الخطة الصهيونية الجديدة: تقليص الصراع بدلاً من حله

16 أيلول 2021 - 11:07 - الخميس 16 أيلول 2021, 11:07:39

ميخا غودمان ومصطلح "تقليص" الصراع الفلسطيني-"الإسرائيلي"
ميخا غودمان ومصطلح "تقليص" الصراع الفلسطيني-"الإسرائيلي"

وكالة القدس للأنباء – ترجمة

الحكومة "الإسرائيلية" الجديدة التي أطاحت برئيس الوزراء (السابق) بنيامين نتنياهو، هذا الصيف، مليئة بالتناقضات. هناك يساريون مؤيدون لـ"السلام"، ويمينيون مؤيدون للاستيطان، ووسط براغماتيون، وللمرة الأولى هناك حزب إسلامي عربي، يجلسون جميعًا معًا في ائتلاف حاكم واحد. أما فيما يتعلق بالمسألة الأكثر إثارة للخلاف – وهي الصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني - فلا يوجد إجماع تقريبًا، وهذا بالضبط ما يحبه ميخا غودمان.

غودمان، فيلسوف سياسي، صعد إلى الصدارة العامة في "إسرائيل" وخارجها بسبب أطروحته المتناقضة حول كيفية عدم حل النزاع طويل الأمد.

اعتاد الكثيرون على وصفه بأنه فيلسوف البلاط لرئيس الوزراء نفتالي بينيت، زعيم الاستيطان القومي المتطرف السابق، الذي تبنى علانية نموذج غودمان لـ"تقليص الصراع". لكن وزراء وسط ويساريين آخرين بدأوا ينادون به. بل أن إدارة بايدن اتخذت على ما يبدو ما يسميه غودمان مقاربته البراغماتية والأقل إيديولوجية. بينما يظل البيت الأبيض ملتزمًا بـ"حل الدولتين"، قال وزير الخارجية (الأمريكية) أنطوني بلينكين في مايو/ أيار إن الأولوية العاجلة هي "إعادة بناء بعض الثقة" بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين.

يشعر غودمان نفسه بالذهول من كل الاهتمام المستجد من السياسيين والدبلوماسيين والجنرالات. في وقت سابق من حياته المهنية، كتب كتباً تحلل النصوص اليهودية القديمة، يقول إنها كانت التدريب المناسب تمامًا لمعالجة قضية مثيرة للجدل مثل الصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني.

يقول غودمان لشبكة CNN ": الفكرة الأساسية للتلمود هي "الاستماع دائمًا إلى وجهتي النقاش". ويضيف: "التلمود معجب بالناس الذين يسألون: لماذا نحن مخطئون؟ التفكير من جانب واحد فقط، أو اعتبار أن جانبك وحده هو الصحيح، أمر مناقض للفكر".

نشر غودمان هذا النهج في كتاب له صدر في العام 2017، "لقطة 67: اليسار واليمين وإرث حرب الأيام الستة"، أثار عراكاً مع الجدل "الإسرائيلي" الداخلي حول الصراع مع الفلسطينيين ومصير الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" خلال حرب 1967.

يقول غودمان: "لقد استعرضت حجة الطرفين، تمامًا كما في التلمود: إذا بقيت "إسرائيل" في المناطق [كما يريد اليمين] فإنها تهدد مستقبلها كدولة يهودية وديمقراطية. وإذا غادرت المناطق [كما يريد اليسار] فإنها تهدد مستقبلها بسبب مخاوف أمنية".

يشير غودمان إلى إن الكتاب "اشتعلت فيه النيران"، وأصبح فجأة أكثر الكتب مبيعًا في "إسرائيل"، وسرعان ما تُرجم إلى الإنجليزية.

