مركز دراسات "إسرائيلي": ينبغي الإسراع في تسوية الصراع مع الفلسطينيين قبل أن يترّسخ واقع الدولة الواحدة

23 أيلول 2021 - 09:52 - الخميس 23 أيلول 2021, 21:52:49

وكالة القدس للأنباء - متابعة

ينبه مركز "إسرائيلي" للدراسات الاستراتيجية أن العام العبري الجديد يحمل تحديات كثيرة لأمن "إسرائيل" القومي من أبرزها الساحة الفلسطينية المرشحّة للاشتعال والمشروع النووي الإيراني وتعاظم قوة حزب الله.

ويرى "مركز هرتزليا للدراسات الاستراتيجية" في تقرير جديد أن المنافسة الاستراتيجية المتعاظمة بين "إسرائيل" وإيران، بالإضافة إلى وصول إدارة أمريكية جديدة، هما المصممان المركزيان اللذان بلورا النظام الشرق أوسطي في السنة الماضية. إلى جانب ذلك هناك الساحة الفلسطينية القابلة للانفجار في قطاع غزة والضفة الغربية، تقدُّم عمليات بناء القوة في حزب الله خصوصاً مشروع “السلاح الدقيق”، انتهاء الحرب الأهلية السورية وتمركُز قوات إيرانية وروسية في سوريا، والسباق الإقليمي على موارد الطاقة والنفوذ في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، الأزمة الاقتصادية العميقة في لبنان، جائحة الكورونا، الأزمة الاقتصادية الإقليمية المتعاظمة وعودة تحدي الجهاد العالمي مع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان.

ويعتبر مركز الدراسات الإسرائيلي أن كل ذلك يجسد حجم التغير التنظيمي في المنطقة وتداعياته على أمن "إسرائيل" القومي. وحسب المركز "الإسرائيلي" ضمن هذا الإطار يمتنع محور الممانعة، الذي يوظف في بناء القوة وفي تطوير قدرات متطورة (نووية وسلاح دقيق وسايبر وغيره)، من استخدام القوة في هذه المرحلة لكنه يحذر أنه مع ذلك، فإن المنطق لا يسير كخط مستوٍ، وعندما تحين فرصة استراتيجية، أو عندما يكون مطلوباً الدفع قدماً بأجندة وطنية – دينية رداً على حدث محدد (القدس، قضية الأسرى، هجوم مستقبلي على لبنان) فإن هذا المحور لن يتردد في الرد والتصعيد.

وطبقا لمعهد هرتزليا يجسّد هذا التحليل قوة الدينامية الإقليمية وحدود الردع "الإسرائيلي"، الأمر الذي يفرض بلورة استراتيجية "إسرائيلية" ملائمة تقدم رداً على التهديدات الناشئة، وأيضاً على الفرص. ويرى مركز هرتزليا أن إعادة تركيز سلّم أولويات الأمن القومي الأمريكي المصحوب بشعور متزايد بالأزمة في مواجهة التحدي، الذي تمثله الصين وروسيا للنفوذ الأمريكي، ازداد حدة خلال الإدارتين الأمريكيتين الأخيرتين.

ويقول إن ازدياد المنافسة على بلورة نظام عالمي سرّع “التوجه نحو شرق آسيا” لدى الإدارة الأمريكية الحالية، وانعكس على سياستها وخطواتها في الشرق الأوسط. وضمن هذا الإطار كان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، الذي حظي بتأييد الحزبين الجمهوري والديموقراطي قبل كل شيء تعبيراً عن رغبة الإدارة الأمريكية في التركيز على التهديدات الاستراتيجية المركزية التي تهدد أمنها القومي.

من ناحية أُخرى، اعتُبر هذا الانسحاب في الشرق الأوسط “انتصاراً للمقاومة” وتعبيراً عن “الصمود” ضد الإمبريالية الأمريكية، وهذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة ضغط إيران وداعش على القوات الأمريكية في العراق وسوريا بهدف تسريع خروجها من المنطقة.

من هنا يستنتج المعهد "الإسرائيلي" أنه ينبغي على الإدارة الأمريكية إعادة تفعيل ضماناتها لأمن حلفائها الإقليميين وبلورة سياسة متوازنة تتوزع بين التركيز على المنافسة الاستراتيجية في مواجهة الصين وروسيا وبين الاستمرار في التوظيف في الشرق الأوسط من خلال لجم السياسة الكيدية لإيران في الشرق الأوسط، موضحا في المقابل أنه كجزء من السياسة العامة الناتجة من هذا النهج، تسعى الإدارة الأمريكية للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، والذي تعتبره مصلحة استراتيجية حيوية يسمح لها مجدداً بالموازنة بين التزام واشنطن تأمين الاستقرار والأمن الإقليميين وبين حاجتها إلى التفرغ لمعالجة مشكلات داخلية ملحة (الاقتصاد والكورونا)، وإلى المنافسة المحتدمة مع الصين وروسيا.

