صحيفة عبرية: لاستمرار بقاء "إسرائيل"

كيف يمكن “تحديث” الصهيونية لتحافظ على مسار مؤسسيها؟

14 نيسان 2021 - 10:34 - الأربعاء 14 نيسان 2021, 22:34:30

وكالة القدس للأنباء - متابعة

لا يتاح لكل أمة أن تستيقظ يومياً على فرصة لإجراء تغيير، فضئيلة هي الفرص التي تُمنح للأمم كي تعيد تعريف نفسها من جديد. وربما هذا ما تحتاج إليه إسرائيل في الوقت الحالي. في السنتين الأخيرتين، مُنح مواطنو الدولة أربع فرص كهذه في الجولات الانتخابية الأربع التي فرضت عليهم بشكل قسري. وكأن شيئاً ما رسم علم الدولة بصورة عكسية وحول ألوانه من “أزرق أبيض” إلى أسود غامق. وهو في جولة الانتخابات الأخيرة كان قد ابتلع كل الأوراق مرة أخرى. ربما يجب الاستيقاظ وتغيير الطريقة، وتغيير الفكرة المنظمة التي أدت إلى قيام الدولة قبل 73 سنة.

 شيء ما لا يستقيم في الطريقة التي ترتكز منذ سنوات على الأجندة نفسها، التي بدلاً من أن تقود الشعب إلى مستقبل مزدهر على أسس اجتماعية من الاحترام المتبادل والتضامن، باتت تعمق الشرخ والاستقطاب داخل المجتمع "الإسرائيلي". أضيفوا إلى ذلك وباء كورونا وستحصلون على أزمة اقتصادية، واجتماعية – ثقافية، بدأت تهدد استقرار الوجود الصهيوني، والتي من المشكوك فيه أن يكون الآباء المؤسسون (للكيان) قد فكروا فيها.

 الحاجة إلى إعادة فحص مسائل أساسية قيمية ومسائل تتعلق بالأنظمة، والتي تتعلق بمستقبل (الكيان)، باتت الحاجة ضرورية أكثر من أي وقت مضى، وحاسمة بالنسبة "لإسرائيل"، ربما في هذا الوقت تحديداً مع انخفاض حدة المرض.

 الفكرة المنظمة التي أدت إلى إقامة (الكيان)هي الصهيونية. كحركة قومية أيديولوجية تؤيد إقامة "دولة يهودية" في أرض "إسرائيل"، قامت في نهاية القرن التاسع عشر، حيث كانت قيمها مغروسة في نظريات قديمة، ومغروسة في تقاليد دينية وفي الأفكار القومية التي ازدهرت في أوروبا حينذاك. كانت أهدافها العودة إلى صهيون، ولم الشتات وترسيخ سيادة يهودية مستقلة. اعتبر بنيامين زئيف هرتسل، الذي وضع فكرة الصهيونية الحديثة، مجموعة كبيرة من الأفكار، من بينها السعي إلى الكمال الروحي والأخلاقي.

 منذ إقامة (الكيان) في 1948 واصلت الحركة الصهيونية تأييد هذه الخطوط من خلال الحفاظ على أمن الكيان، لكن في الهجمات الأخيرة، سواء كان هذا في ظل أزمة كورونا أو بسبب صراعات سياسية وتقديم لوائح اتهام ضد رئيس الحكومة، اتسعت الفجوات في خارطة الحركة الصهيونية، ولم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة أن ثلث مواطني (الكيان) تقريباً، خصوصاً العرب والمتدينين، غير متماهين في هذه الأثناء مع قيمها.

التحديات التي يواجهها (الكيان) تدعو إلى فحص عميق للنماذج التي تشكل وجه المجتمع في "إسرائيل". هذه مهمة صعبة، تحوي في طياتها أيضاً فرصاً غير مسبوقة، تشمل تشخيص “أفكار منظمة” جديدة لصورة الدولة في العقود القادمة. تصدت لهذه المهمة 32 شخصية معروفة، نساء ورجالاً، ورواداً في مجالات مختلفة من كل أطراف الطيف السياسي، وذوي خلفيات وعقائد ومواقف وأعمار مختلفة. بمحادثات شخصية معمقة مع كتاب المقال، شاركت هذه الشخصيات أفكارها ومخاوفها وأملها حول مستقبل دولة "إسرائيل". وأشاروا في هذه المحادثات إلى “الفكرة المنظمة” والقيم المهمة (بالنسبة لهم) التي يجب عليها أن يرتكز المجتمع في "إسرائيل" في العقود القادمة.

 على الرغم من تنوع من أجريت معهم المقابلات والآراء المطروحة، إلا أن من بادروا للمشروع (طاقم من الباحثين في "مؤسسة شموئيل نئمان لابحاث السياسات الوطنية"، الذي ضم -إضافة إلى كتاب المقال- رئيس المؤسسة البروفيسور زئيف تدمر، الذي كان رئيس التخنيون سابقاً، والبروفيسور عيراد يفني مدير عام "مؤسسة شموئيل نئمان"، لاحظوا وجود قاسم مشترك.

