بالوعي تتحطم أكاذيب العدو

14 أيلول 2021 - 11:09 - الثلاثاء 14 أيلول 2021, 11:09:19

الأسير البطل محمود عارضة وكتابه الرواحل
الأسير البطل محمود عارضة وكتابه الرواحل

بقلم: راغدة عسيران

فشل العدو قبل أيام، في إثارة الفتنة بين فلسطينيي 1948 وباقي الشعب الفلسطيني، عندما حاول إعلامه الخبيث التلميح بأن أهل مدينة الناصرة قصّروا عن مساعدة بعض أسرى نفق الحرية، الذين لجأوا الى المنطقة، وأن فلسطينيين من الداخل قد ساعدوا الأجهزة الصهيونية في بحثها عنهم.

ردا على هذه الإشاعات الشريرة والمغرضة، أصدرت المقاومة الفلسطينية (حركة الجهاد الإسلامي) بيانا ترفض رواية المحتل وتؤكد "على وحدة الشعب الفلسطيني وحدة أرضه ووحدة مصيره  وأهدافه العليا المتمثلة بالتحرير والعودة"، وتذكّر بمشاركة فلسطينيي الداخل "في محطات الدعم والإسناد للأسرى" ومساهمتهم "في تحقيق انتصارات الأسرى خلال معارك الإضراب عن الطعام"، ودعت "للوقوف صفاً واحداً في مواجهة الاحتلال والتصدي لمشاريع الفتنة التي أرادها المحتل لعقاب شعبنا".

لم تكن هي المرة الأولى التي يحاول فيها العدو بث الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب الواحد، لأن مصير كيانه مرتبط بعملية تفكيك وتفتيت الشعب الفلسطيني الى مجموعات، من أجل شرعنة وجوده وسرقتة للأرض واستيطانها واستقدام مستوطنين ليحلّوا مكان ما يعتبرهم مجموعات بشرية وُجدت على "أرضهم". فهو يحاول، كلما سنحت له الفرصة، اختراع روايات تثير الفتن والحساسيات في داخل مجتمع الشعب المستعمَر. فكانت هذه المرة الرواية الكاذبة حول أهل الناصرة وعلاقتهم مع الأسرى الهاربين، حيث وجدت الأجهزة الأمنية الصهيونية، بعد 4 أيام على فرارهم، أربعة منهم (محمود العارضة ويعقوب غوادرة)، قرب مدينة الناصرة المحتلة، وبعد استنفار عام شلّ الكيان.

من أجل ترميم صورة كيانه المهزوزة واستبدالها بصورة نصر ما، استخدم العدو أساليبه المعتادة، أولها العنف والتعامل الوحشي مع الأسرى بشكل خاص والشعب الفلسطيني بشكل عام، وانتشار قواته المسلحة بكافة تشكيلاتها، واستعراضها أمام الإعلام المحلي والعالمي، وتكثيف الغارات وإلقاء التهديدات اللفظية ضد الأسرى الأبطال وأهلهم وأبناء بلدتهم، والوعود بإيجاد الأسرى بأسرع وقت ممكن.من خلال بث صور إعادة الاعتقال وتكبيل الأسرى وضربهم المبرح وتصوير بعض المشاهد داخل المحكمة، طمح العدو لإحباط معنويات الفلسطيني المنتفض والثائر. لكنه حتى الآن، لم يعثر العدو، رغم قوته وإرهابه واعتقاله للأقارب، على أسيرين، هما الأسير المحرّر أيهم الكممجي من بلدة يعبد، والأسير المحرّر مناضل أنفيعات، من بلدة عرابة.

من بين الأساليب المعتادة أيضا، بث الإشاعات لكسر وحدة الشعب وانتفاضته التي رافقت هروب الأسرى من نفق سجن جلبوع، وتحويل فرحته وابتهاجه بالعملية البطولية الى مأتم وحزن، وبث الروح الانهزامية القائلة بأن العدو يتحكم بكل شيء ولا يستطيع الفلسطيني الإفلات من قبضة المستعمِر، مهما فعل وضحّى. يريد إثبات أن الكيان هو المنتصر دوما، ليس فقط بسبب قوة سلاحه، بل لأنه يعرف نفسية الفلسطيني، ويعرف كيف يتلاعب بمشاعره، وبالتالي، لا فائدة لمقاومة وجوده ونظامه وظلمه.

