في الذكرى الأولى لرحيله..

الدكتور شلح: "إننا نرى من فوهة بنادقنا القدس ومآذن القدس"

06 حزيران 2021 - 02:48 - الأحد 06 حزيران 2021, 02:48:18

وكالة القدس للأنباء – خاص

بقلم: راغدة عسيران

في الذكرى الأولى لرحيل القائد المجاهد والمفكّر، الدكتور رمضان عبد الله شلح، الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وبعد الانتصار الذي حقّقه الشعب الفلسطيني ومقاومته في معركة "سيف القدس"، لا بدّ من التذكير بدوره في صنع هذا الانتصار الكبير، وهو الذي تولى قيادة "حركة الجهاد الإسلامي" لمدة 22 عاما، من العام 1995 الى 2018، بعد اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي، مؤسس الحركة وأمينها العام الأول.

خلال عقدين من الزمن، ساهم القائد الراحل بتجذير وتوسيع "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، فكريا وسياسيا وعسكريا وتنظيميا، والانتقال بها من حركة مقاومة مبادرة لقتال العدو ومتصدية لمشاريع التسوية، الى حركة تتمتع بقدرة عالية على مواجهة العدو والتصدي لعدوانه، حتى أصبحت إحدى القوى الضاربة والمؤثرة في فلسطين.

شلح باني مرتكزات الانتصار

لقد ذكر القائد زياد النخالة أن "حركة الجهاد تطوّرت، وتضاعفت قوتها في ظل قيادة الدكتور رمضان شلح". فطوّرت أداءها السياسي، وبنت جهازاً عسكرياً متماسكاً ومتطوراً، ووسّعت تحالفاتها للتصدي للضغوط الداخلية والخارجية، لفرض تسوية مذلّة على الشعب الفلسطيني.. وعملت جاهدة لرصّ صفوف الشعب الفلسطيني تحت راية المقاومة. ويضيف أن الأمين العام السابق للحركة "ترك بصمة واضحة في مسيرة الجهاد والمقاومة ومسيرة الشعب الفلسطيني باتجاه القدس وباتجاه فلسطين."

فكان القائد المجاهد رمضان شلّح ينطلق دائما في أسس صراع الأمة مع الكيان الصهيوني والغرب الامبريالي، فكريا وسياسيا، لبناء جبهة قوية متماسكة لا تفرّط بالثوابت، رغم صعوبات وتحديات المرحلة، خاصة بعد اتفاقيات "أوسلو"، وبعد انتفاضة الأقصى، وبعد الحروب العربية الداخلية المتنقلة وانكشاف عجز النظام العربي، إن لم يكن تواطؤه، تحت مظلة الولايات المتحدة الأميركية.

لا يمكن الحديث عن تطوّر "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، من كافة النواحي، في فلسطين المحتلة وفي اللجوء، دون التذكير بدور القائد الراحل، الذي ركّز في كافة خطاباته والمقابلات معه، في السنوات الأخيرة وحتى قبلها، على أهم مرتكزات الانتصار الذي تحقّق في "سيف القدس": مكانة مدينة القدس في العقيدة والتاريخ؛ واجب الجهاد ضد العدو؛ تنمية القدرات العسكرية وإمكانية الانتصار؛ معنى ضرب تل أبيب (البقرة المقدسة) لدى الصهاينة؛ كسر عزلة قطاع غزة عن فلسطين؛ أهمية الوحدة الوطنية على أساس المقاومة ومواجهة العدو؛ وشمول فلسطينيي 48 واللجوء في "الاستراتيجية الوطنية"؛ وتوحيد الأمة وقواها الضاربة في مواجهة العدوان الصهيو-أميركي على المنطقة.

انتصار "سيف القدس"

ورغم الظروف القاسية التي مرّت على الشعب الفلسطيني ومقاومته، بعد اتفاقيات أوسلو، وما تلاها من إقامة السلطة الفلسطينية، والتفريط العربي الرسمي بالقضية الفلسطينية، كان د. رمضان شلح متفائلا، كونه قرأ جيدا التحولات الإستراتيجية في المنطقة، بعد معركة التحرير في لبنان (العام 2000) وصعود قوى المقاومة الاقليمية، ودور الجمهورية الإسلامية في ايران،  بتغيير المعادلة في المنطقة. فكان الانتصار في معركة "سيف القدس" تتويجا لما أسسه خلال عقدين من الزمن، سياسيا وعسكريا.

