الأسيرة المجاهدة منى قعدان : ”مشروع مواجهة" وتضحية

11 آب 2021 - 01:51 - الأربعاء 11 آب 2021, 13:51:04

المجاهدة منى قعدان .. عنوان التحدي
المجاهدة منى قعدان .. عنوان التحدي

بقلم: راغدة عسيران

أصدرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، قبل أسبوعين تقريرا عن جلسات التحقيق في سجن الجلمة مع الأسيرة المجاهدة منى قعدان، التي اعتقلت للمرة السادسة في يوم 12/4/2021 في منزلها في بلدة عرابة قضاء جنين. يفضح هذا التقرير التعذيب الجسدي والمعنوي الذي مارسه المحققون الصهاينة خلال 27 يوما متواصلا بحق الأسيرة، التي تم عزلها ولم يسمح للمحامي بزيارتها. أوضح هذا التقرير أن التحقيق "يبدأ من الساعة الثامنة والنصف صباحا لغاية الساعة الرابعة من فجر اليوم التالي". وتضيف الاسيرة قعدان "بقيت خلالها مقيدة اليدين بأصفاد حديدية الى الخلف مثبتة بكرسي، الى جانب الالفاظ البذيئة والشتائم والتهديد باعتقال جميع اهلي".

بعد التحقيق، جرى عرضها على المحكمة العسكرية في سالم 7 مرات، التي مددت اعتقالها في آخر جلسة حتى 13/6/2021 بتهم أمنية. ندّد شقيقها طارق قعدان، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي بالقرار قائلا: "كل الأكاذيب المفبركة التي قدمها الاحتلال تؤكد عدم قانونية اعتقال منى التي تتعرض للعقاب وانتزاع حريتها كونها ناشطة لخدمة مجتمعها وابناء شعبها".

تعتبر اليوم الأسيرة منى قعدان التي تقبع حاليا في سجن الدامون، بعد 4 شهور من اعتقالها، موقوفة، إذ لم يصدر بعد أي حكم بحقها. كمعظم الأسيرات والأسرى في سجون العدو، تقاد الى المحاكم عدة مرات دون جدوى، فقط لكسر إرادتها والانتقام منها، بواسطة "البوسطة" سيئة السمعة، حيث تقضى يوما كاملا أو أكثر في التنقل في "علبة حديدية" مقيّدة اليدين والرجلين، كما وصفها الأسير المحرر جمعة التايه في كتابه "البوسطة". تعد كل رحلة الى المحكمة رحلة عذاب، ويتلذّذ الصهيوني بتعذيب الأسيرات، لا سيما إن كانت أسيرة مجاهدة تواجه وجود العدو في فلسطين.

لم يكن هذا الاعتقال الأول في حياة الأسيرة قعدان. لقد تم اعتقالها 5 مرات سابقة، أولها في العام 1999، بسبب نشاطها الاجتماعي والتوعوي التي تقوم به في الضفة الغربية. تقول "تم اعتقالي لأول مرة عام 1999 عند حاجز عسكري نصبته قوات الاحتلال عند مستوطنة "دوثان" المقامة على أراضي بلدتنا عرابة، وتم نقلي إلى مركز التحقيق في الجلمة حيث خضعت للتحقيق لمدة سبعة وثلاثين يوما، أضربت خلالها عن الطعام، إلى أن تم الإفراج عني". يضيف شقيقها الأسير المحرر معاوية قعدان أنها "خاضت إضرابا مفتوحاً عن الطعام لمدة شهر تقريباً. وكان مطلبها الوحيد الحرية والحرية فقط. واضطر الاحتلال أمام صلابة إرادتها وعزيمتها التي لا تلين للإفراج عنها".

ثم اعتقلت للمرة الثانية في 14/9/2004، مع شقيقها طارق، وحكم عليها بالسجن 18 شهرا، متنقلة بين سجني تلموند والرملة، ثم اعتقلت إداريا بتاريخ 2/8/2007، لمدة سنة في سجن تلموند العسكري. ثم أعاد الاحتلال اعتقالها بتاريخ 31/5/2011. وتم الإفراج عنها في صفقة "وفاء الأحرار"، حيث تم الإفراج عن جميع الأسيرات، باستثناء الأسيرة المحررة لينا الجربوني، من الداخل المحتل عام 1948.

وكما حصل للعديد من الأسرى المحررين بهذه الصفقة، لقد أعاد العدو اعتقال الأسيرة منى قعدان بتاريخ 13/11/2012، ودائما بسبب نشاطها الاجتماعي ودعم الأسرى وانتمائها الى حركة الجهاد الإسلامي. فكانت أول من أعيد اعتقالهم من محرري صفقة "وفاء الأحرار". يقول شقيقها معاوية: "دور منى الريادي في خدمة ذوي الشهداء والأسرى، ونشاطها الدؤوب في خدمة الأيتام أغاظ المحتل الظالم". لذلك، أصدرت المحكمة حكما انتقاميا في يوم 31/3/2015 ضد الأسيرة المجاهدة، بسجنها 70 شهرا، أي ما يقارب ست سنوات؛ بالإضافة للحكم بالسجن لمدة 24 شهراً مع وقف التنفيذ، وبدفع غرامة قدرها 30 ألف شيكل. وكانت الأسيرة قد أمضت أكثر من 27 شهرا في السجن كموقوفة، لا تعرف ما سيحّل بها، ولم يصدر الحكم إلا بعد 25 جلسة محاكمة، حيث أن تمديد المحاكمة وفترة التوقيف الى ما لا نهاية، تعد من أساليب التعذيب الإضافية، يسعى الاحتلال من خلالها استكمال مسرحيته الخاصة بجهازه القضائي ومحاكمه.