بحسب رؤية غودمان، لم تطرح المقاربات القديمة، في اليسار واليمين "الإسرائيليين"، سوى أفكارًا أيديولوجيًا بحتة حول كيفية إنهاء الصراع مع الفلسطينيين. ويضيف أن هذه "ثنائية زائفة" أدت إلى الشلل واستمرار الوضع الراهن في الضفة الغربية المحتلة. وفقًا لغودمان - الذي يعيش هو نفسه في مستوطنة بالضفة الغربية، على الرغم من أنه يصف ذلك بأنه غير ذي صلة بعمله - فإن اليسار يريد إنهاءً فوريًا للاحتلال العسكري للمنطقة، بينما يريد اليمين مواصلة بناء المستوطنات "الإسرائيلية" و"إدارة" سهلة للنزاع إلى الأبد.

قال غودمان: "يمكننا جعل الأمور أفضل بكثير (في الضفة الغربية) حتى لو لم ينته الصراع" - وبالتالي "تقليص" الصراع. يركز غودمان فقط على الضفة الغربية في تحليله ويتجاهل القضية الشائكة لقطاع غزة، الذي انسحبت منه "إسرائيل" من جانب واحد في العام 2005 - وخاضت أربع حروب منذ ذلك الحين ضد جماعة حماس المسلحة التي تسيطر عليه. قال بحزن: "الوضع هناك أكثر تعقيدًا بكثير".

ويضيف غودمان: "نحتاج إلى تحديد حجم الصراع وتقليص حجمه - هذا هو التحول النموذجي". ويوضح: "انظر إلى جائحة Covid-19 : لم نعد نتحدث عن صفر إصابات، نحن نتحدث عن مستوى معين من  Covid، عن"تقليص Covid "حتى لا يؤدي إلى انهيار النظام الصحي".

من الناحية العملية، ينطوي نهج غودمان على مجموعة من الخطوات التي يمكن "لإسرائيل" اتخاذها لتحسين الحياة الاقتصادية الفلسطينية والأمن والحكم الذاتي في الضفة الغربية. وهي تتراوح بين تحركات أكثر تحفظًا - مثل زيادة تصاريح العمل الفلسطينية داخل "إسرائيل" وتحسين الوصول التجاري الفلسطيني أو بناء الطرق والجسور التي تعزز التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية - إلى إجراءات أكثر إثارة للجدل محليًا، مثل تجميد بناء المستوطنات خارج المراكز السكانية "الإسرائيلية" الرئيسية في الضفة الغربية، ومنح الفلسطينيين المزيد من الأراضي للبناء الخاص بهم.

خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت "إسرائيل" تبنِّي بعض هذه الإجراءات، بما في ذلك إصدار 15000 تصريح عمل جديد داخل "إسرائيل" للفلسطينيين، وتقديم قرض للسلطة الفلسطينية بقيمة 500 مليون دولار، وإعادة إنشاء اللجان الاقتصادية المشتركة لمناقشة المشاريع المستقبلية، والسماح بإعادة الدمج (أي الوضع القانوني) للأزواج الفلسطينيين في الضفة الغربية، والموافقة المبدئية على 2000 وحدة سكنية جديدة للفلسطينيين في الجزء الخاضع للسيطرة "الإسرائيلية" الكاملة من الضفة الغربية.

وقال مسؤول "إسرائيلي" كبير لشبكة CNN الأسبوع الماضي، مرددًا ما قاله غودمان: "علينا أن نبذل قصارى جهدنا لتقليص الصراع، والبدء في تشكيل الحل انطلاقاً من البنية التحتية والاقتصاد".

ومع ذلك، فإن الإجراءات بعيدة المدى الموضحة أعلاه غير مرجح تنفيذها بالكامل نظرًا لتشكيلة التحالف "الإسرائيلي" الحالي. ورغم ذلك، فإن هذا لا يحبط غودمان – بل، على العكس، يعزز أطروحته.

يقول غودمان: "لا يوجد إجماع في الحكومة حول اللعبة النهائية، لكن يمكنهم الاتفاق على اللعبة. هذا هو نهج هذه الحكومة بالكامل في جميع القضايا". ويضيف: "الشيء المهم هو الاتفاق على الفعل وليس على السردية المحيطة به".