انطلاقا من مفهوم الصراع الذي تبنّته "حركة الجهاد الإسلامي"، باعتباره "صراع حضاري شامل بكل أبعاده وبكل مكوناته... (و) صراع وجود لا صراع حدود؛ أن نكون أو لا نكون.. (و) صراع على التاريخ والجغرافيا؛ وعلى الدور والمكانة في العالم"، كما حدّده القائد المجاهد د. رمضان شلّح (2012)؛ أكّد مرارا على رفض اتفاقيات "أوسلو" والاعتراف بالكيان الصهيوني. حيث أن الاعتراف به "يعني لنا الاعتراف بإلغاء فلسطين وأصحابها الأصليين.. ولا يملك أحد على وجه الأرض أن يلغي فلسطين" (2017)؛ مع الإصرار على توحيد الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وأينما وجد: "شعب فلسطين شعب واحد، قضيته واحدة ومصيره واحد، وهدفه واحد، وهو تحرير وطنه فلسطين والعودة اليه"؛ مذكّرا أن فلسطينيي 48 "أهم ذخر استراتيجي للقضية"، ما أصبح يردّده اليوم كثيرون، بعد اكتشاف دورهم في مواجهة الكيان الصهيوني خلال المعركة الأخيرة، في مدينة القدس والبلدات والمدن المحتلة.

القدس مدينة مقدسة

لقد شدّد القائد الراحل مرارا على أهمية القدس وماذا تعني قداسة القدس في مشروع تحرير فلسطين والأمة، فهي ليست مجرد أهم مدينة وعاصمة فلسطين، بل مدينة مقدّسة: "أما نحن فقداسة القدس لدينا.. قبلتنا الأولى، ومسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعراجه إلى السماء" (2013)، ولذلك، القدس هي الأساس والبوصلة، ومن يتخلى عنها ولا يسعى لتحريرها قد تخلى عن مقدسات الأمة.

ويضيف للتأكيد على مركزية مدينة القدس والهدف من بناء القدرات العسكرية: "إننا نرى من فوهة بنادقنا القدس ومآذن القدس". وكان د. محمد الهندي، عضو المكتب السياسي في الحركة، قد ذكر أن "اتجاه البوصلة كان في ذهن الدكتور دائما نحو القدس، وهي التي تحدّد البوصلة سواء الداخلية أو الخارجية، فمن يقترب من القدس ومن يدافع عن القدس والمقاومة نحن نقف معه".

سر انتصار المقاومة

كان د. رمضان شلحّ واثقا بامكانية خوض المعارك ضد العدو والانتصار عليه، لأن "سر انتصار المقاومة أنها ليست مهزومة نفسياً ومعنويا"، أي أن العامل البشري يبقى الأهم في معركة تحرير فلسطين. فأكد على دور الشباب "جيل أسامة"، الذي يبدع ويبادر وينهض بقضية فلسطين، ويقدّم لها أثمن ما عنده. فكان واثقا من أهمية المقاومة المسلحة لردع العدو وتعديل ميزان القوة، قائلا: "الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحدث تغييرا هو استمرار الضغط العسكري على "إسرائيل" لتعديل ميزان القوة، وإحداث نوع من كي الوعي وتغيير المفاهيم، وهذه مهمة المقاومة ووظيفتها كما فعلت في غزة.."

خلال عقدين من الزمن، ساهم القائد الراحل في بناء القدرات العسكرية في حركة الجهاد الإسلامي، الى جانب أخوانه، وقام بتأسيس "سرايا القدس"، الجناح العسكري في الحركة، انطلاقا من ايمانه الراسخ بأهمية الإعداد لمشروع التحرير.. بهذا الصدد يقول: "فالله سبحانه وتعالى وضع لنا العلاج والوصفة (لتحرير فلسطين) "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة" (صدق الله العظيم). وأعدّوا لهم، هذا هو البرنامج والمفتاح لمشروع التحرير.. الإعداد وطول النفس والاستعداد هو الحل" (2012).

