خطوط حمراء متباينة ومهتزة

25 تشرين الثاني 2020 - 01:48 - الأربعاء 25 تشرين الثاني 2020, 13:48:14

بقلم: راغدة عسيران

الخطوط الحمراء هي الحدود التي تضعها جهة ما للتأكيد على استحالة تجاوزها، إن دخلت في مفاوضات مع جهة أخرى، أو أنها ثوابت محددة يستحيل التراجع عنها رغم الضغوط الخارجية والداخلية، مهما كلّف الأمر، وإلا لم تعد خطوطا حمراء، بل خطوطا متزحزحة ومتقطعة، تتتاغم مع  الواقع وتنسجم مع متطلباته.

كثر الحديث في الأدبيات الفلسطينية عن الخطوط الحمراء، التي لا يمكن تجاوزها، وتعدّ من الثوابت الفلسطينية التي لا يمكن التراجع عنها. ويتصاعد الحديث عن هذه الخطوط كلما تم التنازل فعليا عن الثوابت، أولا لطمأنة الشعب الفلسطيني والجمهور العربي العريض أن من حمل البندقية لتحرير الأرض لم يتخلّ بعد عن تاريخه المقاوم، وثانيا، لاعتبار التنازل الذي تم أو قد يتم هامشي لا يمس بالجوهر، وليس إلا تكتيكا مرحليا لتخفيف الضغط الخارجي عليه.

بهذه الطريقة تصرّفت منظمة التحرير الفلسطينية قبل التوقيع على اتفاقيات أوسلو وهكذا تتصرف السلطة الفلسطينية منذ إقامتها على أجزاء من الأراضي المحتلة عام 1967، وهكذا تصرّفت بعض فصائل منظمة التحرير التي لحقت بالسلطة وشاركت في إدارتها وسياستها، رغم تحفظاتها على بعض الجوانب الفاضحة، كالتنسيق الأمني مع الاحتلال وقمع الحريات العامة وتفشي الفساد.

أين تقع الخطوط الحمراء التي لا يمكن التراجع عنها ولا يمكن المساومة عليها ؟

لقد وافقت السلطة الفلسطينية التفاوض والمساومة في مسائل جوهرية، أولها حق عودة اللاجئين الى ديارهم الأصلية، وليس الى أراضي السلطة، ثم في مسألة القدس، حيث تم التفاوض حول تبادل بعض أحيائها، في حين كانت مسألتا القدس واللاجئين تعتبران من أهم "الخطوط الحمراء" في الأدبيات الفلسطينية.

واليوم، تزامنا مع عودة السلطة الى التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني وإعادة ممثليها الى الدول الخليجية المطبّعة، صدرت تصريحات مقلقة بشأن مكانة الأسرى والشهداء والجرحى في المجتمع الفلسطيني، وهو "الخط الأحمر" الثابت منذ بداية الثورة الفلسطينية الحديثة، كون الأسرى والجرحى والشهداء هم من ناضلوا وضحوا من أجل تحرير فلسطين، ينتمون الى كل الشرائح وفئات المجتمع الفلسطيني، والى كل مناطق فلسطين، ويمثلون تاريخ وحاضر فلسطين المقاومة.

منذ سنوات، يصعّد الكيان الصهيوني هجماته على الأسرى وعلى مكانتهم في المجتمع الفلسطيني، ويسعى من خلال الضغط السياسي والأمني والمالي على السلطة الفلسطينية، الى تصفية مكانتهم كأبطال ورموز، واعتبارهم "إرهابيين" أو حواجز تقف في وجه "السلام" الصهيوني أي الاستسلام للعدو.

في داخل السجون، يحاول الاحتلال سحب كل مكتسبات الأسرى وحقوقهم الإنسانية والسياسية والتي ضحوا من أجلها في معارك بطولية، للتعامل معهم كأعداء يجب الانتقام منهم. وخارج السجون وفي المجتمع الفلسطيني، الحاضنة الأساسية للمقاومة والتضحية، يضغط الاحتلال، بمساندة المجتمع الدولي، الذي يرفض كل أشكال المقاومة من الأساس، لتحطيم مكانة الأسرى والشهداء.

لقد طالب العدو بتغيير المناهج التعليمية المتبعة في السلطة لأنها تحتوي على كلمتي "الأسير" و"الشهيد"،  وحارب تسمية الشوارع والساحات العامة والمدارس في مدن الضفة الغربية المحتلة بأسماء الشهداء، وساندته دول مانحة (النروج والدانمارك) برفضها تمويل مشاريع فلسطينية إجتماعية تحمل أسماء الشهداء.  

أما من ناحية السلطة الفلسطينية، فتصاعدت الحملة الصهيونية عليها باتهامها أنها تموّل "الإرهاب" كونها ترعى عائلات الأسرى والشهداء والجرحى كما كان الوضع في منظمة التحرير قبل إقامة السلطة الفلسطينية.

استشعارا بالضغوط الصهيونية والدولية، أوقفت السلطة أغلب أنشطة نادي الأسير، وألغت "وزارة شؤون الأسرى والمحررين" التابعة للسلطة، تجنبا لاعتبار قضية الأسرى قضية ترعاها السلطة، وألفّت "هيئة شؤون الأسرى" وألحقتها بمنظمة التحرير. لا يمكن اعتبار هذه التغييرات تراجعا بحد ذاته، ولكنها تأتي ضمن سياق الضغوط الصهيونية والأميركية والدولية على السلطة، وتبشّر بالمزيد من التغييرات أو التنازلات، بسبب الضغوط المتزايدة.