ويقول إن إعلان (جو) بايدن أمام رئيس حكومة الاحتلال (نفتالي) بينت أنه سيمنع إيران من تطوير قدرة نووية، أو التحول إلى قوة نووية عظمى، ركّز على تعبير محدد وضيق هو تطوير سلاح نووي. ويتابع “في هذه المرحلة إيران تحلل جيداً الاستراتيجية الأمريكية، ولا تسارع إلى العودة إلى الاتفاق النووي، وتعمل على تطوير قدرات تكنولوجية متطورة قادرة على استخدامها كـ ورقة مقايضة في مفاوضات مستقبلية، وعلى تموضعها كدولة على عتبة النووي".

التفوق النوعي

وضمن هذا السياق يرى “المعهد” أنه على "إسرائيل" ترسيخ التزام الولايات المتحدة بأمنها من خلال توثيق التعاون الاستراتيجي والمحافظة على التفوق النوعي وضمان دعمها لعمليات بناء القوة العسكرية. كما يرى أنه يجب على "إسرائيل" محاولة التأثير في المفاوضات في فيينا، وفي بلورة الاتفاق، من خلال العمل مع الإدارة الأمريكية لا ضدها، ومن خلال فهم سلّم الأولويات القومي الأمريكي والأثمان المحتملة للعلاقات بين الدولتين مع سيناريو معارضة "إسرائيلية" علنية لخطوات واشنطن.

ويضيف معهد هرتزليا في هذا المضمار “في السنة الماضية ارتفعت درجة الاحتكاك بين "إسرائيل" وإيران على خلفية استمرار الأخيرة في مساعيها للتأثير والتمركز في المنطقة (العراق، سورية، اليمن، لبنان) بالإضافة إلى الاشتباكات العلنية في الساحة البحرية، كما أدى التقدم في المشروع النووي إلى وصول طهران إلى مرحلة إشكالية بالنسبة إلى "إسرائيل" والمجتمع الدولي. في المقابل، بلورت "إسرائيل" مع الولايات المتحدة بنية إقليمية للجم إيران وردعها (اتفاقات أبراهام)، وتحركت ضمن إطار المعركة بين الحروب في الساحة السورية للحد من التمركز الإيراني، وبحسب مصادر أجنبية، دفعت قدماً بعمليات سرية في إيران أدت إلى إبطاء التقدم  في المشروع النووي".

الساحة الفلسطينية

وبما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين يرى معهد هرتزليا أن السنة الماضية تميزت باستمرار الواقع الاستراتيجي في الضفة الغربية المحتلة في مقابل تغيُّر سلبي وتفاقُم التهديدات في ساحة غزة. ويرى أنه بينما استمرت في الضفة الغربية الصيغة الأساسية التي سمحت لـ"إسرائيل" منذ أكثر من عقد باستقرار استراتيجي، أي المحافظة على الواقع المدني وتحسينه كقاعدة لهدوء أمني، الأمر الذي أدى إلى لجم تعبئة جماهيرية واسعة للنضال ضد "إسرائيل"، ظهر في القطاع مسعى “حماس” المتواصل لتغيير قواعد المعادلة واللعبة ضد "إسرائيل" والاستمرار في تأجيج الوضع بواسطة العنف، وهو ما يزيد من معقولية التصعيد في هذه الساحة.

وبالنسبة لـ”المعهد” فإن ثمة أمر برز بصورة خاصة في عدوان “حارس الأسوار”، وهو أن “حماس” تبادر لأول مرة إلى الهجوم، وذلك على خلفية احتكاكات في الضفة الغربية والقدس من دون مواجهة مسبقة في القطاع. وهذا بنظر “المعهد” يطرح تساؤلات بشأن التسوية التي تحاول "إسرائيل" الدفع بها قدماً في الأعوام الأخيرة في مواجهة “حماس”، ويؤكد أن قائد حماس يحيى السنوار مستعد للدفع قدماً بأهداف أيديولوجية من خلال خرق التسوية (مستخدماً أسلوب التجربة والخطأ)، انطلاقاً من الافتراض أنه من الممكن في الوقت الحالي العودة إلى الواقع الذي كان موجوداً قبل عملية “حارس الأسوار” من دون ضرر كبير أو تقديم تنازلات كبيرة، في الأساس في موضوع الأسرى والمفقودين".

