المواطنة "الإسرائيلية" مكسب وطني أم أداة للهيمنة الإستعمارية؟

05 آذار 2021 - 09:51 - الجمعة 05 آذار 2021, 09:51:19

أبناء الداخل الفلسطيني يحيون ذكرى يوم الأرض الخالد
أبناء الداخل الفلسطيني يحيون ذكرى يوم الأرض الخالد

بقلم: راغدة عسيران

تشارك عدة أحزاب فلسطينية في الداخل المحتل عام 1948 بانتخابات الكنيست الصهيوني على أساس المواطنة "الإسرائيلية" التي يعتبرونها مكسبا بفضل النضال المستمر ضد السلطة الصهيونية وأجهزتها، وتطالب بالمواطنة الكاملة بالتساوي مع الغزاة الذي اجتاحوا البلاد وأسسوا كيانهم على أنقاض فلسطين.

تعتبر هذه الأحزاب أن هذه المواطنة الكاملة ستمكّنها من المحافظة على ما تبقى من أراضيها، ومن منع هدم بيوتها في بلداتها، وجرف قراها في النقب، ومنع الجريمة في أوساطها، المدعومة من قبل الإجهزة الأمنية الصهيونية. تعتبر هذه الأحزاب المشاركة في هذه المؤسسة الصهيونية التي تشرعن قتل الفلسطينيين ونهب أراضيهم وتهويد مقدساتهم، أن المواطنة "الإسرائيلية" المتساوية مع المستوطنين الغزاة ستفتح لهم مجالات العمل والدراسة والسكن والرقي والتقدم، دون قيود، والاعتراف بهم كأقلية قومية أم ثقافية، تعيش بحرية في كيان استعماري استيطاني، كالأقليات الأثنية أو القومية أو الدينية في دول العالم.

فهل المواطنة "الإسرائيلية" هي مكسب سياسي سيمنح الفلسطينيين حقوق متساوية مع المستوطنين اليهود، أم هي "بديل للوطن" كما كتب مؤخرا محمد كناعنة، عضو المكتب السياسي في حركة أبناء البلد، المشاركة مع حركات اخرى في حملة مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني؟

ماذا قدّمت المواطنة "الإسرائيلية" الى الفلسطينيين منذ إقامة هذا الكيان؟ هل هي فعلا التي منعت تهجيرهم أم هي نضالاتهم المستمرة التي جعلت العالم يراقب أوضاعهم؟ وما هي أسس هذه المواطنة التي يتشبث بها كل من يريد المشاركة في الكنيست الصهيوني ويتوهّم أن بمقدوره صنع القرار، ولو بحدّه الأدنى، لحماية وجود الشعب الفلسطيني على أرضه؟

في دراسة "المواطنة كهيمنة: الاستعمار الاستيطاني وصناعة المواطنة الفلسطينية في "إسرائيل"" (2019)، توضّح الباحثة لنا طاطور كيف ولماذا وافق قادة الكيان الصهيوني، بعد إقامته على أنقاض فلسطين في العام 1948، منح المواطنة للفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم وفي وطنهم. لقد سارعت هذه القيادة الى منحهم حق الاقتراع في العام 1949، قبل تحديد المواطنة، وفصلت حق الاقتراع عن المواطنة حتى صدور قانون المواطنة في العام 1952.

لم يكن الكيان الصهيوني أول من فصل بين حق الاقتراع وحق المواطنة، كما تشير اليه الباحثة، فالدول الانكلوساكسونية الاستيطانية (استراليا والولايات المتحدة) منحت حق الاقتراع للشعوب الأصلانية في وقت متأخر، بعد منحها المواطنة. وحق الاقتراع المبكر في الحالة الصهيونية لم يتبعه تلقائيا حق المواطنة، حيث تم لاحقا تهجير فلسطينيين شاركوا في أول انتخابات للكنيست (1949 و1951)، وهي الفترة التي كان يسعى فيها كيان العدو الى تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، خاصة من النقب، ومنع عودة مجموعات من اللاجئين، الذين نعتهم بـ"المتسللين".

يمكن تفسير منح حق الاقتراع للفلسطينيين الموجودين تحت سيطرة كيان العدو بسببين، الأول هو طمأنة المجتمع الدولي حول الطابع الديمقراطي للحكم الصهيوني، والثاني هو بسط السيطرة الصهيونية على مناطق لم تكن ضمن "الدولة اليهودية" التي أقرّها هذا المجتمع بقرار التقسيم، كالجزء الأكبر من الجليل، من خلال سكانها، إذ أن "مشاركة الفلسطينيين في هذه الانتخابات أسّست لاحقا لشرعية الضم الفعلي" لهذه المناطق.