فسنّ الكنيست الصهيوني قانون لاحتجاز "المستحقات المالية للسلطة" في العام 2017، واحتجز العدو فعليا مبلغ 138 مليون دولار من تحويلات الضرائب المستحقة للسلطة في شهر شباط/ فبراير 2019. فرفضت السلطة استلام الأموال منقوصة معتبرة أن "رواتب الأسرى خط أحمر" لا تستطيع تجاوزه.

رفع الاحتلال سقف حملته المعادية للأسرى، وشنّ هجوما على البنوك، طال في البداية الأسرى والمحرّرين في الأراضي المحتلة عام 1948، حيث تم الاستيلاء على ما اعتبره مخصصات عوائلهم من البنوك "الإسرائيلية"، ثم في المناطق الفلسطينية الأخرى، حيث هدّد البنوك الفلسطينية بتصنيفها "شريكة بالجريمة" إن لم تقفل أو تجمّد حسابات الأسرى وعائلاتهم. ولأن كيان العدو يعتبر الأسرى والشهداء "مجرمين" و"إرهابيين"، فأي تمويل لهم ولعائلاتهم يعني "دعم الإرهاب"، و تمويله.

لكن السلطة الفلسطينية لا تدعم المقاومة، وتلاحق المقاومين والمناضلين وتزجهم في سجونها، وتنسّق مع الاحتلال لإحباط عمليات المقاومة في الضفة الغربية، غير أنها تقع تحت ضغط الشارع الفلسطيني أيضا الذي يساند ويمجّد المقاومين والأسرى، ويعتبرهم "خط أحمر". فاعتقدت أن المناورة بين متطلبات العدو وأصدقاءه الدوليين من جهة وبين الشعب الفلسطيني من جهة أخرى قد يخلّصها من هذا المأزق.

فجاءت تصريحات اللواء قدري أبو بكر، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، الى صحيفة "نيويورك تايمز" لتوضّح كيف سيتم زحزحة "الخط الأحمر" بالتنازل عما يعتبره "هامشي". أولا في مسألة توظيف الأسرى المحررين، وقد بدأت الهيئة بإرسال استمارات عنوانها "نموذج دمج وتأهيل الأسرى المحررين"، تتضمن أسئلة عن وضعهم العائلي والتعليمي، حيث طلب منهم تحديد خياراتهم حول العمل في أجهزة السلطة، العسكرية أم المدنية.

اعتبرت السلطة أن توظيف الأسرى المحررين قد يخفّف عنها ما تدفعه للأسرى. لكن المشكلة ليست في توظيف الأسرى المحررين بحد ذاته، والكثير منهم يتمنّون العمل، بل في سياق هذا التوظيف المقنّع في أجهزة السلطة، لأنه يتجاوب مع الضغوط ولا يواجهها بشكل قاطع بالتأكيد على مكانة الأسرى والشهداء والجرحى في المجتمع الفلسطيني، وأنهم فعلا "خط أحمر" لا يمكن التلاعب فيه.

أما المقترح الثاني فهو الأخطر لأنه يمس بمعنى وقيمة النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، ومكانة الأبطال المقاومين الذين استشهدوا أو اعتقلوا أو جرحوا أثناء مقاومتهم للعدو. يتضمّن تعديل المبلغ المخصص للأسرى من سنوات الأسر الى الحالة الاجتماعية، أي من قيمة التضحية المعنوية التي بذلها الأسير الى وضعه المادي الاجتماعي، لكي يقتنع العدو أن السلطة لا تموّل "الإرهابيين" بل تساعد عائلاتهم بعد غياب معيلهم.

ليس من المهم أن يتولى مكتب الشؤون الاجتماعية هذا الأمر، وقد أنكر اللواء أبو بكر أنه تم التوافق عليه، أو أي جهة أخرى، لأن المهم هو تغيير المعيار لتصنيف الأسرى: قيمة التضحية المعنوية أم الوضع المادي الاجتماعي ؟

لا يبدو هذا التنازل جوهريا، بالنسبة للسلطة الفلسطينية التي قد تحافظ على رواتب الأسرى، ولكنها تخلّت عن مبدأ القيمة المعنوية للمقاوم، واعتبار الراتب مسألة مادية بحتة، تنازلا عند رغبات جهات أجنبية، الموفد الأممي الخاص للشرق الأوسط نيقولا ملادينوف وديبلوماسيين ألمان ونروجيين، كما جاء في صحيفة "نيويورك تامز"، من أجل التوسط أمام الإدارة الأميركية والكونغرس الأميركي لإعادة "الدعم" المالي للسلطة.

ولكن هل سيقتنع الصهاينة بهذا التخلي عن الجوهر، أي مكانة الأسرى والشهداء في المجتمع الفلسطيني؟.. وهل سيوقفون ضغطهم ؟

يبدو أن ذلك ليس كافيا، بالنسبة لهم، كما صرّح أحد مسؤولي الجهاز الأمني الصهيوني بقوله: "هذا جيد. لكن يجب علينا المراقبة. ما زلت أشكك بالأمر".

انشر عبر
المزيد