إحداثيات التطبيع ومآلاته .. قراءة في خطاب "حركة الجهاد الإسلامي"

08 نيسان 2021 - 10:48 - الخميس 08 نيسان 2021, 10:48:35

بقلم: ثابت العمور

تدحرج التطبيع مؤخرا بطريقة متسارعة وغير مسبوقة ووقعت في شركه أربع دول عربية هي الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، ويتوقع في ضوء المتغيرات الحاصلة والتدحرج المستمر أن تواصل دول عربية أخرى اللحاق بالركب، ودون الخوض في تفاصيل ما حدث وتبعاته وتداعياته ومساراته؛ وقد كُتب الكثير عن ذلك، إلا أن ما يهمنا في هذه الدراسة هو معرفة موقع التطبيع وموضعه في أدبيات وخطاب واحدة من أهم مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية عموما والحركة الإسلامية في فلسطين على وجه الخصوص، ونقصد حركة الجهاد الإسلامي لما لها من خصوصية وتفرد في المواقف والخطاب وفي السلوك السياسي، فكيف تناول خطاب حركة الجهاد الإسلامي إحداثيات التطبيع ومآلاته ؟.

تستهدف هذه القراءة معرفة موقع التطبيع ومستقبله في فكر حركة الجهاد الإسلامي من خلال استحضار توصيفه في خطاب الامناء العامين للحركة الدكتور فتحي الشقاقي والدكتور رمضان شلح والأستاذ زياد النخالة، لا سيما وان كل منهم قد شهد وشاهد مرحلة تاريخية معينة في تاريخ ومتغيرات المنطقة عموما والتطبيع على وجه الخصوص.

أولا: التطبيع في خطاب الدكتور فتحي الشقاقي

في زمن هجوم التطبيع مع الاحتلال والتدحرج الحاصل ، فإنه لا يمكن التعرض للتطبيع ومآلاته دون استحضار وقع التطبيع وموقعه في فكر المؤسس الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي ورؤيته لمسارات هذا التطبيع ومستقبله؟، ومن بين الأهداف المرجوة من هذه القراءة معرفة أصول التطبيع وتأصيله في فكر الشقاقي ومدى حضوره وهل تنبأ بهذا السقوط الحاصل للعواصم العربية واحدة تلو الأخرى؟، مع هذا الفارق الزمني بين استشهاده وبين الهرولة صوب التطبيع الحاصلة اليوم.

جمع الشقاقي رحمه الله بين مسألتين غاية في الأهمية هما التسوية والتطبيع وقد قدم تعقيبا بعنوان: "التسوية والتطبيع مع العدو الصهيوني وأثرهما على الوحدة العربية"، وذلك في تعقيب على ورقتي الدكتور كريم مروة والدكتور علي عقلة عرسان في ندوة عقدت يوم 1/8/1994 بدمشق، وكان مما جاء في تعقيب الشقاقي رحمه الله "أننا نقبل على سلام أخطر بكثير من الحرب، وأن العدو سيحصل بالسلام على ما لم يحصل عليه بالحرب...".

يضيف الشقاقي في ذات الورقة قائلا: "إن العدو يعلم أن الانتفاضة في فلسطين والمقاومة في جنوب لبنان عقبتين هامتين أمام مشروعه، ومن الصعب أن يحقق انجازه حتى على طاولة المفاوضات فيما الانتفاضة حية والمقاومة مستمرة، تراه يعمُد إلى سحق منابع القوة هذه، ولهذا نجد العدو يعزل ويحاصر قطاع غزة والضفة الغربية والقدس لأكثر من خمسة شهور حتى الآن من أجل تجويع الناس وإطفاء جذوة الانتفاضة".

هنا يمكننا فهم وإدراك عملية الشيطنة الحاصلة الآن لكل ما هو فلسطيني وتحديدا للمقاومة، وقد كان الشقاقي رحمه الله يعلق على حصار خمسة شهور فقط، في حين أن التطبيع وترويض الأمة العربية يتم الآن على وقع حصار مستمر ومفروض على غزة لأكثر من ثلاثة عشر سنة متواصلة، كي تركع غزة بعدما باتت رأس حربة في الاشتباك والمقاومة والمشاغلة.