الدكتور شلح أمضى حياته بين المجاهدين

فكان يتابع بشكل مباشر تطوّر "السرايا"، من التدريب الى التجهيز وصناعة السلاح وتطوير قدراته، معتبرا أنه يجب "أن نكون على أعلى درجات الجهوزية، وأن لا ندخر جهداً في تعزيز الإمكانات والقدرات القتالية" (2016). تأكيدا على ذلك، قال "أبو هادي" "القيادي الكبير في سرايا القدس" أن السرايا كانت "تمثل له الأولوية الأولى من بين الملفات التي كان يحملها، ولا ننسى عندما كان يقول لنا إن "سرايا القدس" تمثل له ما يشبه (الواد المقدس).. كان يعيش بيننا ويتابع ويراجع معنا كل التفاصيل عن كثب، ولا ننسى عندما كان يبحث عن إجابة كيف ستضرب تل أبيب قبل ضربها في العام 2012. فقد كان همه ضرب الاحتلال في مقتل والحاق الوجع في المحتل الذي آذى الأمة العربية والإسلامية".

ويضيف أبو هادي: "كانت تربط الأمين العام الدكتور شلح بالمقاومين والمقاتلين علاقة أخوية واحترام، وكلما ألتقينا به كنا نرى عظمته، وتواضعه، وشموخه، ورصانة وشمولية فكره، وصلابة مواقفه من الثوابت".

وذكر د. أنور أبو طه، عضو المكتب السياسي في الحركة أن "الدكتور شلّح أمضى حياته بين صفوف المجاهدين متنقلاً في زيه العسكري بين معسكرات الإعداد والتدريب للمجاهدين، مجاهداً بحق ومقاتلاً بحق، سائلاً الله بان يختم له بالشهادة بحق."

غزة قاعدة للمقاومة أم جزء من مشروع السلطة؟

آمن القائد الراحل بقدرة الانسان الفلسطيني العربي على تجاوز الصعوبات والمحن، إذا امتلك الإرادة والرؤية الواضحة، لأن بإمكانه صنع أي شيء، مثل صنع الصواريخ من أنابيب المياه، كما صرّح القائد زياد النخالة قبل أيام. فبث خلال مقابلاته وتصريحاته الأمل بحتمية النصر، لأن قضية فلسطين هي قضية حق لا بد أن يعود الى أصحابه.

وبعد المعارك التي خاضتها المقاومة في قطاع غزة، من 2008 الى 2014 حيث أرست قواعد الردع، توجّه الى الشعب الفلسطيني لطمأنته حول قدرات المقاومة "التي صنعت معادلةً جديدة لتوازن الرعب والردع مع العدو الصهيوني"، مضيفا "لا تخافوا، ولا تحزنوا، ولا يضركم خذلان النظام العربي لكم، فالشعوب قادمةٌ، ومواكب النصر والتحرير لابد أن تحقق وعد الله بتحرير القدس على خطى الفاروق عمر (رضي الله عنه) وصلاح الدين بعون الله".

كان يرى أن المقاومة في غزة ستخرج من معادلة صدّ العدوان على القطاع الى معركة تحرير فلسطين. فتساءل :هل (غزة) قاعدة للمقاومة، أم جزء من مشروع السلطة؟ هل مطلوب منها أن تدافع عن نفسها، أم إنها أصبحت قاعدة ومنطلقاً لتحرير فلسطين كلها؟" (2014)، حيث رفض أن تبقى معزولة عن فلسطين، كما خطط العدو الذي منع "أن تخرج منه طلقة واحدة ضد "إسرائيل" مهما تفعل في الضفة أو القدس".

فجاءت معركة "سيف القدس" لتؤكد على أن المقاومة في غزة تجاوزت المعادلة التي وضعها العدو و"أصبحت قاعدة ومنطلقا لتحرير فلسطين كلها"، لأنها "كرة النار الملتهبة، والصخرة التي يرابط فيها أسود الجهاد والمقاومة".

انشر عبر
المزيد