ناجي العلي لم يمت… ومحبوه ما زالوا ينتظرون يوم يدير «حنظلة» ظهره ويريهم وجهه

24 تموز 2021 - 08:05 - السبت 24 تموز 2021, 08:05:32

في مثل هذا اليوم من عام1987 غداة استهدافه برصاصة غادرة في وسط العاصمة البريطانية، توقفت ريشة ناجي العلي عن الكلام، لكن مخزونه من نتاجها ما زال أدق وأصدق تعبير عن قضية فلسطين وشعبها. تذهب وتغدو ذكرى الفنان الراحل ناجي العلي لكنها تتوهج ولا تخسر بريقها مع تقادم الأيام منذ نحو ثلاثة عقود ونصف، بفضل صدق وإتقان والتزام رسوماته المعبّرة الحادة كحد السيف عن قضية فلسطين في كل مراحلها وتقلباتها، خاصة أنه توقع الكثير منها ومن ضمنها تحول الأشقاء والأصدقاء إلى حلفاء مع الاحتلال.

وناجي العلي( 1937 ـ 1987 ) ابن قرية الشجرة الجليلية (قضاء طبريا) أحد أهم وأشهر رسامي الكاريكاتير الفلسطينيين والعرب. استهدف في لندن في22 يوليو/ تموز بإطلاق الرصاص عليه ودخل في غيبوبة حتى وافاه الأجل في التاسع والعشرين من أغسطس/ آب 1987. ومنذ رحيله لم يتوقف أتراب ناجي العلي عن استذكار ناجي الطفل والإنسان والمناضل والرسام. يستذكرون تجارب وذكريات كأنها هي الأخرى قبل شهور رغم أن عمرها سبعة عقود ونيف، وكافتهم يقولون إن ناجي لم يمت لأن من يخلق 40 ألف كاريكاتير لن يموت. وفي كل الحالات الاستنتاج واحد: الأيام تجري بسرعة البرق.. وبمقدور البشر التعويض عن الزمن المفقود بالمحافظة على ذكريات البدايات، بحلوها ومرّها وتوثيقها، لأن الذاكرة أيضا تخون صاحبها، ولذا حفظت «القدس العربي» شهادات بعض الشهود حول الرسام الشهيد صاحب الريشة النادرة.

ويتساءل المؤرخ الفلسطيني البروفيسور مصطفى كبها في الذكرى الرابعة والثلاثين لاغتياله بالقول كيف كان لناجي العلي أن يرسم خطوط أزمتنا الحالية؟ وعن ذلك يقول كبها لـ«القدس العربي» إن اغتيال ناجي العلي كان اغتيالا للكلمة الحرة الجريئة وتحطيما لمرآة ضمير ووجدان الشعب والأمة.

ويوضح كبها أن الضباب ما زال يغطي تفاصيل وأسباب ودواعي الاغتيال رغم أن معظم الخيوط تشير الى أياد مأجورة آثمة، كما يبدو من أبناء شعبه، قامت بذلك خدمة لجهات خارجية وداخلية آذاها حنظلة (رسم لطفل في العاشرة يدير ظهره للصورة رافق ناجي العلي طيلة فترة نشاطه) بصراحة ريشته وجرأتها. وعن قصة حنظلة وكيفية ولادة فكرته قال كبها إن حنظلة يرمز لناجي العلي نفسه التي صعقت الطفولة طفولته وهو في العاشرة، منوها أن صحافيا نقل عنه قوله قبل عقود «ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعده في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء». ويتابع» أما عن سبب تكتيف يدي حنظلة يقول ناجي العلي: «كتفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبّعا. وعندما سُئل ناجي العلي عن الموعد الذي سيدير فيه حنظلة ظهره ليرى المشاهدون وجهه أجاب: «عندما تصبح الكرامة العربية غير مهدّدة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته».