بالنسبة إلى غودمان، يمكن أن يتلاءم "تقليص الصراع" بسهولة مع رواية يسارية حول حل الدولتين، حيث يمكن النظر إلى معظم المبادرات المقترحة على أنها خطوات مهمة على طريق بناء دولة فلسطينية. يؤكد غودمان أن اليمينيين يمكن أن يشعروا بالمثل، لأن النهج - في الوقت الحالي - يعزز فقط الحكم الذاتي الفلسطيني ولا يعني قيام دولة أو يمنع "إسرائيل" من ضم بقية الضفة الغربية، كما تمسك بينيت لسنوات.

منتقدو غودمان من اليمين واليسار ليسوا متفائلين.

بالنسبة إلى اليمين، من المحتمل أن تنطوي الخطوات التي يروج لها غودمان على مخاطر أمنية أعلى مما يقدره، وفي أي حال فهي تتعامى عن النقطة الأكبر.

يقول ران باراتز، مدير الدبلوماسية العامة في عهد رئيس الوزراء السابق نتنياهو: "تعتقد أنك تقلص الصراع، لكن بالنسبة للجانب [الفلسطيني] الآخر، الأمر مجرد هدوء بين الحروب حيث يقومون بتحسين موقفهم".

اليسار، في أحسن الأحوال، لا يرى الكثير من الطرح الجديد في أطروحة غودمان، وفي أسوأ الأحوال يشك في أن "تقليص الصراع" هو النهج ذاته الذي تبناه اليمين "الإسرائيلي" في الماضي - "إدارة الصراع" أو "السلام الاقتصادي" – ما يقوم به غودمان هو تغيير العلامة التجارية فقط.

ووفقًا لداليا شيندلين، المحللة السياسية في مركز أبحاث  Century Foundation، يبدو أن نهج غودمان "يخلد نموذج إسرائيل: خذ وانسحب، ومن غير الواضح ما إذا كان صادقًا فيما يتعلق بتقرير المصير الفلسطيني الحقيقي". وتضيف أن الحكومة "الإسرائيلية" الجديدة "تمسكت بشعار، لكنني لا أعرف ما هو المضمون الحقيقي الذي ستنفذه بالفعل خلف الشعار، وما هي نيتها وراءه".

يبدو الفلسطينيون مرتبكين من هذا الجدل "الإسرائيلي" الخاص حول أساس مستقبلهم أيضًا.

يقول سامر سينجوالي، الناشط والمعارض الداخلي من الحزب الفلسطيني الحاكم، حزب فتح: "أفضل لو تحدث "الإسرائيلي" والفلسطيني عما يمكن أن يتفق عليه 80٪ من الإسرائيليين والفلسطينيين".

غودمان، من جانبه، يرى بأن زيادة الحكم الذاتي الفلسطيني هو خير في حد ذاته لن يؤدي إلا إلى تحسين حياة الفلسطينيين وزيادة خيارات "إسرائيل" في المستقبل. في نهاية المطاف، كما يقول، لم تصل الأساليب القديمة إلى أي مكان.

يقول: "لن نصل إلى السلام من خلال الضغط الدبلوماسي الكبير. سيتحقق ذلك فقط من خلال خطوات صغيرة إلى أن يحقق الفلسطينيون كتلة حرجة من الحكم الذاتي. عند هذه النقطة، من المرجح أن تتغير مواقف العديد من "الإسرائيليين" والفلسطينيين. في الوقت الحالي خيالنا محدود للغاية".

-------------------

العنوان الأصلي:  Israel's new plan is to 'shrink,' not solve, the Palestinian conflict. Here's what that looks like

الكاتب:  Neri Zilber

المصدر:  CNN

التاريخ: 16 أيلول / سبتمبر 2021

 

انشر عبر
المزيد