منظمات "حقوق الانسان" ومرحلة التحرير الوطني

31 تموز 2021 - 10:18 - السبت 31 تموز 2021, 10:18:40

بقلم: راغدة عسيران

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان في فلسطين المحتلة. متى نشأت معظم هذه المنظمات وما هي مهماتها؟ ما هو دورها ومن يموّلها؟ ما هي الأسس الفكرية والسياسية التي تقف عليها؟ وما هو تأثيرها على مسيرة تحرير فلسطين من الغزو الصهيوني؟

ظهرت معظم هذه المنظمات التي تحمل عبارة "حقوق الانسان" أو"حقوق المواطن" في تسعينيات القرن الماضي، بعد اتفاقيات "أوسلو" المشؤومة وإقامة "سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود" على أجزاء من فلسطين المحتلة، تحت رعاية المجتمع الدولي، وبالاتفاق مع كيان العدو.

تختلف هذه الجمعيات والمؤسسات عن الأطر التي كانت موجودة تاريخيا داخل المجتمع الفلسطيني، والتي كانت تقوم بمهام عديدة لحماية المجتمع من الغزو الصهيوني، كجمعية نادي الأسير مثلا التي كانت تدافع عن الأسرى، أو التعاونيات والنقابات والجمعيات الأهلية والدينية، المحلية والوطنية، من ناحية ارتباطاتها الدولية وتمويلها من جهة ومن ناحية اسسها الفكرية من جهة أخرى.

تزامنت اتفاقيات "أوسلو" المؤسسة لإقامة السلطة مع انتشار فكرة "المجتمع المدني"، أي مجتمع المؤسسات والجمعيات غير الحكومية في العالم، الذي من المفترض أن تشكّل بديلا عن النقابات والأحزاب وأطر أخرى، بعد "سقوط" الايديولوجيات، كما نظّر له أكثر من منظّر (ايديولوجي) غربي.

في فلسطين المحتلة، داخل أراضي 48 وفي الضفة الغربية والقدس ومخيمات اللجوء، كما في معظم الدول العربية، انتشرت جمعيات "حقوق الانسان" وغيرها، الخاصة بالأطفال والمرأة والشباب، والبيئة والثقافة، لتشكل ما سمي بـ"المجتمع المدني" مقابل "المجتمع الأهلي التقليدي"، ونشأت أطر جامعة لبعضها للتنسيق بينها وإعلاء صوتها.

شجّعت الجهات المموّلة للسلطة الفلسطينية (البنك الدولي والدول المانحة) صعود هذه الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية، على أساس أن تكون أداة مراقبة للسلطة من ناحية، ضد الفساد والقمع واختراق القوانين، من أجل بناء دولة "رشيدة"، وأن تتولى، من ناحية أخرى، إعادة صياغة الأفكار والانتماءات والوجدانيات التي حكمت المجتمع الفلسطيني منذ بداية المشروع الصهيوني، أي ترسيخ فكرة ومشروعية "الدولة الفلسطينية" الى جانب الكيان الصهيوني "الشرعي"، واستبدال العمل والفكر السياسي بالعمل والفكر الحقوقي، واتخاذ مرجعية الشرعية الدولية والقانون الدولي ومشتقاته في أدائها. 

من الجدير بالذكر أن معظم المؤسسات الحقوقية التي ولدت في فلسطين المحتلة خلال هذه الفترة والتي تم تمويلها من الاتحاد الأوروبي أو من جهات أوروبية شبه رسمية أقيمت من قبل شخصيات انتمت الى الفصائل اليسارية داخل منظمة التحرير الفلسطينية أو مقرّبة منها. فلم تقم جمعيات حقوقية مماثلة ذات التوجه الإسلامي أو مرتبطة بحركة إسلامية إلا بعد بداية الألفية الثانية، وخاصة بعد 2006.

اختلف أداء هذه المنظمات الحقوقية الفلسطينية، فركّز بعضها على الوضع الفلسطيني الداخلي، أي مراقبة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها والعمل على تحسين تعاملها مع المواطن وفضح الاعتقالات السياسية، ولكنها لم تقم بدورها عندما كانت الأجهزة الأمنية تعتقل المجاهدين والمناضلين السياسيين في الضفة الغربية وتنسّق مع الأجهزة الصهيونية، إلا نادرا، ولم تنتقد التنسيق الأمني بين العدو والسلطة. قد يكون تمويل هذه الجمعيات الحقوقية مشروطا بعدم تناول مسألة الصراع مع العدو.

يتابع بعضها انتهاكات حقوق الانسان الفلسطيني من قبل العدو، ويوثق للاغتيالات "خارج القانون" والاعتقالات غير الشرعية والانتهاكات لحقوق الأسرى والأسيرات داخل السجون الصهيونية وحالات التعذيب، وأحيانا داخل سجون السلطة. ويرسل تقاريره الى الجهات المختصة في العالم، أولها هيئات الأمم المتحدة والمنظمات المموّلة.

