنبية والإعلام العالمي؟ أم يمكن تفسير الأمر بطريقة أخرى من أجل إعادة النظر في التوجّه الى هذه المؤسسات الصماء والعمياء.

يتميّز شعب فلسطين وأسراه عن باقي الشعوب والأسرى في العالم بأنه شعب يناضل من أجل تحرير وطنه المحتل من قبل مستوطنين استولوا على الأرض بالقوة، بإيعاز ودعم القوى الاستعمارية الغربية. خلافا لمعظم الدول، ينتمي الأسرى الفلسطينيون الى فئة أسرى الحرية، أي أن السلطة الاستيطانية اعتقلتهم لأنهم يناضلون ضدها ويحاربونها من أجل حرية الشعب الفلسطيني وتحرير أرضه. تضم هذه الفئة كافة الأسرى، العرب وغيرهم، الذين ناضلوا ويناضلون، قاتلوا ويقاتلون العدو الصهيوني من أجل تحرير الأرض والإنسان. 

تعد محاولات الهروب من السجون الصهيونية وما قبلها من سجون الاحتلال البريطاني، ومن كل السجون الاستعمارية السابقة والحديثة في العالم، عملية مشروعة بسبب عدم شرعية المحتل والكيان الاستيطاني وكل إجراءاته ومحاكمه ومؤسساته القانونية. تعتبر محاولات الهروب مواصلة الصراع مع العدو المحتل من أجل الحرية، بل واجبا وطنيا وفقا للظروف والإمكانيات. كما يعتبر خطف وأسر جنود العدو ومستوطنيه لاستبدالهم بالأسرى الفلسطينيين عملية مشروعة، كون وجود هؤلاء الجنود والمستوطنين على أرض فلسطين غير شرعي. ويعتبر التمرد ضد قوانين وإدارة السجون، والإضراب عن الطعام، وحرق الغرف والاحتيال على القوات القمعية وإدخال الهواتف وغيرها من المقتنيات، أمرا مشروعا، أولا لأنهم أسرى حرية يواصلون صراعهم ضد المستوطن المحتل لأرضهم من داخل السجن، وثانيا لأنهم يدافعون عن أنفسهم ضد تعامل المستوطنين والمتعاونين معهم غير الانساني، والذين يضيفون الى كراهيتهم لأسرى الحرية وعنصريتهم إزاءهم، نيّة الانتقام منهم لأنهم يمثلون قيمة الحرية.

لا تعترف مؤسسات حقوق الانسان والمؤسسات الدولية، التابعة أو غير تابعة للأمم المتحدة، بمشروعية المقاومة لتحرير الأرض ونيل حرية الشعب والأسرى، ولا تتبنى أصلا مفهوم الحرية، إلا عندما يقتصر هذا المفهوم على الفرد، حرية الفرد داخل مجتمعه وعائلته، وحرية الأقليات داخل الدول التي يراد تفتيتها. أما فيما يخص الأقليات المحتلة، كالأمم الهندية أو الأصلانية في الدول الامبريالية التي استوطنها "البيض" (القارة الأميركية وأستراليا)، فيتم الحديث في أروقة الأمم المتحدة، عن حقوقها، وليس عن حريتها. ما يعني أن هذه المؤسسات ألغت من مسؤولياتها الدفاع عن شعب يناضل من أجل حريته ضد سلطة أو كيان احتلالي يمنع استقلاله. بالنسبة لها، الاحتلال واقع (إن اعترفت بكونه احتلال)، يمكن التخفيف من آثاره وسلبياته بإدانة تصرفاته القمعية أحيانا، وقتله "للأبرياء" (وليس للمقاتلين في سبيل الحرية) أحيانا أخرى. لا تدافع  عن أسرى الحرية الذين يهربون من السجون الاستعمارية ولا تدعمهم، كونها تعترف بشرعية وجود السجون في كيان الاحتلال وشرعية الأجهزة القضائية التي تحاكم أبطال الحرية.

