قراءة في كتاب "أوجاع البوسطة: قصص حقيقية من واقع الأسرى الفلسطينيين"

01 آذار 2021 - 12:49 - الإثنين 01 آذار 2021, 12:49:19

في استقبال الأسير المحرر جمعة التايه
في استقبال الأسير المحرر جمعة التايه

بقلم : راغدة عسيران

مؤلف الكتاب هو الأسير المحرر جمعة التايه، الذي تحرّر بعد 18 عاما ونصف العام من السجن، بعد تأليفه هذا الكتاب في سجن النقب. لقد اعتقل آخر مرة خلال انتفاضة الأقصى في 24/10/2001، وله مجموعة من المؤلفات.

***

تدور قصص الكتاب حول البوسطة، وهي "مصطلح أطلقه الأسرى الفلسطينيون على الحافلة ... التي تنقل الأسير أو مجموعة من الأسرى من السجن لمكان ما... فهي خالية من كل الألون والأصباغ إلا لون الحديد". البوسطة هي "كتلة حديدية مجوفة، بيت من حديد والقضبان على شكل حافلة لها عجلات". "البوسطة هي السجن الحديدي داخل السجن الصهيوني، التي يعرفها كل أسير كونها الوسيلة الوحيدة لنقله الى المحكمة أو الى سجن آخر أو الى المستشفى، وهي أحدى أساليب التعذيب والإهانة في سجون العدو.

من خلال هذه البوسطة التي لا يعرفها "إلا من تقلّب على كراسيها الحديدية"، يكتب المؤلف عن السجن والسجانين والمحققين الصهاينة من جهة وعن الأسرى، آلامهم وعذاباتهم، وبطولاتهم اليومية وتحديهم المستمر ضد الكيان الاستيطاني الذي هجّر الشعب الفلسطيني بالبوسطات في العام 1948.

في البوسطة يتجسد مجتمع كامل، حيث يلتقي ابن الضفة الغربية وابن غزة وابن أراضي 48، والمريض والسليم، والطفل والشيخ، الأسير مع الأسيرة (رغم عزل هذه الأخيرة) وأبناء التنظيمات كلها، والجنائي والأمني، إلا أن لكل واحد منهم وجهته.

في البوسطة، يكون الأسير مقيّد الأيادي والأرجل، ملتصقا بالحديد، في الصيف والشتاء، يمضي ساعات طويلة "ونحن مكدّسون في هذه العلبة الحديدية"، دون طعام أو شربة ماء. مع رحلة البوسطة، هناك الجنود المدججين بالسلاح (الرجل الحديدي في الدولة الحديدية) والكلاب البوليسية: "لقد تفاهموا مع الكلاب ولم يستطيعوا التفاهم مع البشر". رحلة البوسطة هي رحلة عذاب لا يمكن تصوّرها، تبدأ قبل الصعود إليها بأيام، عندما يعرف الأسير أنه سيتم نقله، ولا تنتهي إلا بعد أيام من عودته عبر البوسطة، ومداواة جسده المنهك وأوجاعه، في السجن.

البوسطة هي التي تنقل الأسير معتصم رداد "ذلك الشاب الجميل الوسيم" المصاب بالسرطان الى ما يسمى مشفى الرملة، ليعود في البوسطة مريضا أكثر وتعبا أكثر وينزف دما، بعد أخذ جرعات الكيماوي. يرفض كثير من الأسرى الذهاب الى المشفى بسبب هذه الرحلة الجهنمية التي تدوم أحيانا نهارا كاملا، رغم المسافة القصيرة بين السجون و"المشفى".

البوسطة هي التي نقلت الأسيرة (المحررة اليوم) فاطمة الزق الى المستشفى للولادة، وهي مكبّلة في البوسطة الحديدية وبقيت مكبّلة خلال الولادة ومحاطة بالسلاح والمسلحين الحديديين. والبوسطة هي التي صعد اليها مرات الأسير يوسف، ابنها المولود في السجن، وهي أول سيارة ركبها في حياته: "لقد أرادوا وفكّروا أن يكبّلوا المولود خوفًا من الهرب، لكنهم لم يستطيعوا، فنوره هزم ظلامهم، وبركته وطهارته وقفت سدًا منيعا أمام رجسهم وحقدهم الأسود."

البوسطة هي التي تنقل الأسير الى سجن آخر لإزعاجه ومنعه من الشعور بالاستقرار، وتؤدي دور السجان وقوات "النحشون" في السجون، الذين ينقلون الأسير من غرفة الى غرفة آخرى ومن قسم الى قسم، مع إضافة العبث بأغراض الأسرى وتفتيشها، وأحيانا سرقة كتاباتهم وأوراقهم الشخصية، كما روى العديد من الأسرى المحرّرين. هي "البوسطة الداخلية" التي تعطّل البرامج الثقافية والوطنية والتربوية في سجون العدو.