في العام 1948، ألغى الكيان الاستيطاني المواطنة الفلسطينية التي كانت سائدة خلال الاحتلال البريطاني، والتي حلّت مكان المواطنة العثمانية، والتي تمتّعت بها جماعات من المستوطنين اليهود. خلافا للدول الاستيطانية الأخرى، كما تشير اليه الباحثة، بقى سكان الكيان، الفلسطينيون والمستوطنون، بلا مواطنة محدّدة الى أن سنّ الكنيست قوانينه، قانون "عودة اليهود" في العام 1950 وقانون المواطنة عام 1952. إن كان إلغاء المواطنة الفلسطينية لا يعني شيئا كثيرا للمستوطنين اليهود (فهم أصلا بلا جذور في البلاد)، فهو يعني الكثير للفلسطينيين، إذ تم إلغاء انتمائهم السياسي الى ما كان موجودا قبل الكيان الصهيوني (وقبل الاحتلال البريطاني)، أي الى تاريخهم وماضيهم السياسي، ومنع عودة اللاجئين الى وطنهم وكيانهم السياسي الذي تم محوه، وليس فقط احتلاله، ذلك أن "إلغاء المواطنة الفلسطينية هو أيضا عملية محو". في المستعمرات الاستيطانية الأخرى (كندا واستراليا مثلا)، تشكّلت المواطنة على أثر التبعية البريطانية التي كانت تشمل جميع السكان أو الجزء الأكبر منهم، مستوطنين بريطانيين وشعوب أصلانية.

لم يتم سنّ قانون المواطنة من قبل الكنيست الصهيوني في العام 1952 إلا بعد سنّ قانون "العودة" الخاص باليهود في العام 1950، حيث تفصّل الباحثة كيف كان بن غوريون رافضا لفكرة قانون المواطنة لأنه سيشمل الفلسطينيين من جهة، ولأن حدود الكيان لم تستكمل بعد في هذه الفترة، من جهة أخرى. بالنسبة لبن غوريون، اليهود ليسوا بحاجة لقانون مواطنة، فهم مواطنون تلقائيا في كيانهم اليهودي، وكان يبحث عن طريقة لجعل المواطنة التي قد تُمنح للفلسطينيين داخل الكيان الجديد مسألة إدارية ومشروطة (دون الإفصاح عن ذلك) مرتبطة بالأمور الأمنية.

من جهة أخرى، كان الصهاينة يرفضون سنّ قانون واحد يجمع بين المستوطنين والفلسطينيين. اقترح المحامي زيراخ ورهافتيغ (Warhaftig)، الذي أصبح لاحقا نائبا في الكنيست، سنّ قانونين منفصلين لحلّ المعضلة، قانون خاص باليهود، قانون "العودة" الذي يمنح المواطنة تلقائيا لمن "يعود" الى الكيان الصهيوني، وقانون المواطنة الخاص بغير اليهود، لا سيما الفلسطينيين منهم، والذي يفصّل شروط منح المواطنة. فيقترح بن غوريون أن يتم "تطبيق قانون المواطنة فقط على غير اليهود، دون الإفصاح بذلك. سيتم تطبيقه على الكل، باستثناء اليهود". كرّس القانونان "التمييز العنصري بين اليهود الذين اعتبروا مواطنين طبيعيين وأصليين، وبين الفلسطينيين الذين يحصلون على المواطنة كلفتة إحسان" من قبل دولة المستوطنين.

منح المواطنة للفلسطينيين في الكيان الاستيطاني، بالنسبة للباحثة طاطور، هو آلية للهيمنة، كما هو الحال في الدول الاستعمارية الاستيطانية الأخرى، لأنه يجعل من المستوطنين جماعات أصلانية، ويرسّخ وجودهم في البلاد المستعمرة، في الوقت الذي يعتبر فيه أن الشعوب الأصلانية طارئة أو غريبة او ثانوية، يمكن التعايش معها في الدولة الاستيطانية الجديدة، على شرط اندماجها في التركيبة الثقافية والاقتصادية التي يسيطر عليها المستوطن الغربي.

المواطنة "الإسرائيلية" التي مُنحت إحسانا للفلسطينيين هي بحد ذاتها نفي لحقوقهم الطبيعية في وطنهم، فهي ليست مواطنة من الدرجة الثانية أو الثالثة كما يصفها البعض للتأكيد على الطابع العنصري للكيان، لأنه وفقا للباحثة، "المكانة الدونية لفلسطينيي 48 في الدولة اليهودية هي في صميم نظام المواطنة في "إسرائيل"، هذه المواطنة خاصة لغير اليهود، أي للأجانب المقيمين في الكيان، وخاصة الفلسطينيين. ويكفي التذكير بمكانة الدروز الفلسطينيين، الذين تم فصلهم عن أخوانهم بمنحهم بعض التسهيلات مقابل اندماجهم في المؤسسة الأمنية الصهيونية، دون اعتبار حقوقهم متساوية مع اليهود، ويعانون من سلب أراضيهم، كسائر الفلسطينيين. ذلك لأن المواطنة "الإسرائيلية" الخاصة ب"الآخرين" هي آلية إلغاء وتمييز. فهي "ليست غير مكتملة، بل تنفّذ ما صمّم لها، أي تطبيع الهيمنة (اليهودية) والتأكيد على سيادة المستوطن، وتصنيف السكان وإبعاد وإلغاء الشعوب الأصلانية".

تطرح مسألة المواطنة "الإسرائيلية"، التي مُنحت لفلسطينيي 48، أسئلة حول أهمية تحديد استراتيجية النضال في الداخل. النضال ضمن هذه المواطنة لتحسين الحقوق تكرّس تجزئة الشعب الفلسطيني وتقف أمام توحيده ضد العدوان المستمر منذ قرن من الزمن، في حين أن النضال خارج هذه المواطنة للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني لاستعادة أرضه وعن وجوده في وطنه يجمع الشعب الفلسطيني، في كل مناطق تواجده.

انشر عبر
المزيد