إسقاط نظام "الإبارتايد" أم تحرير فلسطين ؟

05 تموز 2021 - 11:26 - الإثنين 05 تموز 2021, 11:26:05

بقلم: راغدة عسيران

منذ أكثر من عقد من الزمن، دأب عدد من المثقفين والسياسيين، الفلسطيين والعرب، على توصيف طبيعة الكيان الصهيوني باعتباره نظام فصل عنصري (أبارتايد)، رغم استخدام مصطلح "الإستعمار الإستيطاني" الى جانبه، للتأكيد على تاريخه الاستيطاني.

يبدو أن عدة عوامل ساهمت في ترويج مصطلح الفصل العنصري لتوصيف الكيان الغاصب، أهمها الممارسات والتصريحات العنصرية الفجة إزاء الشعب الفلسطيني، في الاراضي المحتلة عام 1948 و1967. ثم جاء بناء الجدار الأسمنتي حول الضفة الغربية المحتلة خلال انتفاضة الأقصى الذي أطلق عليه اسم "جدار الفصل العنصري"، لأنه يفصل الفلسطينيين عن الأراضي المحتلة عام 1948 ومدينة القدس، والأراضي التي ضمّها هذا الجدار الى الكيان.

ومن العوامل المساهمة أيضا، انتصار شعب جنوب إفريقيا، في تسعينيات القرن الماضي، ضد نظام الفصل العنصري الذي أسسته أقلية أوروبية إستيطانية اعتبرت نفسها، كما اعتبرها المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) أقلية أصلانية (إذ يعود بداية استيطانها للأراضي الأفريقية الى القرن السابع عشر)، فتمت التسوية بين المستوطنين "البيض" والأفارقة بإلغاء نظام "الأبارتايد" لتصبح الدولة "دولة كل مواطنيها"، حيث شكلّ الأفارقة الأكثرية الديمغرافية في حين استمرت الأقلية الأوروبية تتحكم باقتصادها الليبرالي.

والعامل الأخير هو تبنّي أصدقاء فلسطين الغربيين لفكرة إسقاط نظام "الأبارتايد" في "إسرائيل" وتفضيله على مهمة تحرير فلسطين، لا سيما وأن شرائح واسعة من الجمهور الغربي باتت تدعم النضال الفلسطيني وفق هذه الرؤية، أي النضال لإسقاط نظام الفصل العنصري، كما سقط في جنوب إفريقا، والنضال ضد العنصرية الفجة كما ناضل ويناضل المجتمع الأفرو- أميركي في الولايات المتحدة، بعد صعود الفاشية العنصرية الصهيونية. فقد ركزّت الدراسات الأكاديمية وغيرها على كافة مظاهر ومستويات هذه العنصرية، وكون العنصرية تعد جريمة من قبل المؤسسات الدولية، أولها منظمة الأمم المتحدة.

ترافقت مقولة إسقاط نظام "الأبارتايد" الصهيوني في فلسطين المحتلة مع فكرة الفصل بين الأراضي المحتلة عام 1948 وتلك المحتلة عام 1967، من قبل اتفاقيات "أوسلو" أو حتى الأصوات الناقدة لهذه الاتفاقيات. لقد وضّحت الاستاذة رنا بركات من جامعة بيرزيت في مقال لها (2018) كيف تم التمييز بين الاحتلالين من قبل أكاديميين غربيين مختصين بمجال الاستعمار الإستيطاني (فراسيني)، معتبرين أن الإستعمار الإستيطاني نجح في أراضي 48 بإقامة الكيان الصهيوني حيث تحوّل المجتمع اليهودي الإستيطاني الى مجتمع أصلاني، من جهة، وباعتبار أن هذا الإستعمار الإستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة غير ناجح أو متعثر، ولذلك فهو احتلال، من جهة أخرى.

تجسدت هذه المقاربة، الفصل بين 48 (تمييز عنصري) و67 (احتلال) في أطروحة حركة المقاطعة (بي دي أس)، التي تبنّت ما يسمى الشرعية الدولية، من أجل محاصرة الكيان الصهيوني لحين يستجيب للقانون الدولي ويتراجع عن احتلاله لأراضي 67 ويكفّ عن التمييز العنصري إزاء فلسطينيي 48 ويعود اللاجئون الى ديارهم.

إن التنظير للفصل بين الجزئين من فلسطين يشرعن أولا إقامة الكيان الصهيوني على أنقاض فلسطين التاريخية، كما حصل في دول إستيطانية أخرى في العالم (أميركا الشمالية وإفريقيا الجنوبية مثلا)، حيث لم تعد مسألة التحرير مطروحة أمام الشعوب المنهوبة والمقتلعة (كونها خسرت في حرب الإبادة، كما يظنّ) بل يتوجب عليها ايجاد صيغ للتعايش ضمن هذه الدول مع الاعتراف بحقوقهم والمشاركة في الحكم مع المستوطنين الذين أصبحوا، مع مرور الوقت، شعب أو شعوب أصلانية، كما ينظر الباحث الأوغندي محمود ممداني، الى اليهود "المزراحيم" كأصلانيين في فلسطين، لأسباب دينية وسياسية.