واقع الدولة الواحدة

ويرى “المعهد” أنه في نظرة إلى الأمام، يفرض هذا الواقع على "إسرائيل" الاستمرار في تعزيز سياستها الحالية إزاء الضفة الغربية، والتي أثبتت فعاليتها في مواجهة أزمات كبيرة (بينها عملية “حارس الأسوار”)، ومن الممكن أن تبقى فعالة في المدَيين القصير والمتوسط، لكنها لا تشكل بديلاً من تسوية دائمة في الضفة تعتمد على الفصل بين "إسرائيل" والفلسطينيين وهذا السيناريو بدأ يبتعد مع التمازج الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، والذي يقرّب الطرفين من واقع الدولة الواحدة.

قطاع غزة

في قطاع غزة، ينصح “المعهد” "إسرائيل" بالتخلي عن النموذج الذي ترسّخ في الأعوام الأخيرة للتسوية في ظل الشروط الحالية وفي هذا المضمار يضيف” يبدو أن هذه التسوية لن تثمر هدوء في المدى الطويل، وبدلاً من ذلك تؤدي إلى استمرار “حماس” في الاحتكاكات من دون وصولها إلى معركة واسعة النطاق، انطلاقاً من التقدير أن هذه الطريقة تمكّنها من التوصل إلى انتزاع إنجازات مدنية مهمة من إسرائيل.

ويرى بأن هذا النمط في سلوك السنوار ليس من المتوقع أن يتغير، وهو ما يفرض على إسرائيل الاستعداد لسيناريو معركة ضد الحركة خلال وقت قريب. ولذا يوصي أيضا في هذا الإطار بإصلاح الفجوات التي ظهرت خلال عملية “حارس الأسوار”، وفي طليعتها قيام "إسرائيل" بمبادرة هجومية وإلحاق ضرر جسيم بقيادة “حماس”، والتمسك بمواقف صارمة ضمن إطار بلورة التسوية المستقبلية وعدم التساهل كما جرى بعد عملية “حارس الأسوار” بشكل يمكن أن يُلحق الضرر بصورة الردع "الإسرائيلية".

فلسطينيو الداخل.. تحدي خطير

كالكثير من معاهد الدراسات "الإسرائيلية" يسلط مركز هرتزليا الضوء على فلسطينيي الداخل بصفتهم تهديد داخلي عقب مشاركتهم في هبة الكرامة في مايو/ أيار الماضي. ويقول “المعهد” إن السنة الأخيرة انطوت على تغيرات دراماتيكية في المجتمع العربي الفلسطيني في "إسرائيل" على صعيد الأمن القومي "الإسرائيلي".

وعن ذلك يضيف “برز ذلك خلال أحداث أيار/ مايو في ظل عملية “حارس الأسوار” التي كشفت عن احتكاك عنيف بين العرب واليهود في الدولة، وتأثير غير مسبوق لسيناريوهات المعركة الفلسطينية فيما يجري وسط الجمهور العربي في "إسرائيل". هذا إلى جانب تفاقُم الجريمة والعنف في المجتمع العربي، واللذين يكشفان فقدان سيطرة الدولة على أجزاء كبيرة من هذا المجتمع (وخصوصاً في الجنوب)، بالإضافة إلى تهديد انزلاق العنف على خلفية إجرامية في المجتمع العربي إلى عنف أمني (برزت بشائر ذلك في أحداث أيار/ مايو).

ويرى أنه على المستوى الداخلي، تعكس ظاهرة العنف مشكلات أساسية تدل على عدم اندماج الجيل العربي الشاب في "إسرائيل" وخسارة الزعامة السياسية والجماهيرية العربية نفوذها. وفي الاستنتاجات يقول إن ما يجري في المجتمع العربي داخل "إسرائيل" يحوله إلى تحدّ استراتيجي من الدرجة الأولى، وهو يتطلب رداً متعدد الأبعاد: من جهة، المطلوب من الدولة بذل جهد واسع على صعيد فرض القانون، وخصوصاً في محاربة العصابات الإجرامية والسلاح في المجتمع العربي. من جهة ثانية، يجب تقديم جواب على الضائقة المدنية العميقة التي تشكل “مستنقعاً” لنشوء جزء كبير من مشكلات الجمهور العربي، معتبرا أنه ضمن هذا الإطار، بالإضافة إلى زيادة تخصيص الميزانيات لمصلحة الجمهور العربي، المطلوب الآن هو الدفع قدماً بمشاريع تهدف إلى تحسين وضع الجيل الشاب وكذلك العلاقة المشحونة بين الجمهور العربي وبين الشرطة "الإسرائيلية" وتوسيع مشاركة العرب فيها".