واستذكر الحاج هاني ذيابات أبو نعمان، ابن قرية ناجي العلي، الشجرة، التي دمرتها الصهيونية في يوليو/ تموز عام 1948 وهو أقسى الشهور لها وله، فاستعان ضمن شهادة تاريخية بذاكرة متقدة لاستعادة ذكريات ست سنوات جمعتهما على مقاعد الدراسة. أبو نعمان اللاجئ في قرية طرعان المجاورة يوضح أن المدرسة كانت صغيرة وضمت نحو 60 طالبا وقد عدّد أسماء معظمهم وكل المعلمين.

وأشار ذيابات الى أن معلما من بيسان يدعى حريص قد علمهّما الرياضة، والأناشيد الوطنية والقومية والرسم وقد تنبه مبكرا لموهبة ناجي العلي. وتابع «منذ طفولته اعتبر ناجي العلي رسّام المدرسة والحي ّوخلال اللهو في لعبة «الحيزة» المعروفة بلعبة «الطوف» كان ناجي يتولى فيها مهمة رسم المربّعات على الأرض».

أبو نعمان الذي عذّبه الحنين لموطنه يشير الى أنه وأترابه كانوا «يسرقون» حجارة الجير («الطباشير») النادرة وقتها من المدرسة ويزودون ناجي بها ليرسم على الجدران وبوابات البيوت الحديدية. كما أشار الى أن الراحل كان يكثر من رسم الحيوانات كقطعان الماعز والجمال والطيور بسرعة ودقة فائقتين. وتابع «كان بمقدور ناجي العلي أن يرسم حيوانا أو طيرا بثوان بعدما يمر من أمامه بلمح البصر».

وأوضح أن ناجي العلي نزح مع عائلته إلى بعض أقربائه في قرية العزير المجاورة ومنها إلى لبنان نتيجة تصاعد اعتداءات العصابات الصهيونية على الشجرة، لافتا الى أن العلاقات بينهما انقطعت منذ النكبة عام 48.

كلمات لاذعة

الحاج محمد ذيابات (أبو إبراهيم) من الشجرة أصلا والمهجّر في كفركنا المجاورة منذ النكبة، يتفق مع قريبه أبي نعمان أن ناجي العلي كان في طفولته نحيفا، مسالما وهادئا، لكنه يميل للكلمات الساخرة اللاذعة. وأضاف أبو إبراهيم « كان ناجي العلي تلميذا هادئا ونجيبا لكنه ليس عبقريا. وأذكر أن قريبا له يدعى فهمي ربما ابن شقيقته كان يتجاوزه في التحصيل المدرسي».

أما الحاجة نجية هياجنة أم عادل المهجّرة في قرية كفركنا التي ولدت سنة ميلاد ناجي نفسها عام 1937 فقد أكدت هي الأخرى أنه كان مغرما بالرسم على الحيطان. وأشارت الى أنه أحبّ الرسم على جدران وبوابات المنازل في قريته وأنه كان ذكيا لمّاحا وسريع البداهة.

ويستذكر ابن بلدتها إبراهيم أبو ناصر السجراوي أنه كان يدأب على مساعدة والده في العمل بعد الظهر في دكان بملكيته في حي المنزول في القرية.

شهادة معلمه

وفي شهادة تاريخية أخرى أكد المربي المتقاعد محمود عبد الفتاح( أبو الرائد) المقيم في مدينة الناصرة ما قاله أتراب ناجي وأبناء مدرسته، وقال إنه يذكر ناجي العلي طالبا نبيها لمّاحا.