تطرح تجزئة الوطن الفلسطيني بين نظامين، من جهة تمييز عنصري إزاء "الأقلية العربية" ومن جهة أخرى احتلال للمناطق الفلسطينية (67) مسألة مواجهة هذا الكيان. في حين تبدو مهمة التحرير شرعية في المناطق المحتلة، فلم تعد كذلك في فلسطين 48 بالنسبة لما يسمى "المجتمع الدولي"، حيث اختصرت المهمة بمواجهة نظامه العنصري الذي يطال كل مناحي الحياة، والنضال من أجل أن يصبح الكيان "دولة كل مواطنيها" (اليهود المستوطنين والعرب الفلسطينيين)، كما جاء في طرح د. عزمي بشارة وحزبه (التجمع الوطني الديمقراطي) قبل أكثر من عقدين من الزمن، والوثائق الفلسطينية الثلاثة بعد انتفاضة الأقصى.

لقد أكّدت هذه الوثائق أيضا على وجوب الاعتراف بالنكبة من قبل المؤسسة الصهيونية كبادرة حسن نية للمصالحة مع الشعب الفلسطيني، مثلما اقترح الباحث ممداني بالنسبة للشعوب الهندية في أميركا، بالقول أن على الأميركيين معرفة تاريخهم الحقيقي والاعتراف بما اقترفوه من مجازر بحق الشعوب الهندية، كطريق للمصالحة التاريخية وللمواطنة الحقيقية، عوضا عن مطالبة الشعوب الهندية باسترجاع أراضيهم وبحق تقرير المصير عليها.

بعد تغوّل الاستيطان في الضفة الغربية، بما فيها مدينة القدس، واقتناع جمهور واسع بعدم صلاحية حلّ الدولتين، صعدت أطروحة الدولة الواحدة، أي "فلسطين – إسرائيل"، التي يجب تفكيك نظامها العنصري، كما فعل الشعب الإفريقي في جنوب إفريقيا. هنا أيضا، تنطلق أطروحة إسقاط نظام "الأبارتايد" الصهيوني من الاعتقاد أن المشروع الاستيطاني الصهيوني قد نجح الى حد كبير في الضفة الغربية والقدس، ومهمة تحرير الأرض من الصهاينة قد أصبحت شبه مستحيلة.

بدلا من أن يكون الإستعمار الإستيطاني الإحلالي هو العنوان الأوسع للعودة الى وحدة الأرض والقضية والشعب، لقد تم التركيز على أحد جوانب هذا الإستعمار، وهو التمييز العنصري، الذي أصبح العنوان الرئيسي، حيث تقاس عليه كل ممارسات الاحتلال، من قتل واعتقال وهدم المنازل وقمع وحرق المزروعات ورفض عودة اللاجئين. كلها ممارسات باتت تدلّ على عنصرية الكيان ومؤسساته، وليس على طبيعته الإستيطانية الإحلالية التي تهدد اليوم الفلسطينيين في كل مكان، من النقب الى الأغوار، ومن الخليل الى الجليل.

وبدلا من استعادة وحدة الأرض والشعب والقضية تحت راية التحرير، كما كان الطرح الثوري بعد النكبة، تم إعادة توحيد الأرض والشعب والقضية تحت راية إسقاط نظام الفصل العنصري، من منطلق الهزيمة أمام المشروع الصهيوني، حيث سيتحوّل المستوطنون، الجدد والقدامى، الى مواطنين أصلانيين، مع مرور الوقت، يتقاسمون الوطن الفلسطيني مع شعبه الأصيل.

تصطدم أطروحة إسقاط نظام "الأبارتايد" الصهيوني كبديل لتحرير فلسطين بعدة حقائق، أولها أن المشروع الصهيوني لم ينجح ولم يستسلم الشعب الفلسطيني بعد قرن من الزمن أمام الهجمة الاستيطانية. معنى ذلك أن المستوطن لم ولن يصبح شعبا أصيلا، لم ولن تتم شرعنة وجوده على أرض فلسطين، طالما يواصل الشعب الفلسطيني، في كل أماكن تواجده، في فلسطين 48 أو 67 وفي اللجوء، مسيرة المقاومة.

الى اليوم، هدف تحرير الأرض والوطن ما زال مطروحا، حتى في الجزء المحتل عام 1948. فصعود اليمين الفاشي في كيان العدو ليس إلا دليلا على استحالة تطبيق المشروع الصهيوني في فلسطين، بسبب مقاومة الشعب الفلسطيني واحتضانه من قبل الأمة. تتآكل القيم الليبرالية الكاذبة في المجتمع الإستيطاني الصهيوني كلما تأكّد أن كيانه غير مستقر، رغم قوته المادية.

ثانيا، تتنكر اطروحة إسقاط نظام الفصل العنصري لمكانة المقدسات في الصراع ضد الصهاينة. لقد اعتبرت أطروحة الإستعمار الإستيطاني أن المستوطنين يخترعون تاريخا دينيا في معظم الأحيان لتبرير استيطانهم وممارساتهم الوحشية. لكن تبقى فلسطين والقدس مختلفة عن كل النماذج التي تم دراستها، لأنها تخص أمة بكل شعوبها وليس الشعب الفلسطيني وحده. إضافة الى أن تاريخ المنطقة يجعل من احتلال فلسطين وإقامة كيان إستيطاني قضية عربية وإسلامية، تؤثر على مصير شعوب المنطقة ومستقبلهم.

لهذه الأسباب، لا يمكن حلّ القضية الفلسطينية إلا بتحرير الأرض وزوال هذا الكيان الغريب عن المنطقة.

 

 

 

 

انشر عبر
المزيد