التعريف بطبيعة الكيان الصهيوني

03 كانون الأول 2020 - 04:59 - الخميس 03 كانون الأول 2020, 16:59:02

تيودور هرتزل
تيودور هرتزل

بقلم: راغدة عسيران

في كتاب صدر قبل عدة سنوات، يعيد الباحث "داميان شورت" التعريف بـ"الإبادة البشرية" (genocide) رافضا الادعاء الصهيوني الذي حصر الإبادة البشرية بـ"الهلوكوست" اليهودي، ذلك لأن القتل والمجازر لا تشكّل إلا صنفا من الإبادة البشرية، التي تشمل كل الاعتداءات على البشر، بهدف محو تاريخهم ومجتمعهم، لا سيما عندما تكون هذه الاعتداءات في سياق الاستعمار الاستيطاني. عدد البشر الذين يقتلون في هذه العملية لا يشكل المعيار لتعريف الإبادة البشرية، لأن الأساس في التعريف هو إزالة ومحاولة إزالة مجتمع يعيش على أرضه، يتميّز بثقافة وعادات مختلفة عن المستوطنين المستعمرين.

تُعد إعادة تعريف الإبادة البشرية بهذه الطريقة انتقادا للأكاديميين الغربيين والعرب اللاحقين لهم الذين تجنبّوا تعريف الاعتداءات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني بـ"الإبادة البشرية" واخترعوا تعريفات مثل: "الإبادة السياسية" أو "الإبادة المجتمعية"، وغيرها من التعريفات الجزئية لمصطلح الإبادة، ليكون التعريف بالإبادة البشرية محصورا باليهود الأوروبيين الذين قتلهم النظام النازي، بعد تبنّيهم "الهلوكوست" كحادثة استثنائية في تاريخ البشرية.

من خلال مناقشته لاستخدام مصطلح الإبادة البشرية، يكشف الباحث أن إطلاق المصطلحات والتعريفات على الأنظمة السياسية في العالم يخضع للأهواء السياسية لدى المجتمع الدولي والقوى المهيمنة عليه، أكثر من إخضاعه للتوصيف الموضوعي للنظام وممارساته، ما يشكّل حاجزا أمام تبنّي هذا المجتمع لمجموعة من التعريفات يسعى الى وضعها بعض الأكاديميين والمثقفين الغربيين والعرب حول الكيان الصهيوني.

لقد خاض هؤلاء معركة لتعريف طبيعة الكيان الصهيوني من خلال ممارساته واعتداءاته على الشعب الفلسطيني: هل هو نظام فصل عنصري أم إستعمار إستيطاني يمارس التطهير العرقي أو الإبادة البشرية، أم نظام عنصري نيوليبرالي أم قاعدة للإمبريالية العالمية ؟

تنطلق هذه التعريفات من الواقع منذ إقامة هذا الكيان على أرض فلسطين، لكنها تبقى جزئية لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار التاريخ والجغرافيا والعقيدة، أي ما يربط شعوب الأمة بفلسطين، كونها بنت تعريفاتها على التجزئة السياسية التي أحدثتها الهيمنة الغربية، ولا تنظر أو تعيد النظر في الادعاءات الدينية الصهيونية، أو لا تولّيها أهمية، باعتبار أنها لا تشكّل إلا غطاءا للاستعمار الاستيطاني وذريعة للتطهير العرقي.

من ناحية أخرى، تقترح هذه التعريفات الجزئية بالكيان الصهيوني طرقا لحلّ الصراع معه، حيث تتمحور هذه الحلول حول كيانية الحل (فلسطين/"إسرائيل")، ومشاركة المجتمع الدولي في إيجاد حلّ يرضي "الشعبين" (الفلسطيني و"الإسرائيلي")، بحيث تبقى شعوب الأمة خارج المعادلة، إلا كقوة خارجية، تتضامن مع الشعب الفلسطيني كونه شعب مظلوم، وليس لأن أرض فلسطين المغتصبة جزء من أرض الأمة، يجب على شعوبها التعبئة لدعم المقاومين أو المشاركة في المقاومة أو الضغط على حكوماتها لتتحمّل المسؤولية.