والسؤال المشروع هنا لماذا التطبيع؟، ولماذا تذهب الدول العربية للتطبيع فرادى إذا كان لابد من التطبيع فلتذهب على شكل قطيع؟، يجيب الشقاقي عن هذا السؤال قائلا: "الكيان الصهيوني يُدرك جيدا أنه لا يستطيع الاستمرار في المنطقة إلا إذا عادت المنطقة إلى ما قبل وجود الأمة، والأمة أوجدها الجامع الحضاري الإسلامي الذي صهر الأديان والقوميات والمذاهب والطوائف والأعراق في بوتقة وجامع حضاري واحد".

إذن ليس بواسطة الدين الإبراهيمي أو اتفاق أبراهام المزعوم، والذي يقوده ويمرره الحاخامات؛ ومن المفارقات أن الصهيونية حركة علمانية لكنها عند التطبيع تصبح حركة دينية يقود قطار التطبيع فيها الحاخامات ويحضر البُعد الديني وتُسمى الخيانة - التطبيع- باتفاق أبراهام، "إن العدو الصهيوني يحاول بكل الوسائل الممكنة تحويل المنطقة إلى فسيفساء يمكنه الهيمنة والسيطرة عليها، وهو مؤمن تماما أن استمرار مشروعه مرهون بمزيد من التجزئة والتفتيت وتحطيم مكونات الأمة وأن تعود المنطقة إلى ما قبل ظهور الإسلام".

لذلك نجد أن العلاقة بين بعض العواصم العربية والعدو الصهيوني قد باتت اقرب وأعمق وأرحب من العلاقة بين هذه العواصم العربية المتفقة تراثيا والملتصقة جغرافيا، فعلاقات الإمارات اليوم بالاحتلال "الإسرائيلي" اقرب وأنشط من علاقاتها بقطر مثلا والعكس صحيح ويقاس على ذلك في معظم العواصم العربية.

إن هذه الخيانة الحاصلة اليوم تعيدنا لاستحضار كتاب "الشرق الأوسط الجديد" الذي خطه الصهيوني "شمعون بيرز"، وقد عقب الشقاقي رحمه الله على هذه الكتاب قبل استشهاده بعام وتحديدا في سبتمبر 1994 ، "بأن مسألة بقاء هذا الكيان تقتضي تغيير تركيبة المنطقة على كافة المستويات الحضارية والاقتصادية، والثقافية والسياسية والأمنية"، وهذا عين ما يحدث الآن، أي لم يكن التطبيع ممكنا دون تفكيك المنطقة؛ حدا وصل فيه مستوى التفكيك العربي أن تُستباح فيه دولة مثل اليمن وشعبها على يد السعودية والإمارات وسط فرجة عربية صامتة وصادمة وجامعة عربية تشهد على الدم المسفوح في اليمن شهادة زور. وعندما يُطلب منها بحث مسألة التطبيع تكشر عن أنيابها وتستدعي السيادة والمصلحة للدول العربية المطبعة.

أما عن ثالوث التسوية والتطبيع والشرق الأوسط الجديد والعلاقة بينهما وسؤال لماذا التطبيع وما الذي يريده العدو من هذا التطبيع؟، يجيب الشقاقي رحمه الله: "إنهم يريدون بناء هذه المنطقة، على أساس من المصالح الاقتصادية، حيث يكون العدو الصهيوني، القوة الأساسية المهيمنة فيها، والقوة المركزية التي تتعامل مع كل طرف على حدة، والتي تشرف على إعادة تشكيل المنطقة، والمحاور، والعلاقات السياسية فيها، والإمكانيات، والعلاقات الزمنية، والاقتصادية، لذلك لابد من إلغاء هويتنا كأمة عربية إسلامية، وإلغاء تاريخنا، ولابد من إلغاء عقيدتنا، وإلغاء موروثاتنا السابقة..".

يرتبط مستقبل التسوية والتطبيع واختراق العدو الصهيوني للأمة في رؤية الشقاقي رحمه الله بثلاثة محاور، الأول "أن هذه التسوية وهذا التطبيع مفروض على الأنظمة العربية فرضا ولا قوة ولا قدرة لهذه الأنظمة على رفضه أو وقفه"، والثاني "أن هذا السلام وهذا التطبيع لن يعود في المستقبل على هذه الأنظمة العربية وهذا العدو الصهيوني بفائدة"، أما المحور الثالث "أن هذا السلام والتطبيع محكوم بعوامل فشله أكثر من عوامل نجاحه لأنه ضد الواقع وضد التاريخ وضد الحق وضد الشعوب العربية".