أبو الرائد الذي يقرض الشعر ويتمتع بذاكرة قوية أشار الى إنه عمل في التدريس في مدرسة الشجرة عامين قبل نكبتها عام 48. ويقول إنه عرف ناجي وعائلته وأهالي الشجرة عن قرب، منبها أن مسؤول لواء الشمال في وزارة التعليم التابعة لحكومة الانتداب البريطاني وقتها جميل زنانيري عرض عليه أن يعمل مدرسا في قريتي المنسي في مرج بن عامر وجبع في الكرمل، لكنه آثر أن يلتحق بمدرسة الشجرة لقربها من قريته، الرينة. وتابع «أذكر كيف استقبلني مدير المدرسة حسين الدسوقي (أبو العبد) من قرية برقة قضاء نابلس بوجه بشوش في خريف 1946 قبل أن يضع بين يديه مهمة تدريس التاريخ وصرت أبيت في بيت سعيد بكارنة كعادة المعلمين وقتها».

كما أشار الى أنه وناجي العلي درسا حتى الصف السادس الابتدائي وتتلمذا الدين والزراعة على يد المدير الدسوقي، فيما علمهما محمد عز الدين من صفد اللغة العربية ومحمود عبد الفتاح عثامنة من قرية الرينة (مقيم في الناصرة) الرياضيات، فيما علمّهما محمد أسعد من صفد الجغرافيا. واستذكر أيضاه أن درّس ناجي العلي يوم كان تلميذا بالعاشرة من عمره بعمر «حنظلة» منوها أن بينهما شبها بالروح. ويضيف «رغم صغر سنه كان يمكن استشعار روحه الساخرة». ولفت أبو الرائد أن أهالي الشجرة، القرية المميزة بوفرة بساتينها وخصوبة أراضيها، تميزوا بذكائهم وبرغبتهم بتعليم أبنائهم.

ذكريات الطفولة

وهذا ما أكده لـ«القدس العربي» قبيل رحيله الفنان محمد صالح( أبو عرب) ابن قرية الشجرة التي هجّر منها وهو بالسابعة عشرة من عمره، بالقول إنه لم يكن في القرية سوى 17 أميّا فقط.

أبو عرب زار الشجرة في ربيع2012 للمرة الأولى والأخيرة وفوق ترابها استذكر رفيق دربه بالفن الملتزم ناجي العلي، وقال إنه حينما كانا يسافران سوية اعتادا على المبيت في غرفة واحدة، فيقضيان الليل باستحضار ذكريات «جميلة وأليمة من أيام الطفولة والصبا في الشجرة التي أثّر الشوق لها فيهما وبفنهما عميقا. وتابع» كنا نلف الجبال والسهول ونتجّول بين الكروم والمقاثي والحقول لالتقاط ثمار الذرة وتناولها بعد طهوها على الحطب». كما استذكر سيمفونية الأجراس الرنانة المثبتة في أعناق الماعز وهي عائدة عند المساء فيما كان الرعاة بدورهم يملأون الفضاء بألحان الناي (الشبّابة). ويضيف «كان ناجي يقول لي إن صياح الديوك في الصباح وهي تملأ الفضاء ظل يرن في أذني».

وعندما سئل خلال مرافقة «القدس العربي» له أثناء زيارته للشجرة وقتها: أنت عدت لساعة وناجي لم يعد؟ قال الشاعر الذي أسّس للأغنية الفلسطينية التراثية الملتزمة منشدا بصوت حزين شجي مرتجلا قبالة موقع «توتة الدار»: «أوف…. أوف أيام الدهر يا ناجي لو إنك لو إنك حزين وسمع هالوادي.. لو إنك.. لو إنك قبل ما تغادر كحلت عيونك بشوف التراب».

ويرجح أبو عرب أن ناجي العلي دفع ثمن رسوماته الجريئة ومواقفه الصلبة يوم أطلق عليه مجهول رصاصة في رأسه في 22 يوليو/تموز 1987.

وتوفي في26 آب/ أغسطس من العام نفسه ودفن في لندن بخلاف وصيته بأن يدفن بجوار والده في مخيم عين الحلوة الذي عاش فيه، تاركا زوجة وأربعة أبناء ونحو 40 ألف رسمة.

المصدر: القدس العربي

انشر عبر
المزيد