التعريف الجزئي لطبيعة الكيان الصهيوني وللصراع في المنطقة، الذي يغفل التاريخ والجغرافيا، يستبعد وجود الأمة وشعوبها، ودورها في معركة التحرير ومواجهة هذا الكيان، لأنه يغفل سمة أساسية، وهو طبيعته التوسعية "من النيل الى الفرات" (الادعاء الديني) وأبعد من ذلك نحو أراضي المسلمين. التوغّل الصهيوني في الدول العربية، من المغرب الى الخليج، أو في الدول الإسلامية، في إفريقيا وآسيا، هو نوع من التوسّع على حساب شعوب الأمة، لأنه ينهب خيراتها بالشراكة مع الدول الإمبريالية تحت ستار التقدّم العلمي، ويفتّت مجتمعاتها من خلال اختراق "أقلّياتها" الدينية أو الإثنية بحجة شعارات: "تقرير المصير" و"الديمقراطية" أو "الجذور التوراتية" لهذه الأقليات.

فتعريف الكيان الصهيوني بطبيعته التوسعية يكشف أيضا تهديده لشعوب الأمة، وتطبيع العلاقات والتحالف معه ومشاركته في مشاريعه الإلغائية للشعب الفلسطيني لا يشكّل فقط دعما لتوسعّه وانخراطه في المنطقة واعتدائه عليها، بل قد تصبح الدولة المطبّعة جزءا من الفضاء الصهيوني الموسّع. فالتطبيع والتحالف مع الكيان الغاصب يشكّل، بالتالي، تهديدا لمستقبل شعوب الأمة التي عليها مواجهة هذا التوغلّ الخطير ومشاركة الشعب الفلسطيني في قتال العدو المشترك.

عندما تتبنّى الشعوب العربية والإسلامية التعريفات الجزئية للكيان الصهيوني، التي تنكر تاريخها المشترك ووحدتها وعلاقاتها الخاصة بفلسطين، كجزء من أراضي الأمة المغتصبة، أو علاقتها الخاصة بالمسجد الأقصى والأرض المقدسة، التي هي جزء من عقيدتها، ستتفاعل مع الصراع وكأنها خارج الأمة، تتضامن مع المظلوم كما تتضامن مع سائر المظلومين في العالم، ولا تجد الترابط بين مسيرة تحرير فلسطين ووضع بلدانها، التابعة للقوى المهيمنة على العالم أم المستقلة عنها، ولن تسعى الى المشاركة في مسيرة التحرير عبر التخلص من التبعية لهذه القوى وضرب مصالحها، التي غالبا ما تكون مشتركة مع المصالح الصهيونية.

التعريفات الجزئية المبنية على الواقع، التي لم تأخذ بالحسبان تاريخ وجغرافيا فلسطين في الأمة، لا يمكن أن تشكّل انطلاقة لحلّ الصراع، كونها تستبعد شعوب الأمة ووظيفة الكيان الصهيوني إزاءها: التوسعي والمفتّت لنسيجها الحضاري. كما أنها تغفل الصراع بين الأمة والدول الغربية في الماضي، حيث كانت الحروب "الصليبية" إحدى مراحلها، والتي أظهرت العلاقة بين الوحدة والتحرير وبين النهضة الشاملة والعودة الى ما يسميه مالك بن نبي "الفكرة".

كما أن هذه التعريفات الجزئية غير قادرة على فهم الطبيعة الوحشية والإجرامية للكيان الصهيوني لأنها أغفلت الادعاءات الدينية والتاريخية اليهودية الصهيونية التي يسنتد عليها المستوطنون لتبرير جرائمهم. يعتبر مستوطنو الكيان الصهيوني، القدامى والجدد، الذين قدموا من شتى أنحاء العالم، قبل أو بعد 1948 و1967، أن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية إجمالا شعوبا طارئة على المنطقة، لا تاريخ ولا جذور فيها، فيما هم يستندون على أساطير وخرافات لممارسة وحشيتهم، يتقبلّها الغرب الإمبريالي طالما تدعم مصالحه. ولأنهم يعتقدون أنهم "شعب الله المختار" الذي يحق له "العودة" الى "وطنه"، لا يكترثون لقرارات ونداءات وإدانات الهيئات الدولية، طالما يشعرون بحماية القوى المهيمنة المتواطئة معهم.

يستندون الى معتقداتهم المشوّهة للدين لممارسة أبشع التعديات على الانسان الفلسطيني، إن كان في السجن أم كان طفلا أم شخيا. ويدنّسون المقدسات الإسلامية والمسيحية دون أي رادع، بسبب عقيدتهم الإلغائية لكل الأديان واعتقادهم أنهم فوق البشر.

لا يمكن مواجهة الكيان الصهيوني وداعميه والساكتين عن إجرامه إلا بفهم خصائصه، التي تختلف عن كل الكيانات الاستعمارية الاستيطانية في العالم، كونه كيان مزروع في المنطقة لتفتيتها وتشويه حضارتها وإعادة تركيبها لما يناسب هيمنته وجعل شعوبها تعمل لصالحه وتحت سيطرته.

 

انشر عبر
المزيد