قراءة في كتاب.. "ستتحطم هذه القيود" للكاتب رمزي بارود*

25 كانون الثاني 2021 - 05:25 - الإثنين 25 كانون الثاني 2021, 17:25:54

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

بقلم: راغدة عسيران

رغم الجهود التي بذلتها وما زالت تبذلها مؤسسات فلسطينية وعربية من أجل "تدويل" قضية الأسرى في سجون العدو، يصرّ المجتمع الدولي على إهمال هذه القضية، بل يتواطأ أحيانا مع العدو، رغم انتهاك هذا الأخير لكل الأعراف الدولية فيما يخصّ التعامل مع الأسرى. فتعامل الصهاينة مع الأسرى خلال جائحة كورونا أثبتت مرة أخرى أن هدفهم الأول والأخير هو الانتقام من هؤلاء المقاومين والأبطال، فيسعون الى تجريدهم من انسانيتهم، وتبرير أساليبهم الوحشية أمام الرأي العام العالمي.

من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يعرّف على عشرين أسيرا، من خلال المقابلات المباشرة مع المحررين منهم، أم غير المباشرة مع أفراد من أسرهم، الوالدة، الزوجة أو الأخت، إن هم ما زالوا في الأسر.

يتوجّه الكاتب الى الرأي العام العالمي الذي سيكتشف من خلال هذه المقابلات من هم الأسرى الفلسطينيين ومدى انسانيتهم، ولماذا قاوموا الاحتلال، وكيف ينتقم منهم العدو في سجونه، في كل مفاصل حياتهم وحياة أسَرهم. وأيضا، كيف يقاومون ويصمدون أمام التعذيب والتنكيل لإثبات انتمائهم الى شعب يناضل ويقاوم من أجل أرضه وحريته، ما أشار اليه الكاتب في العنوان الثاني "حكايات فلسطينية عن النضال والتحدي في السجون الصهيونية".

تكمن أهمية الكتاب بشموليته، إذ يقدّم المؤلف بعض التفاصيل عن بيئة الأسير العائلية والاجتماعية، ويذكر أصول العائلة إن كانت لاجئة من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وما حصل لمدينتها أو قريتها الأصلية، التي غالبا ما تم تدميرها بعد تشريد أهلها، لمنع اللاجئين من العودة اليها. يعرّف مثلا المؤلف عن الأسير المحرّر محمد الديراوي، المولود في مخيم النصيرات في قطاع غزة، مضيفا أن أصل العائلة من بئر السبع، المدينة التي طُهّرت عرقيا في العام 1948. وتعود أصل عائلة الأسير المحرّر جلال لطفي صقر الى قرية حمامة، التي دمّرتها العصابات الصهيونية وهجّرت أهلها. هذه المعلومات الدقيقة عن تاريخ أفراد من الشعب الفلسطيني، الذين رفضوا الظلم وقاوموا الاحتلال، تتيح للقارئ الأجنبي فهم الأسباب التي جعلت هؤلاء الأسرى يقاومون ويتصدون للغزاة الصهاينة.

فالحديث عن الاسرى المظلومين في سجون العدو، لا يعني وصف المعاملة اللاإنسانية التي يتعرضون لها دون العودة الى مأساة الشعب الفلسطيني وأسباب ثورته ومقاومته، كي يتفهّم الجمهور الغربي والشرقي، على حد سواء، أن الأسرى الذين يعانون ويستشهدون في سجون العدو هم أولا مقاومون من أجل حرية وطنهم، وعلى هذا الأساس، يجب أن يُعاملوا كأسرى حرب، وليس كمجرمين، كما ينظر اليهم الصهاينة الغزاة، ويحاولون الترويج له في الإعلام الغربي. 

مقابل محاولات الصهاينة لتجريد الأسرى من انسانيتهم، يبرز المؤلف، من خلال حديث الأسرى وعوائلهم المشاعر والقيم الانسانية التي يتحلى بها الأسرى والأسيرات، مقابل سادية السجانين الصهاينة.

تروي الأسيرة دارين طاطور كيف رفضت السجانة مساعدتها للصعود الى سريرها بعد كسر يدها وساقها. كما تروي الأسيرة الطفلة ديما الواوي مجريات جلسات التحقيق معها خلال أربعة أشهر ونصف. تصف والدة الشبل علي ياسين شملاوي (أحد أطفال بلدة حارس) زيارتها الأولى الى طفلها في السجن، ويذكر الأسير المحرر فؤاد الرازم كيف التقى مع والدته المريضة في آخر زيارة لها الى السجن، وكيف تصرّف معها السجانون وقتها دون أي رحمة. ووصفت منى جعابيص اللقاء الأول في السجن بين الطفل معتصم وأمه الجريحة أسراء، وكيف رفض أن تخبّئ وجهها المشوّه وراء القناع، لأنه "يحبّها كما هي". ويروي الأسير بلال خالد التمام، من طولكرم، كيف استشهد أخوه خلال مظاهرة اندلعت ضد المحتلين، ثم توفى أبوه وأخته وهو في السجن، قبل أن يستشهد الأسير فادي الدربي أمامه في الزنزانة، من جراء ما يسمى "الإهمال الطبي" من قبل إدارة السجون، أي القتل المتعمد للأسرى.