حلف التطبيع

ويؤكد “المعهد” أن التهديد الإيراني لا يزال يشكل العامل الذي يجمع “اتفاقات أبراهام”، الموقعة في سنة 2020 بين "إسرائيل" والإمارات والبحرين والسودان والمغرب. معتبرا أنه ضمن هذا الإطار شهدت السنة الماضية قفزة تاريخية في العلاقات الاستراتيجية مع الإمارات والبحرين والمغرب تجلت في تعاون اقتصادي- مدني- اجتماعي غير مسبوق واستعداد لمواصلة العلاقات الثنائية وتعميقها بين هذه الدول.

ويشير إلى أن السعودية من جهتها، ورغم  تعاونها الوثيق القائم مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، إلا إنها غير مستعدة في هذه المرحلة لدفع العلاقات نحو المرحلة المقبلة. ويضيف في التوصيات “يتعين على "إسرائيل" العمل على ترسيخ التزام إدارة بايدن باتفاقات أبراهام وتحريك العلاقات الخاصة مع واشنطن لتعزيز تأييد البيت الأبيض لدول الخليج ومصر والأردن على الصعيدين الأمني والسياسي، بالإضافة إلى ذلك يجب على "إسرائيل" تعميق تعاونها الاستراتيجي مع دول الخليج، وخصوصاً مع السعودية والإمارات، من أجل تأسيس نظام إقليمي يلجم النفوذ الإيراني”.كما يجب على "إسرائيل" بنظره العمل على تعميق التعاون الاستراتيجي مع مصر والأردن في مواجهة التحديات المتزايدة معتبرا أن استقرار مصر والأردن يشكل مصلحة استراتيجية ل،"إسرائيل".

تحديات لبنان

ويرى معهد هرتزليا أن الأزمة السياسية والاقتصادية المتعددة الأبعاد في لبنان تسرّع عمليات التفكك السياسي الذي يتجلى في الخلل بأداء عمل وزارات الحكومة وفقدان القدرة على الحكم والضرر الفادح الذي لحق بنوعية حياة المواطنين (في الكهرباء والسلع الأساسية والدواء وارتفاع كبير في مستوى الفقر وغيره). ويقول إنه في ظل هذه الظروف القاسية يعمل حزب الله بدعم من إيران على ترسيخ وتوسيع قبضته على الدولة من خلال المساعدة الإنسانية والتزود بالطاقة (النفط).

منبها أن التدهور العام لا يمنع إيران وحزب الله من مواصلة وتسريع عمليات بناء القوة العسكرية، وخصوصاً مشروع الصواريخ الدقيقة، من أجل ترسيخ معادلة ردع في مواجهة "إسرائيل" والدفع قدماً بالاستعدادات للمعركة المقبلة.

ويتابع “صحيح أنه ليس من مصلحة حزب الله فتح مواجهة عسكرية مع "إسرائيل" في ضوء الوضع الصعب في لبنان والأثمان التي يمكن أن يدفعها في الساحة الداخلية، لكن احتمال التصعيد في حال حدوث سيناريو هجوم "إسرائيلي" استباقي ضد مشروع تعاظُم القوة في لبنان يبقى عالياً إزاء الحساسية التي يُظهرها الحزب حيال تآكل المعادلة القائمة".

من هنا يستنتج أنه يتعين على "إسرائيل" لجم عملية تعاظُم القوة في لبنان حتى ولو كان الثمن القيام بمخاطرة ضمن إطار المعركة بين الحروب في سوريا، موضحا أن القيام بعملية جريئة توضح لنظام الأسد ثمن تأييده لحزب الله، وتدق إسفيناً بين المصلحة السورية “إعادة إعمار سورية” والمصلحة الإيرانية “بناء القوة ونقل قدرات” سيرفع من مستوى التوتر واحتمال التصعيد، ويمكن أن يؤدي إلى تغيير في سلوك اللاعب السوري بصورة تتماشى مع المصلحة "الإسرائيلية".

ضمن هذا الإطار يرى المعهد "الإسرائيلي" أن التنسيق الاستراتيجي والسياسي مع الروس يشكل مصلحة حيوية، والمطلوب تعزيزه من أجل المحافظة على الحرية العملياتية للجيش "الإسرائيلي" في هذه الساحة. كما يوصي بدعم القوى اللبنانية المعارضة للنفوذ الإيراني والقادرة على الحد من نفوذ إيران المتعاظم في لبنان: “رزمة” مساعدة تشمل نقل الغاز والنفط من مصر والأردن، ومنح هذه الدولة قروضاً من دول الخليج، ومساعدة اقتصادية وعسكرية من الولايات المتحدة وأوروبا يجب أن تكون مشروطة بلجم النفوذ الإيراني في لبنان ووضع قيود على تعاظُم قوة حزب الله.

انشر عبر
المزيد