إن هجوم التطبيع الحاصل بين الأنظمة العربية والعدو الصهيوني والمرشح لأن يتمدد وتسقط في وحله عواصم جديدة لن يصمد ولن يستمر؛ وإن عامل إفشاله وإسقاطه وإسقاط أنظمة الخيانة المتماهية معه مرهون بالمقاومة وبالاشتباك ومشاغلة العدو الصهيوني، ولم يتسلل هذا التطبيع إلا عندما توقفت المقاومة عن الاشتباك، وعندما تراجع المشروع الوطني الفلسطيني وراح يبحث عن بقاياه وعن شرعيته على حطام الحكم الذاتي، بل أن البعض بات يرى أننا لسنا بحاجة لمشروع وطني ولنيمم وجهنا تارة هنا وتارة هناك.

والخلاصة مما سلف في قراءة الشقاقي رحمه الله أن البعض منا الآن يمض ويصر على المضي في التيه بعد ربع قرن على "أوسلو" التي ابتلعت المنظمة وابتلعت المشروع الوطني، ويظن هؤلاء أنه يمكن بناء مشروع وطني فلسطيني لا يتعارض مع "أوسلو"، ويتوهم هؤلاء انه يمكن إحياء مشروع وطني - قتله اتفاق أوسلو- مسقوف بنص صهيوني ومسقوف بإدارة صهيونية أمريكية ومسقوف بأطراف إقليمية وعربية تمضي بأجندة معدة سلفا. لا تُعطي للفلسطيني أي شيء بل تطلب منه كل شيء حتى سلاحه وتطالبه بالتوقيع وبالاستسلام بعدما سُلبت أرضه بالضم والاستيطان، ويظن هؤلاء أن هذا الطريق يمكن أن يفضي للتحرير والاستقلال.

ثانيا: التطبيع في خطاب الدكتور رمضان شلح

قاد الدكتور رمضان عبدالله شلح رحمه الله حركة الجهاد الإسلامي في الفترة التي شهدت اتفاق أوسلو، وهو الاتفاق الذي فتح أبواب التطبيع العربي مع الاحتلال "الإسرائيلي"، وبموجبه - اتفاق أوسلو- انتقلت القضية الفلسطينية من أحضان الأمة إلى أحضان المجتمع الدولي المتواطئ مع العدو.

ويعود في تشخيصه لواقع الأمة وعلاقتها بعدوها إلى الوراء حيث حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، ويقول: "رغم الإنجاز العظيم الذي صنعه الإنسان العربي والمسلم" في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، تواصل الانحدار العربي والإسلامي إلى أن وصل إلى اتفاق "أوسلو"، حيث تنازل "من يملك لمن لا يستحق" وأسّس لفك "الطوق عن الكيان الصهيوني".

وسأكتفي هنا بقراءة ما جاء في كلمة الدكتور رمضان شلح في مهرجان الانطلاقة الجهادية الـ29 في 21 أكتوبر 2016، وذلك لان هذا الخطاب تحديدا حمل ثلاث رسائل؛ الأولى وجهها للأمة العربية والإسلامية وهي "امة بلا فلسطين امة بلا قلب"، والثانية للشعب بكل مكوناته "واجب التحرير لا وهم السلطة"، والرسالة الثالثة، موجهة للحركة في ذكراها "الجهاد ميلادنا المتجدد"، الجهاد كحركة، والجهاد كطريق للنصر والتحرير.

يصف الدكتور رمضان المشهد العربي في كلمته قائلا: "دخل العرب القرن الواحد والعشرين، وبعد تحقيق انتصارات غير مسبوقة للمقاومة في تاريخ الصراع، وإذا بنا وبعد أن دخلت المنطقة النفق المظلم خلال نصف العقد الأخير، وكأن المشروع العربي الجديد تجاه "إسرائيل" هو التسليم المطلق بوجودها وتثبيتها كجزء أساسي وأصيل من نسيج وواقع المنطقة ومستقبلها".

أما عن حيثيات التطبيع وإحداثياته فيقول: "إن العالم العربي اليوم مشغول بنفسه وغير مكترث بفلسطين، وبعض الدول والحكومات تهرول للتطبيع مع الكيان، ويجري الحديث عن تعديل المبادرة العربية لتوقيع معاهدات صلح مع "إسرائيل" دون أية شروط تتعلق بقضية فلسطين والشعب الفلسطيني".

