"كتيبة الحرية" والبطة "الإسرائيلية" العرجاء

17 أيلول 2021 - 12:45 - الجمعة 17 أيلول 2021, 12:45:47

بقلم: أمين مصطفى

توهمت إدارة السجون "الإسرائيلية" أن استعمالها العنف الانتقامي المفرط بحق نسور "كتيبة الحرية"، التي أعيد أسر 4 منهم بعد 5 أيام من استنشاقهم نسائم الحرية عقب فرارهم من سجن الجلبوع، يمكن أن يكسر إرادتهم ويكون درسا لبقية الأسرى الفلسطينيين علّهم لا يكرروا التجربة، وبالتالي قمع كل الأصوات المطالبة بتحريرهم.

غير أن صورة الصمود والتحدي التي أظهروها، والمواقف التي نقلها عنهم محاموهم، أعطت نتائج عكسية، سببت إحراجاً ومأزقاً إضافياً للسجان المربك الذي لُقب بـ"البطة العرجاء"، أدت إلى تحرك كبير داخل السجون، استقطب تجاوباً فلسطينياً وعربياً ودولياً واسعاً.

فالحركة الأسيرة في سجون الاحتلال التي مثلت 1380 أسيرا حاليا، مارست ضغوطاً قوية لانتزاع حقوقهم، ومنع العدو من التمادي في إجراءاته التعسفية، وتمكنت من إنجاز مطالب مهمة، غير أنها ظلت ناقصة بسبب إصرار العدو على التعامل مع أسرى حركة الجهاد الإسلامي بشكل مخالف لكل القوانين والأعراف، من خلال العمل على تشتيت عناصرها في سجون عدة، ووضعهم في أماكن وظروف غير إنسانية، وزنازين إفرادية لا تتجاوز مساحتها مترين في متر واحد.

هذه الإجراءات قوبلت بلهجة إنذار تحمل تهديدا برد حاسم من قبل الحركة، وإسقاط كل محاولات الالتفاف على حقوق الأسرى الكاملة، ما يمكن أن يؤدي إلى خلط الأوراق من جديد.

وفي قراءة سريعة لأحاديث الأسرى الأربعة: محمد ومحمود عارضة ويعقوب قادري وزكريا الزبيدي، دلالة غاية في الأهمية وهي الثبات على المبادئ، مهما كلف الأمر ذلك.

"واجبنا المقدس أن نسحق هذا المحتل، لتخليص شعبنا من ظلمه وطغيانه" هذا ما قاله القادري، وهو ملخص لما يدور في ذاكرة رفاقه الذين تحدثوا عن انتصارهم على السجان وإذلاله، وتغنيهم بربوع وثمار أرض فلسطين، مؤكدين أنهم لن يترددوا عن تكرار تجربة الفرار مرة أخرى.

وفي إشارة إلى النموذج محمود العارضة، قال المحامي رسلان محاجنة "قابلت قائداً حقيقياً واعياً مثقفاً، وهو موسوعة مطّلعة، معنوياته عالية فخور بنفسه وبما فعل، واثق وقوي ومدرك لأبعاد ما يجري ولأساليب الاحتلال في التحقيق لإحباطه نفسياً".

في هذا الوصف إفصاح عن وعي وإدراك هؤلاء الأبطال لما حملوه من معان وأبعاد، وقد كانوا حريصين على أهلهم في الناصرة وفي بقية المناطق المحتلة الأخرى فلم يلجأوا إليهم خشية إيذائهم من قبل الاحتلال.

هذه الروح المعنوية العالية، ضاعفت من قلق إدارة السجون، والمؤسسات الاستخباراتية والأمنية والحكومة الصهيونية، وتساءل المحللون الصهاينة عن هذا السر الدفين في صدور هؤلاء الذي يجعلهم يقدمون على كل هذا العمل، رغم وعيهم وإدراكهم للمخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها، حتى ذهب التحليل بالبعض للقول: "إننا أمام هذا النمط من البشر، لا نملك في نهاية المطاف إلا حزم حقائبنا والعودة إلى الدول التي جئنا منها".

ويبدو أن القيادات السياسية والعسكرية والأمنية الصهيونية، لم تتعلم بعد من إخفاقاتها وفشلها الذريع في التعاطي مع قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وفق التجارب السابقة، فهي في كل مرة كانت تقع في نفس الأخطاء، ما يضطرها إلى التراجع وسقوط رؤوس أمنية كبيرة بسببها.

ولو عدنا إلى تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية منذ اغتصاب أجزاء واسعة من أرض فلسطين التاريخية، لأدركنا مدى خطورة مخطط العدو الرامي لتصفية الشعب الفلسطيني، وقد ورث هذا الاحتلال سجونا محصنة من الانتداب البريطاني على فلسطين للقيام بهذه "المهمة"، فأضاف العدو عليها سجونا أخرى استمد مواصفاتها من السجون العالمية، وقد نفذ بداخلها إعدامات وممارسات قلّ ما شهد لها التاريخ البشري مثيلاَ لها من الوحشية والظلم.

صحيح أن المرحلة الأولى من تاريخ الأسر الفلسطيني لم توثَّق ولم تؤرَّخ بشكل دقيق، بسبب ظروف وتعقيدات المرحلة السابقة، إنما واقعها وتداعياتها نقلها إلينا الأهالي وذويهم، فأكدوا أن العدو لم يترك وسيلة قمع وتعذيب إلا واستخدمها ضد الأسرى والمعتقلين، غير أنه فشل في النيل من عزيمتهم.

ولم تكن مرحلة احتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة العام 67 إلا نموذجاً آخر، وقد بلغ عدد المعتقلين ما بين عامي 67 و87، حوالي 53500 أسير، أي بمعدل 27 ألف حالة سنوياً واستشهاد 266 أسيراً إثر الإهمال الطبي وأقبية التعذيب، غير أن هذه الزنازين تحولت إلى مدرسة جهادية كبيرة تخرَّج منها خيرة القادة الذين قادوا الانتفاضة والعمليات والمواجهات التي أدت إلى تحرير قطاع غزة، وردع العدو عن استكمال مشروعه في القدس والضفة المحتلتين.

"كتيبة الحرية" ستتبعها كتائب أخرى، فالحركة الأسيرة الفلسطينية لن تهدأ ولن تتوقف حتى يتم تحرير كامل الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال.

إن شعباً يملك مثل هذه الطاقات المبدعة والمجاهدة والمؤمنة بعدالة قضيتها، لا يمكن إلا أن ينال ما يريد، مستندا إلى نهج المقاومة الذي أثبت جدواه.

انشر عبر
المزيد