وسّعت بعض هذه الجمعيات المختصة بحقوق الانسان اهتمامها بتوثيق انتهاكات الصهاينة للقوانين الدولية في مجال السكن (تدمير المنازل) وقامت أخرى بتوثيق التمييز العنصري في الداخل المحتل عام 1948 وتقديم الشكاوى الى المؤسسات الصهيونية المختصة، كالمحكمة العليا.

لقد تطوّرت بعض هذه الجمعيات وأصبحت تصدر تقارير أسبوعية أو شهرية، وبيانات باللغتين العربية والانكليزية وأحيانا بلغات أوروبية أخرى، وأصبح لها أجهزة رصد ومتابعة في كافة الأراضي المحتلة عام 1967، ما مكّنها من أن تكون مرجعية قانونية لمواجهة الكيان الصهيوني، في الأمم المتحدة ومؤسسات غربية ومرجعية إعلامية لدى الجمعيات الغربية الصديقة للشعب الفلسطيني.. فشكّل عمل هذه الجمعيات تحديّا خاصا لكيان العدو ولسمعته في العالم، كون تقاريرها تستند الى اللغة القانونية، وهي اللغة المفضّلة لدى دوائر عالمية كثيرة.

لكن تفتقر هذه الجمعيات الى أدوات التأثير على العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني. فهي من جهة غير فاعلة في الساحة الفلسطينية، أي أنها لا تشارك في الفعاليات الجماهيرية ضد الاحتلال ولا تساندها، حتى لفظيا، بسبب رقابة المموّلين لها ومنعهم من أن يكون ضمن طواقمها من ينتمي الى الفصائل المقاومة. ومن جهة أخرى، لا تؤثر تقاريرها على الأداء اليومي المتوحش للكيان الصهيوني، الذي لا يأخذ بالحسبان فعليا التقارير الصادرة ضده كما لا تأخذ الدول المانحة أي إجراءات عقابية ضده، رغم امتلاء خزائنها بالتقارير المنددة بجرائمه. تساءلت عدة جمعيات عن جدوى هذه التقارير الموثقة للعدوان، لكنها تثابر بانتظار تغيير موازين القوى التي ستحدثها المقاومة في فلسطين والمنطقة. ما يعني أن وجودها مرتبط بالتمويل الأجنبي وفعاليتها بتطوير المقاومة.

رغم مواجهتها لانتهاكات الكيان الصهيوني، لا تخرج هذه الجمعيات الحقوقية عن فضاء السيطرة الفكرية والنيوليبرالية الغربية. فهي أولا تكرّس الخطاب الحقوقي بدلا عن الخطاب السياسي، حيث أن الخطاب الحقوقي يستند الى القوانين الدولية ويتبنى "الحيادية" لغويا، وموجّه الى مؤسسات المجتمع الدولي، في حين يستند الخطاب السياسي الى التاريخ والفكر وميزان القوى في العالم، الى واجب مقاومة الغزو الخارجي والى حق الشعوب في الحرية، وهو موجّه أساسا للشعوب وقواها السياسية والقوى الشعبية الداعمة لها في العالم. يستند الخطاب السياسي على المعلومات الموثّقة من قبل الجمعيات الحقوقية ويعيد صياغتها بلغته ويلغي "الحيادية" المصطنعة ليصف الأمور كما هي.

إلا أن الجمعيات الحقوقية لم تراجع إشكاليات مفهوم "حقوق الانسان"، وخاصة في مرحلة التحرر الوطني وفي ظل سيطرة الدول الغربية على العالم. لقد تنبّهت العديد من حركات التحرر والقوى المناهضة للسيطرة الفكرية الغربية الى هذا المفهوم الغربي الذي يروّج للحقوق الفردية في مجتمعات تبحث عن حريتها وحقها في الحياة وفي أرضها، وتناضل من أجل الاعتراف بها كمجتمع وليس كمجموعة أفراد، كما أن هذا المفهوم يمزّق المجتمعات بإدخال، تحت رايته، مفاهيم غربية وغريبة عن الموروث الثقافي والحضاري لتلك المجتمعات. يفضّل البعض الحديث عن "الحقوق الإنسانية" بدلا عن "حقوق الإنسان"، كي يضمّ هذا المفهوم جميع الشعوب وحقوقها بالتساوي ولا يساهم في الترويج لنظرة الغرب للعالم والإنسان.

وأخيرا، تواجه اليوم المقاومة الفلسطينية والمقاومة العربية للكيان الصهيوني ولعملائه وأعوانه، حصارا غير مسبوقا من قبل الدول الغربية والعربية، لمنع تحرير فلسطين والمنطقة من النفوذ الغربي المتصهين. لقد تغلغلت الجمعيات المموّلة لتعيد صياغة الفكر والمفاهيم التحررية واستبدالها بمفاهيم خارجة عن التاريخ والجغرافيا ووجدان شعوبها.

هل ستتمكن هذه الجمعيات من الخروج من النفوذ المالي والفكري الغربي للدفاع عن المقاومين والمقاومة في المنابر العالمية؟

 

 

 

انشر عبر
المزيد