لم يشهد الدكتور رمضان تدحرج التطبيع وتوقيع الاتفاقيات المشتركة وافتتاح السفارات وتبادل السفراء لكنه كان يستشعر ذلك ويستشرفه وقد تساءل عن أسباب الإعراض عن فلسطين والإقبال والعناق "لإسرائيل" سراً وعلانية؟، بل تنبأ رحمه الله بمبررات التطبيع الواهية في الرواية العربية الرسمية التي تقول بأن هناك قواسم مشتركة بين بعض الدول وبين "إسرائيل"، وهي الحرب على الإرهاب والعداء لإيران.

ويدحض رواية التطبيع تلك قائلا: "إسرائيل" هذه التي تظنون أنها يمكن أن توفر الحماية لبعض الأنظمة، هي غير قادرة على حماية نفسها من سكين المطبخ الفلسطيني بيد شباب وشابات انتفاضة القدس المباركة". مضيفا: " لماذا لم تستطع إسرائيل حماية بعض أصدقائها من الحكام عندما هبت الشعوب وأطاحت بهم؟!".

وعن مآلات التطبيع ومستقبله والرهان على حماية "إسرائيل" عربيا يقول رحمه الله: "لكل من يطمعون بحماية "إسرائيل" لهم، إن الذي يمكنه توفير الحماية لكم هي شعوبكم؛ وشعوبكم تكره "إسرائيل"، وترفض "إسرائيل"، وترفض الاعتراف والقبول بها ككيان طبيعي في هذه المنطقة؛ لذلك فإن التخلي عن فلسطين، والشراكة مع "إسرائيل" في أي أمر كان، لن يوفر الحماية لأحد، بل سيعمق الشرخ بين الحكام والمحكومين، ويزيد في كراهية الشعوب لحكامها ونظمها حتى لو ظلت صامتة".

ويتفق الدكتور رمضان مع سلفه الشقاقي - رغم الفارق الزمني بين الخطابين وهو 22 عاما تقريبا- في قضية غاية في الأهمية وهي أن هيمنة وتمكين الاحتلال "الإسرائيلي" لا يتم دون تفكيك الأمة وإشغالها، محذرا بأن طي ملف الصراع مع العدو الصهيوني، سيحل محله الصراع الطائفي والمذهبي والعرقي الذي يجتاح المنطقة، وينذر بتفكيك دول مركزية في الأمة، وهذه أعظم هدية مجانية تقدم لـ"إسرائيل" لأن هذا هو هدفها وبرنامجها المدعوم أمريكياً وغربيا بتفتيت المنطقة وتقسيمها إلى كيانات صغيرة متناحرة تتسابق على الارتماء في أحضان الكيان الصهيوني الذي سيهيمن على المنطقة بلا منازع.

استشعر الدكتور رمضان أن تمرير التطبيع سيحدث بغلاف ديني وسيصبغ بصبغة دينية حتى قبل أن نشهد وصف الخيانة العربية باتفاق أبراهام، وتنبه لذلك فقال: "التنكر لفلسطين وعناق "إسرائيل"، يعني التنكر لكل ما تمثله فلسطين في العقيدة، وفي التاريخ وفي الواقع، وهو أيضاً يعني في المقابل تصديق كل المزاعم اليهودية التوراتية والتلمودية عن الحق الديني والتاريخي لليهود بفلسطين".

هل يستمر التطبيع ويواصل هذا الوهم طريقه؟، يجيب الدكتور رمضان قائلا: "إننا نقول بكل ثقة ووضوح إن الوهم الذي يسيطر على بعض العرب والفلسطينيين بأن الصلح والتطبيع مع "إسرائيل" والتخلي عن قضية فلسطين وحق الأمة فيها، سينهي الصراع ويؤدي إلى ولادة شرق أوسط جديد، ينعم بالسلام والأمن والرخاء، هو وهم وخيال.. بل هذه آمال كاذبة وأحلام خادعة، لأن هناك أكثر من 6 مليون فلسطيني على أرض فلسطين، وأكثر من 6 آخرين في شتات الأرض، لن تفرط أجيالُهم، جيلاً بعد جيل، بحقهم في وطنهم فلسطين، فلا يحلم أحد بأن ينتهي الصراع، وأن تنعم المنطقة بالسلام والأمن، ما لم يرجع الحقُ إلى أهله وتعود فلسطينُ لأهلها ويعودوا إليها.. وفي كل الأحوال، يجب أن يعلم الجميع أن فلسطين ليست الأندلس والقدس ليست قرطبة!".