من خلال العشرين أسيرا الذين يشكلون مادة هذا الكتاب، يتعرّف القارئ على معظم الحالات المعتقلة: الأسرى والأسيرات (وفاء البس من قطاع غزة، خديجة خويص من القدس، خالدة جرار من رام الله) والأشبال: (ديما الواوي من حلحول وعلي ياسين شملاوي من حارس)، المرضى: (الشهيد مجدي حماد والشهيد فارس بارود)، وأسرى القدس: (أسراء جعابيص، فؤاد الرازم)، والضفة الغربية: (هلال محمد جرادات، نائل البرغوتي)، وقطاع غزة (محمد الحلبي، محمد أبو حصيرة)، وأراضي 48 (عزمي منصور ودارين طاطور من الرينة/ الناصرة،)، واللجوء (كفاح عفيفي التي تروي مشاهد من المجزرة الرهيبة في مخيم صبرا وشاتيلا عام 1982)، والمحكومون بالمؤبد (جلال صقر)، والمعتقلون الإداريون (محمد أديب القيق)، الأسرى القدامى وأسرى ما بعد انتفاضة الأقصى (رأفت صلاح معروف)، والمنتمون الى فصائل المقاومة (كتائب شهداء الأقصى، كتائب القسام، وسرايا القدس) وغير المنتمين. كما يتعرّف على أساليب التحقيق والتعذيب والإهانة، والبوسطة، وسادية السجان، والعزل الإنفرادي، وزيارات الأهل، والمرض والمعاناة والإهمال الطبي، وسرقة مقتنيات الأسرى وكتاباتهم.

ويتعرّف أيضا على نضال الأسرى، عن الإضراب عن الطعام، وماذا يعني ذلك للأسير وعائلته ولأخوانه في الأسر(محمد القيق)، وعن تهريب الهواتف وأساليب تخبئتهم (محمد أبو حصيرة) ليستمر الاتصال مع الأهل والأصدقاء في الخارج، وتنظيم الدراسة لدى الأسيرات للحصول على الشهادات، ومواصلة التعليم بعد الإفراج عنهن (تجربة الأسيرة خالدة جرار)، والكتابة وتعلّم اللغات (هلال محمد جرادات) والانتساب الى الجامعات للتحصيل العلمي، والعلاقات الأخوية بين الأسرى في السراء والضراء (جلال صقر، فؤاد الرازم، كفاح عفيفي)، مهما كانت انتماءتهم التنظيمية، والعلاقات الأخوية بينهم بعد الإفراج (محمد الديراوي والشهيد مجدي حماد).

يؤكد الكاتب في المقدمة على العلاقات الأخوية بين الأسرى، وعلى وضوح الرؤى السياسية لديهم، رغم انتمائهم الى تنظيمات مختلفة. فاعتبر أن رواياتهم، رغم اختلافها بسبب الظرف والمكان والتجربة الفردية، هي رواية واحدة ومتماسكة، تنشد لمقاومة المحتل وللتضحية من أجل تحرير الوطن.

من خلال حكايات الأسرى وعائلاتهم، التي شملت معظم جوانب الأسر في السجون الصهيونية، تبرز الفكرة الأساسية، وهي أن انسانية الأسير، مقابل سادية المحتل، تنبع من كونه مقاوم، ذلك أن المقاوم هو الذي يشعر بآلام شعبه ويحاول تضميد جراحه، عن طريق مقاتلة المحتل، المسبّب لهذه الآلام، وطرده من البلاد. فالأسير نائل البرغوتي، "البطل الذي ينتمي الى المدرسة الثورية" كما تصفه زوجته الأسيرة المحررة ايمان نافع، يمثل القيم الانسانية الحقيقية أمام البربرية المتمثلة بالكيان الصهيوني وداعميه، لأنه يدافع عن شعبه ووطنه. والأسرى هم كذلك.

*العنوان باللغة الانكليزية These chain will be broken

صدر في اواخر 2020، عن "كلاريتي برس"

 

انشر عبر
المزيد