هذه العلبة الحديدية التي طورّها العدو، الذي يعتبر أنه استفاد من تجارب الديمقراطيات الغربية، هي بنظر الكاتب "خلاصة تجربة كبيرة وطويلة مصنوعة في الغرب، مع إضافة الصبغة "الإسرائيلية" عليها كي تصبح قاسية الى أبعد الحدود". رغم بشاعة هذه التجربة وقساوتها ووحشيتها، استطاع الأسير الفلسطيني البطل أن يتحداها، كما يتحدى غرف التحقيق والمحققين الساديين، وكما يتحدى العزل في سجونه، ويحوّل السجون الصهيونية الى مراكز نضال وعلم ومعرفة ونقاش وصداقة وأخوة، في كيان ظالم ومتوحّش. 

يروي الأسير المحرر جمعة التايه قصص الهروب، من البوسطة ومن السجن. فإن كانت قصص الهروب من السجن معروفة نوعا ما، لم يخطر على بال أحد أنه يمكن الهروب من هذه العلبة الحديدية المقفلة والمطوقّة بالرجال والنساء الحديديين وكلابهم، وكون الأسرى مكبّلين ومكدّسين فيها. رغم ذلك، استطاع الأسير محمد أبو جاموس من الهروب في العام 2002 في أثناء نقله الى المحكمة. فــ"جنّ جنون" الحراس وقوات "النحشون" واستنفرت المؤسسة الأمنية الصهيونية خلال ثلاثة أيام، وتحرك الآلاف من أفراد الشرطة والجنود وكلاب الحراسة والسيارات، وكتبت الصحافة الصهيونية يومها عن "الأسير الفلسطيني الذي أوقف دولة كاملة على أرجلها لمدة ثلاثة أيام".

كما يروي قصة هروب الشهيد صالح طحاينة من سيلة الحارثية، بعد عملية نقل تمت بالبوسطة، من سجن جنيد الى سجن النقب، بعد أن اتفق مع الشهيد الأسير نعمان الطحاينة أن يبدلا اسميهما، بعد اتفاقيات أوسلو، حين نقل الصهاينة الأسرى من الضفة الغربية الى الداخل الفلسطيني المحتل. ثم اتفق الأسير صالح مع الأسير عامر زيود الذي اقتراب إفراجه ليخرج مكانه. ظلّ الأسير صالح طحاينة مطاردا من قبل الأجهزة الأمنية الصهيونية لمدة ستة أشهر الى أن تم اغتياله بطريقة بشعة في إحدى الشقق في رام الله.

من بين هذه القصص "العجيبة والغريبة" التي تحصل في السجون الصهيونية، يروي الكاتب كيف تمكّن الأسير أبو همام النتشة، ذو الإرادة الفولاذية" أن يتلاعب بالمخابرات الصهيونية ويكسب رحلة الى البحر الميت بسيارة مدنية، ويسبح بمياهه ثم يذهب، برفقة رجال المخابرات، الى كازينو أريحا، حيث يأكل أشهى المأكولات، قبل أن يرفض "الإعتراف"، ليجنّ جنونهم. فيأخذونه الى سجن تحت الأرض، في منطقة صفد، ويوضع في زنزانة مظلمة، "لا يسمع إلا أصوات الصراخ والصياح والبكاء المصطنعة كي ينهار".

من خلال البوسطة وعذاباتها، يعرّج المؤلف على الإضراب عن الطعام الذي خاضه الأسرى في نيسان /أبريل 2012 لإنهاء العزل وإعادة الزيارات الى أسرى قطاع غزة وإنهاء قانون شاليط، بعد عملية "وفاء الأحرار" التي تمت في اكتوبر/تشرين الأول 2011. كان الأسرى المضربين عن الطعام ينقلون بالبوسطة من سجن لآخر، وتم عزل قادة الإضراب، التي كانت البوسطة تنقلها، في آخر أيام الإضراب، للتنسيق وإجراء الاتصالات ولقاء المسؤولين الصهاينة والاتفاق على إنهاء الإضراب. كان مؤلف الكتاب من ضمن قادة الإضراب في تلك الفترة.

يذكر الكاتب في هذا الصدد جملة من الملاحظات حول هذا الإضراب، أولها التردد والانقسام بين قيادة المعركة حول التوقيع على إنهاء الإضراب، ويفصّل الأجواء السائدة في تلك الأيام وما هي المخاطر أمام إنهاء أو متابعة المعركة، ثم، وبعد ثلاث سنوات، يقيّم هذه المعركة البطولية التي خاضها الأسرى.

لقد صدرت كتب كثيرة وثقت هذا الإضراب، عن مؤسسة "مهجة القدس"، منها كتاب الأسير ثائر حلاحلة حول تجربته، كمعتقل إداري خاض المعركة مع الأسير بلال دياب (الذي تحرّر بعد الإضراب وتم اعتقاله مجددا مع أخيه بسام في أواخر كانون الثاني/يناير 2021).

لم يتخلّ الكاتب عن روح التحدي، في كل قصة يرويها، حيث يذكّر ببطولات المقاومة والمقاومين، ويبعث رسالة الى المحتل : "البوسطة لم تمتنا... وإنما زادتنا كرهًا لهم (الصهاينة) ووعيًا بحقيقتهم، وحبا في المقابل لأرضنا وشعبنا ووطننا".    

انشر عبر
المزيد