وأدت المحادثات، كما تبين، إلى التكتل حول مبادئ وثيقة الاستقلال، مع التركيز على الظروف الضرورية التي تمكن من تحقيق قيمها: الأمن والمناعة والصلابة وبلورة أنظمة واستقرارها وقواعد لعب (طريقة انتخاب تقود إلى استقرار الحكم وتقليص القوة الزائدة للمجموعات الهامشية)؛ وتحديد العلاقات بين السلطات (فصل، توازن وكوابح)، وتعزيز مكانة المستوى المهني. ورغم المعضلات الكثيرة وتنوع الآراء، إلا أنه كان واضحاً للجميع وجود مواضيع نموذجية بحاجة إلى الفحص والتحديث للحفاظ على مستقبل مستقر لدولة "إسرائيل":

جهاز التعليم. نحتاج إلى نظام تعليم من أجل تفكير انتقادي، وقيم، والعيش مع خلافات وتنمية قدرة استيعاب لمجموعات وثقافات مختلفة. هناك حاجة إلى ضمان تعليم المواضيع الأساسية لكل أولاد "إسرائيل"، خاصة اللغة العبرية واللغة الإنجليزية والرياضيات. وما يتفق عليه الكثيرون هو الحاجة إلى تعزيز التعليم والتربية على التراث الثقافي اليهودي في اندماج مع ثماره "الإسرائيلية"، وبالطبع، الحاجة إلى تعزيز مكانة المعلمين.

اليهودية والديمقراطية. هناك اتفاق واسع (يضم عرباً أجريت معهم مقابلات) بخصوص أهمية هذا الدمج، رغم أنه يظهر تناقضات أحياناً. الكثيرون أشاروا إلى أهمية قانون العودة، وإلى غياب ذكر قيمة المساواة في قانون القومية، الذي يحتل أهمية عميقة في أوساط المجتمع الدرزي. والمساواة والحفاظ على حقوق الإنسان، مثلما تم التعبير عنها في وثيقة الاستقلال، هي من خصائص اليهودية التي تخلق الربط بقيم الديمقراطية الليبرالية وتعزيز القيم الاجتماعية.

وقد تم التأكيد على الفصل بين الديمقراطية القومية المتطرفة والديمقراطية الليبرالية. “الديمقراطية القومية المتطرفة بضم “اليهودية” ستفرغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي”، قال أحد المشاركين في المشروع.

اقتصاد سوق تقليدي. الأزمة تخلق تغييراً نموذجياً بالنظر إلى وظائف الدولة في منح شبكة أمان محدثة لمواطنيها. والقصد هو ملاءمة دولة الرفاه مع الواقع الجديد الذي يشمل معدل حياة طويلاً إلى جانب زيادة عدد السكان الذي يؤدي إلى عملية تمدن كبيرة. إضافة إلى ذلك، يشير مؤيدو حماية البيئة والتغييرات الجارية في العالم والطاقة، إلى توقع حدوث صراع كبير على الموارد، وهو صراع ليس أيديولوجياً، بل على طبيعة السلوك.

الحوكمة. معنى هذا هو البحث عن الجيد المشترك، ورفض الأصولية وتعزيز التكتل. أي الحفاظ على حلم مشترك، مع وضع مصلحة المجموع فوق المطامح السياسية المختلف عليها. هذه المقاربة تسمح بدمج ثقافات وتعامل معقول ومتسامح مع العوامل المغايرة في المجتمع مثل جزء من المجتمع الأصولي والمجتمع العربي.

"إسرائيل" في الشرق الأوسط. هناك ازدواجية قيمية في التعامل مع الثقافة الغربية والديمقراطية ومع التقدم التكنولوجي، إلى جانب الاعتراف بجيرتنا مع دول الشرق الأوسط، التي لا يمكن تجاهلها وتجاهل المعنى الجيوسياسي للقرب منها. لذلك، علينا الحفاظ على توجه غربي – هناك أيضاً تفوقنا نسبياً – إلى جانب الاندماج الفعلي في المنطقة. واعتقد من أجريت معهم المقابلات في المشروع، أنه يجب البحث عن طرق لتطوير العلاقات مع الدول الكبيرة الثقافية في المنطقة، مثل إيران وتركيا ومصر. معظمهم (ليس جميعهم) وأشاروا إلى أن إيجاد حل (ربما كونفيدرالي) للنزاع مع الفلسطينيين هو مهم في شبكة العلاقات في المنطقة والاستقرار الداخلي لدولة "إسرائيل"، لكن كان هناك اتفاق بأنه “يصعب أن نكون متفائلين في هذه الأثناء بخصوص بلورة حل قابل للحياة”.

"إسرائيل" بين الشعوب. العولمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، تلزم إسرائيل بفحص النماذج القائمة في علاقاتنا مع القوى الدولية المختلفة.

تحليل المقابلات هذا قاد الباحثين إلى الاستنتاج بأن هناك قاسماً مشتركاً كبيراً جداً حتى في أوساط أصحاب مواقف متنوعة ومختلفة، وأنه يمكن إيجاد أساس مشترك لفكرة منظمة، على أساس مبادئ وثيقة الاستقلال، التي يمكن أن تجسر الفوارق والانقسامات التي تميز في هذه الأثناء المجتمع "الإسرائيلي". كل الشخصيات التي أجريت معها المقابلات تتفق تقريباً على أن الوضع القائم يقوِّض الأسس التي قامت عليها الفكرة الصهيونية مثلما عرفها الآباء المؤسسون، وأن الحاجة إلى بلورة أفكار منظمة هي حاجة واضحة وفورية.

--------------------------   

الكاتب: ايتان ادراس وروبين غال

المصدر:  هآرتس العبرية

التاريخ:  14/4/2021

انشر عبر
المزيد