بث الإشاعات وإثارة الفتن والترويج للأكاذيب تعد من أقدم الأساليب الحربية التي يستعملها المستعمِر ضد الشعب الضحية، لمنع وحدته وشلّ قدراته الفكرية والمادية، إضافة الى أنها تستقطب الأفراد غير الواعية والضعيفة نفسيا، المستعدة للوقوف مع العدو ضد مصلحة شعبها، بسبب جهلها بأساليب القتال من ناحية وبتاريخ شعبها وأمتها من ناحية أخرى.

من جهة أخرى، يعيش المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل عام 48 صراع دموي مع العدو الذي يحاول أسرلته وانتزاع هويته واعتزازه بالوطن والمقاومة، من خلال إشاعة القتل العشوائي والمنظمات الإجرامية في بلداته ومدنه، والتي تعمل مع الأجهزة الأمنية الصهيونية. لقد استطاع المجتمع الفلسطيني تجاوز هذه المحنة خلال انتفاضة ومعركة "سيف القدس" في شهر مايو/أيار الماضي، وكان في مقدمة المنتفضين شباب مدن اللد وعكا وأم الفحم، الذين أعلنوا عداءهم للكيان والمستوطنين، وأثبتوا تلاحمهم مع أهلهم في القدس وقطاع غزة.

 لقد فاجأوا - كما اعترف الصهاينة -  المؤسسة الصهيونية ومستوطنيها، باستعدادهم للمواجهة مع المحتلين، وأثبتوا أنه لا مجال لما يسمى "سلام اقتصادي" أو غيره، بين المجتمع الفلسطيني في الداخل ومؤسسة المستوطنين. لهذا السبب، تأتي محاولة كيان العدو لإبعاد فلسطينيي 48 عن شعبهم، عن طريق بث إشاعات كاذبة حول موقفهم من قضية الاسرى وحريتهم.

في كتابه الصادر عن "مؤسسة مهجة القدس" قبل سنوات بعنوان "الرواحل"، لفت الأسير الذي أعيد اعتقاله، القائد محمود عارضة، الى ظاهرة الإعلام المعادي وأهمية الوعي لأساليبه، لكي يتمكّن الشعب من الخروج من دائرته وفضح إشاعاته، الى جانب العمل على بث إعلام يحمي المجتمع من الآفات والأمراض ومواجهة الأعداء بطرق واعية.

يتناول كتاب "الرواحل" ضرورة الوعي لأساليب الأعداء، الذين يسعون الى تفتيت الأمة من خلال كتابة التاريخ العربي والإسلامي، كما يفعل المستشرقون الغربيون، الذي يركزون على الفتن والصراعات والدسائس والشخصيات الضعيفة الساعية للحكم، من أجل إحباط معنويات الشعوب العربية والإسلامية بتصوير تاريخها كأنه تاريخ مجموعات متناحرة وليس تاريخ أمة نهضت وأبدعت في كافة المجالات وحافظت على تنوعها الفكري والقومي والإثني والديني، ومن أجل تكبيلها ومنعها من التحرّر. بالنسبة للأسير القائد، الوعي والقراءة والتثقيف هي سبل مواجهة هؤلاء ورواياتهم، لاستعادة الثقة بالنفس وبقدرات شعوب الأمة.

ولكن ليس كل من يدعو الى الوحدة ونبذ الفتنة في المجتمع الواحد ينطق بالحق، إذ من المهم معرفة الأسباب التي تدعوه الى التركيز على هذه المسألة في وقت ما. فالسلطة الفلسطينية خير مثال على ذلك، عندما تدعو  الى الوحدة ونبذ الفتن في الوقت الذي يشتدّ فيه قمعها للحريات واغتيال واعتقال الأحرار الرافضين لسياساتها وعلاقاتها مع العدو. تسعى السلطة الى توحيد الشعب الفلسطيني تحت سقف اتفاقيات أوسلو وتقمع كل الأصوات المندّدة والرافضة لمسار التسوية المذل. أي أن معرفة الأسباب لنداءات الوحدة التي يطلقها أحيانا أركان السلطة مهم للتمييز بين من يطمح للحرية ومن يقبل بالتبعية، ومن يسعى لمقاومة الاحتلال مقابل من يسعى لتمكين السلطة وأجهزتها الأمنية ضد طموحات الشعب الفلسطيني بالتحرير الكامل.

 

 

انشر عبر
المزيد