ثالثا: التطبيع في خطاب المجاهد الأستاذ زياد النخالة

وقعت الواقعة وتحقق ما حذر منه الدكتور فتحي الشقاقي، وتنبه له واستشرف أبعاده الدكتور رمضان شلح، ووقعت أربع دول عربيا تباعا اتفاق مع الاحتلال "الإسرائيلي"، حدث ذلك عقب تولي الأستاذ زياد النخالة الأمانة العامة لحركة الجهاد الإسلامي، وبالتالي نحن هنا أمام وقائع حدثت بالفعل وبات التطبيع أمرا واقعا، فما هي ملامح ومحددات خطاب الأمين العام الحالي للحركة الأستاذ زياد النخالة من التطبيع؟.

سأستحضر هنا خطاب الأستاذ زياد النخالة في مؤتمر "انتفاضة الأمة في مواجهة مؤامرات التطبيع ومشاريع التصفية"، الذي عقده الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة في العاصمة اللبنانية "بيروت"، بمناسبة مرور 33 عامًا على انتفاضة الحجارة، في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2020.

يلتقي النخالة في خطابه عن التطبيع مع كلا من الدكتور فتحي الشقاقي والدكتور رمضان شلح وذلك في التحذير من التداعيات والتبعات المترتبة على تدحرج التطبيع، ويستدعي البعد الديني لذلك ويقول: "إن تمدد "المشروع الصهيوني" في دول الخليج العربي تحت عباءة الولايات المتحدة الأمريكية "مخالف للإسلام والتاريخ".

ويصف الأستاذ زياد النخالة تطبيع دول الخليج قائلا: "وأكثر من ذلك الانفلات العربي الخليجي تجاه العدو الذي حطم كل المعايير الأخلاقية والدينية والوطنية، ولم يراعِ الحد الأدنى من التاريخ المشترك، والحضارة الممتدة لأكثر من أربعة عشر قرنًا، كان فيها الزمان العربي والإسلامي يتقلب على مسار التاريخ بأشكال مختلفة، ولكن في النهاية كانت الأمة قادرة على استيعاب الهجمات التي تعرضت لها وإذابتها، وردت الهجمات الصليبية وهزمتها".

موضحا: "أن ما يجري قفزة أخرى للمشروع الصهيوني في العمق العربي، متجاوزًا حدود "سايكس بيكو" التي وضعت لهذا أصلاً، ليجد الكيان الصهيوني نفسه كيانًا آخر، بجانب الكيانات الضعيفة والهزيلة، ولكنه كيان مختلف بكل الملامح والسمات، وبكل المقومات التي امتلكها، باعتباره أداة النظام الدولي القديم والجديد، في قهر الأمة والهيمنة عليها".

ويتقاطع خطاب النخالة مع خطاب الشقاقي وشلح في كيف كان اتفاق "أوسلو" مدخلا للتطبيع فيقول: "بعد هذه المسيرة الطويلة، أصبح واضحًا كم كانت الحسابات صغيرة، والتقديرات متواضعة جدًّا، عندما ذهب بعض الفلسطينيين لاتفاق ذليل، أسموه اتفاق "أوسلو"، ليكون مدخلاً لاتفاق آخر بعد ثلاثة عقود، عقده بعض العرب، سموه اتفاق "أبراهام"، ولنكتشف أكثر من أي وقت مضى، أن فلسطين لم تكن الهدف، وإنما كانت المركز والمنطلق ضد كل الوطن العربي والإسلامي، ومنطلقًا للعلو والإفساد الصهيوني".

في عام 2018 أصدرت "مؤسسة الأقصى الثقافية" كتاب "الإسلام والغرب: جدل الصراع في التاريخ والواقع" للدكتور رمضان عبد الله شلّح، وهو في الأصل محاضرة ألقاها الدكتور رمضان رحمه الله بعد العام 2001، حين شنّت الإدارة الأميركية حربها على ما سمته "الإرهاب"، ويلتقي الأستاذ زياد النخالة مع الدكتور فتحي الشقاقي والدكتور رمضان شلح في موقع التطبيع في مخططات التربص الغربي بالأمة، قائلا: "اليوم نرى تداعيات ما خططت له القوى العظمى بعد الحرب العالمية الأولى، وأكملت مشروعها بعد الحرب العالمية الثانية، بزرع الكيان الصهيوني في فلسطين، حيث أصبح اليوم حليفًا مقبولاً، بل مفتوحة له كل الحدود، بحرًا وبرًّا وجوًّا، في مواجهة الأمة وشعوبها المقهورة والمستنزفة، والمسيطر عليها بأجهزة الأمن، ولقمة العيش، وبوقاحة لا تخفى على أحد".