ترفض هذه المؤسسات اعتبار الأسرى الفلسطينيين أسرى حرب، بحجة أنهم غير تابعين لدولة، لكنها حجة واهية لأن الكيان لم يعامل الأسرى العرب (التابعين لدولة) كأسرى حرب، إلا إذا كانوا ضمن جيوش تلك الدول، بل شملهم بما يسميهم "الأسرى الأمنيين"، أو "الإرهابيين". لقد تبنّت المؤسسات الدولية هذا التفسير، دون الرجوع الى التاريخ ودراسة كيف أقيم هذا الكيان الاستيطاني على أرض فلسطين. القبول الضمني للتفسير الصهيوني، الذي يعتبر المقاومين "خارجين عن القانون" أو "مقاتلين غير شرعيين"، من قبل المؤسسات الحقوقية الدولية، يلغي دورها كمدافعة عن حرية الشعوب، لا سيما حرية الشعب الفلسطيني، ويؤسس لدور يقتصر على متابعة، في حدود موافقة الكيان الصهيوني، أوضاع السجون والأسرى.

ما كان ملفتا، خلال الأيام الماضية،  في النقاشات على شاشات التلفزة هو التباين الصارخ بين اللغة الحقوقية التي تتبناها الجمعيات الحقوقية والتي تطالب باحترام المواثيق الدولية الخاصة بالأسرى بشكل عام، مهما كانت الدولة الآسرة، شرعية أم غير شرعية، وبين اللغة السياسية التي يتبناها المناضلون الذين يركزون أولا على ضرورة التحرّر من الاحتلال والاستعمار والسجون، ويبنون خطابهم على تاريخ القضية.

ينطلق الخطاب الحقوقي من واقع الاعتقال، ولا يتساءل عن مشروعية الجهة الآسرة، بل يطالب باحترام حقوق الأسرى، كسائر الأسرى في العالم. يضيف الخطاب السياسي على هذه المطالب المشروعة والمحقة ،مشروعية تعبير الأسرى عن رأيهم وتشكيل أطرهم التنظيمية، كأسرى الحرب، ومشروعية الهروب من السجن، لأنهم أسرى حرية لا يعترفون بأنظمة المحتل.

تتباه االمنظمات الحقوقية الدولية بأنها تشكّل ضغطا ما على الكيان، وأنها تقف في وجه الخروقات الجسيمة لحقوق الأسرى التي يقترفها العدو، إلا أنها تتبنى غالبا الموقف الصهيوني المبرِّر لإجراءاته الوحشية (مبررات أمنية) وغير انسانية (مبررات صحية)، ما يفسّر عدم اكتراثها للحملات القمعية الوحشية التي تشنّها وحدات القمع الخاصة وعدم إدانتها لرش الغاز على أسرى عزل والتنكيل بهم، والتعذيب الهمجي خلال التحقيق والإهمال الطبي المتعمد إزاءهم، لأنها نفت عنهم صفة أسرى الحرية أو أسرى حرب.

قد تستجيب هذه المؤسسات لحملات داعمة لأسرى معينين، بسبب مرضهم أو عزلهم، أو صغر سنّهم، لكن بعد تحرّك الشارع الفلسطيني والعربي، وحتى العالمي، دعما لأسير أو مجموعة أسرى تخوض الإضراب عن الطعام وتربك السجانين وتهدّد استقرار مؤسستهم.

ما يعني أن التحرك الشعبي، الفلسطيني والعربي والعالمي، يبقى الحاسم لرفع صوت الأسرى وفضح الظروف المأساوية التي يعانون منها، الى المؤسسات الحقوقية العالمية من أجل الضغط على الكيان الإرهابي. لكن تبقى هذه الرسالة غير مكتملة إذا لم تبرز الجانب النضالي لهؤلاء الأسرى، أي أنهم اسرى حرية، مقاتلون ومناضلون ومجاهدون أدّوا واجبهم الوطني، وقاتلوا العدو من أجل تحرير أرضهم وحرية شعبهم.

قد لا توافق المؤسسات الحقوقية على هذا الخطاب، لكن شعوب العالم المقهورة التي تعاني من تسلط الدول الامبريالية عليها، ومنظماتها الشعبية وأحزابها، قد تستجيب له، وقد تشكل الحاضنة الشعبية الدولية لمسيرة تحرير فلسطين وتحرير الأسرى.

 

انشر عبر
المزيد