لم تمكث الأسيرة المجاهدة منى قعدان أكثر من خمس سنوات خارج السجن، قبل اعتقالها مجددا في 12/4/2021، حيث أعاد العدو جلسات التحقيق المرهقة وتمديد المحاكمة عدة مرات والعزل ومنع زيارات الأهالي، بسبب "المنع الأمني".

من هي الأسيرة المجاهدة منى قعدان ؟ لماذا يلاحقها العدو ويكرر اعتقالها ؟ ولماذا يخشى حريتها ؟ 

كان شقيقها الأسير المحرر طارق قعدان قد  كتب لها حين كانت في السجن: "أعي أنك أصبحت مركزا من التحدي ومشروع مواجهة ولا تقبلين أنصاف الحلول وأرباعها ولو قبل بها أنصاف الرجال، وأنك لا تعترفين بمنطق الممكن والمتاح والآني ولو أعطيت جل المطالب والقضايا".

ولدت الأسيرة منى قعدان بتاريخ 25/09/1971م، في بلدة عرابة قضاء جنين، في عائلة تنتمي الى الفكر الجهادي المقاوم منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، ما جعلها عرضة للاستهداف والاعتقال والملاحقة من قبل العدو الصهيوني.

لقد خاضت الإضراب عن الطعام ثلاث مرات، أول مرة في العام 1999 من أجل حريتها، والمرة الثانية في يوليو/تموز 2011، وكانت معتقلة في سجن هشارون، رفضا للممارسات القمعية بحق الأسرى والأسيرات، والمرة الثالثة في شهر شباط/فبراير 2013، دعما لشقيقها الأسير طارق قعدان الذي كان يخوض معركة الأمعاء الخاوية ضد ظلم الاعتقال الإداري.

تميّزت الأسيرة المجاهدة منى قعدان بإصرارها على مواجهة الاحتلال في معظم الميادين المتاحة، وبإرادتها الصلبة وتحديها الدائم للعدو. فعملت لدعم عائلات الأسرى والشهداء، وساندت الأسرى المضربين عن الطعام، وشاركت في العمل الاجتماعي والخيري والدعوي في أنحاء الضفة الغربية لرفع الوعي الحضاري لدى الأجيال الشابة، كما ترأست "جمعية البراء للفتاة المسلمة" التي حظرها الاحتلال.

واصلت دراستها التي قطعها الاحتلال عدة مرات بالاعتقال. فأنهت دراستها الجامعية والتحقت بالجامعة لإكمال الدراسات العليا، وتخرجت بشهادة بكالوريوس تخصص تربية إسلامية عام 2017، ثم التحقت مباشرة بالدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية، ضمن دراسات المرأة والتنمية، وكذلك الدبلوم العالي بالقانون الشرعي. تدلّ مسيرتها التعليمية أنها كرّست نفسها، خارج السجن، لمواصلة نضالها الاجتماعي.

لكن ما أغاظ العدو وجعله يلاحق الأسيرة منى قعدان وينتقم منها، أنها ارتبطت، حين كانت معتقلة سابقا (2007)، بالأسير البطل إبراهيم اغبارية، من قرية المشيرفة قرب مدينة أم الفحم، والمحكوم بالمؤبد ثلاث مرات وعشرة أعوام، ومعتقل منذ 1992 بعد عملية معسكر جلعاد، التي نفذها مع أخوانه المجاهدين محمد ويحيى اغبارية ومحمد جبارين. يخطط العدو، عندما يحكم أسيرا بالمؤبد، بأن يشعر هذا الأسير بأن حياته انتهت ولم يعد له  أي مستقبل. إلا أن زواج الأسيرة منى قعدان من الأسير ابراهيم اغبارية، المحكوم بالمؤبد، يعني الأمل بالحرية، وهذا ما لا يتقبله العقل الصهيوني العنصري الفاشي. فكانت الأسيرة منى قعدان أول فلسطينية ترتبط بفلسطيني أسير محكوم بالمؤبد، ومن أراضي 48 أيضا.

بعد سنوت الاعتقال والتعذيب، تعاني اليوم الأسيرة المجاهدة منى قعدان، من أمراض عدة، خاصة الضغط والسكري والروماتزم في القدمين، وكان قد أجري لها عدة عمليات جراحية مؤخرا، كما يؤكد القيادي طارق قعدان بالقول أن إدارة السجون "ترفض علاج الأسرى المرضى، ولا توفّر لهم الأدوية المطلوبة، وقد عانت منى خلال اعتقالاتها السابقة من هذا الواقع".

من أجل حرية الاسيرات والأسرى، المطلوب تكثيف حملات التضامن العالمية معهم ومساندة المقاومة الفلسطينية التي تسعى الى صفقة تبادل جديدة.

 

انشر عبر
المزيد