وعن رواية التطبيع ومبرراته يصف الأستاذ زياد النخالة الوقائع قائلا: "تحت مبررات واهية يشيع بعض النظام العربي - المتخم بأموال النفط، وامتيازات البورصات الدولية - فاحشة الالتصاق بالمشروع الصهيوني، بلا خجل وبكل وقاحة، فإن كان هناك ضعف في مكان ما، وهذا غير موجود أصلاً، ولا توجد له مبررات، فمن المفترض أن يستتر من أقدموا على رذيلة التعامل مع الكيان الصهيوني عن أعين الناس، ولكن أن تبلغ بهم الوقاحة إلى مستوى لم يبلغه أحد، فهذا يعجز عنه العقل والمنطق".

ويخلص النخالة في استشرافه للتطبيع ومآلاته إلى ذات الخلاصة التي وصل إليها الدكتور رمضان شلح؛ فيقول في كلمته المشار إليها "إن الذين يعتقدون أن تحالفهم مع الكيان الصهيوني في مواجهة شعوبهم، يحميهم إلى الأبد، واهمون"، مشيرًا إلى أن "المشروع الصهيوني قام على أساس السيطرة والهيمنة على المنطقة بكل الوسائل، بما فيها القتل والتدمير، وأن حصار غزة المستمر، وفرض الشروط المهينة والمذلة على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية من فلسطين، والاستيلاء على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وتحويل القدس عاصمة لهذا الكيان، لجدير بأن يجعلنا جميعًا نتوقف ونعيد حساباتنا، ونستنهض شعوبنا العربية والإسلامية التي لم ولن تستسلم لهذا العدو".

وخلاصة ما سلف من القراءة في حيثيات التطبيع وإحداثياته في خطاب حركة الجهاد الإسلامي

نخلص إلى التالي :

لم يتغير خطاب الحركة من التطبيع عند كل من الدكتور فتحي الشقاقي والدكتور رمضان شلح والأستاذ زياد النخالة، رغم اختلاف الظروف والمتغيرات والوقائع. في توصيف التطبيع ومآلاته وان التطبيع إلى انتهاء حتمي. وأن اتفاق أوسلو شكل مدخلا مركزيا للتطبيع.

التطبيع يعني التسليم المطلق بوجود "إسرائيل" وتثبيتها كجزء أساسي وأصيل من نسيج المنطقة. ولن يعود هذا التطبيع في المستقبل على الأنظمة العربية بفائدة.

حدث التطبيع لأن العالم العربي اليوم مشغول بنفسه وغير مكترث بفلسطين. وهذا التطبيع مخالف للإسلام وللتاريخ. وهذا التطبيع محكوم بعوامل فشله أكثر من عوامل نجاحه لأنه ضد الواقع وضد التاريخ وضد الحق وضد الشعوب العربية.

الأنظمة العربية التي تظن أن "إسرائيل" من خلال التطبيع ستوفر لها حماية أنظمة واهمة. وهذا التطبيع مفروض على الأنظمة العربية فرضا ولا قوة ولا قدرة لهذه الأنظمة على رفضه أو وقفه.

لا يتم التطبيع إلا بتفكيك الأمة وإشغالها في صراعات طائفية ومذهبية. لذلك يستهدف التطبيع إلغاء هويتنا كأمة عربية إسلامية، وإلغاء تاريخنا، وإلغاء عقيدتنا، وإلغاء موروثنا.

التطبيع يعني تصديق كل المزاعم اليهودية التوراتية والتلمودية عن الحق الديني والتاريخي لليهود بفلسطين. التنكر لكل ما تمثله فلسطين في العقيدة، وفي التاريخ وفي الواقع.

التطبيع جزء أصيل من مخططات التربص الغربي بالأمة، لذلك تدعمه القوى الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

يراد من هذا التطبيع المبني على أساس المصالح الاقتصادية المزعومة، أن تصبح "إسرائيل" هي القوة الأساسية المهيمنة في المنطقة تشرف عليها وتعيد تشكيل المحاور فيها.

انشر عبر
المزيد