قراءة في كتاب

قراءة في كتاب "الجهاد الرقمي" للباحث أيريك سكاريه*

22 تشرين الثاني 2020 - 04:35 - الأحد 22 تشرين الثاني 2020, 16:35:36

قراءة: راغدة عسيران

"الجهاد الرقمي" هو إحدى طرق مواجهة الكيان الصهيوني واختراق مواقع مؤسساته الرقمية لتكبيده خسائر مادية ومعنوية.

من يقوم بهذا "الجهاد الرقمي"؟

ما هي مواقف المنظمات الفلسطينية، لا سيما المنظمات الإسلامية المقاومة، إزاء هذا النشاط؟

هل "الجهاد الرقمي" مرتبط بالواقع أي بمقاومة الاحتلال الفعلية، المسلحة وغير المسلحة؟

وما هي أشكال هذا الجهاد وما شرعيته؟

من هم القائمون عليه وما هي انتمائاتهم السياسية؟

هل يمكن تصنيفه كإحدى وسائل مقاومة الكيان الصهيوني؟ وما مدى فعّاليته؟ في ظلّ التفوّق الصهيوني الواضح في هذا المجال، هل يمكن محاربة كيان الاحتلال بهذا السلاح؟ وكيف؟

في هذا الكتاب الذي كان في الأصل أطروحة أكاديمية للطالب النروجي إيريك سكاريه، الذي قضى عدة أشهر في الضفة الغربية واستطاع خلالها التواصل مع بعض "الهاكرز" الفلسطينيين في قطاع غزة، يجيب الباحث على هذه الأسئلة وعلى غيرها، تتعلّق بعضها بشرعية القرصنة الرقمية بشكل عام، ومتى يمكن تصنيف هذه القرصنة كجريمة، كما يذكر أنواع الإختراقات والفيروسات المتداولة في العالم حيث يميّز بين النضال الإلكتروني والعمل الإجرامي، وتطوّر المقاومة الفلسطينية من جهة وتطوّر البنية الرقمية الصهيونية من جهة أخرى، بحيث أصبحت "إسرائيل" الدولة "العسكرية ذات التكنولوجيا الفائقة" .

يعتبر الكاتب أن "النضال الإلكتروني" هو نوع جديد من الاحتجاج السياسي، يستخدم الأدوات العصرية ويواكب التطور التكنولوجي العالمي. رغم تفوّق العدو في هذا المجال، استطاع الهاكرز الفلسطينيون من تطوير أدواتهم، التي تعتبر بدائية نوعا ما مقارنة بالأدوات المستخدمة من قبل الدول، وخاصة الكيان الصهيوني، ولكنها تبقى فعّالة لعدم قدرة العدو "على التنبؤ بالهجمات الإلكترونية وعدم اليقين"، ما جعله يؤسس "الوحدات السيبرانية الخاصة لمواجهة الهجمات".

لقد ظهر النضال الرقمي قبل انتفاضة الأقصى، حيث ساهم العرب (سوريا، تونس، الجزائر، السعودية) والمسلمون في اختراق المواقع الصهيونية، لبث الفيروسات من نوع أحصنة طروادة، أو لضرب موقع باستخدام تقنية "الحرمان من الخدمة"، الذي يتطلب عددا كبيرا من المشاركين. وتطوّر هذا النوع من النضال خلال الانتفاضة، ثم ظهر الهاكر الفلسطيني في قطاع غزة، بشكل أساسي، قبل تأسيس فريق "هاكر غزة" (2007) وفريق "أمن غزة" (2008)، وفريق KDMS  (2012) .       

يبدو ان اتصالات الكاتب كانت أساسا مع فريق أو بالاحرى مع مسؤولين في فريق "هاكر غزة"، الذين أكدوا على عدم انتمائهم لتنظيم فلسطيني محدّد، ولكنهم ينتمون بشكل عام الى "الإسلام السياسي"، كما يصنفهم الكاتب الذي يعتقد أن البعض منهم مقرّبون من "الإخوان المسلمين" والبعض الآخر من "الجهادية السلفية التقليدية".

 يرجّح المؤلف ظهور هذه الفرق ونمو "النضال الإلكتروني" بسبب المستوى التعليمي العالي لدى الفلسطينيين، وارتفاع معدلات البطالة، وخاصة في قطاع غزة المحاصر. تعمل هذه الفرق خارج المنظمات الفلسطينية، وتعتبر أنه لا بدّ من مواجهة الاحتلال والمشاركة في مقاومته الى جانب المقاومة المسلحة، وتكبيده خسائر اقتصادية وعرقلة الحياة اليومية للمستوطنين، من خلال قرصنة المواقع، وقد تم ذلك مرات عدة

لكن، وفقا للمؤلف، لقد أنشأت التنظيمات المقاومة، لا سيما حركتا حماس والجهاد الإسلامي، فرقا خاصة بها للحرب الإلكترونية مع العدو. تدعم حركة حماس "كل جزء من المقاومة"، بما فيها القرصنة والأضرار الإقتصادية، والمواجهة الإعلامية، خاصة وإن هذه الحرب تجنّب المواجهة والتعرّض للأذى، كما وضّح أحد مسؤولي الحركة للمؤلف. لقد طوّرت الحركة وحدات دفاع إلكترونية وقراصنة لمواكبة التطوّر التكنولوجي في الكيان الصهيوني.

أما بالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي، فيبدو أن الأمر مختلف قليلا، حيث ركّز أحد مسؤوليها على أن لدى الحركة، التي انشأت "لواء القدس" في "سرايا القدس" في العام 2008، ارتبط مفهوم "الحرب الإلكترونية" ارتباطا وثيقا بالصراع الفعلي على أرض الواقع، إذ تهدف الى – منع الهجمات الإلكترونية من "إسرائيل"، و – منع التجسّس والمراقبة، و – نشر القضية الفلسطينية في العالم ووسائل الإعلام الدولية. ما يعني أن الأهداف دفاعية ومرتبطة بالجهاد الفعلي على الأرض، لأن "الأمر الأكثر أهمية هو تحقيق انتصارات عسكرية واستراتيجية، وليس الدعاية في وسائل الإعلام"، كما صرّح أحد مسؤولي الحركة الذي تابع: "نحن نعمل في صمت وهدوء، من أجل تحقيق أهدافنا، ودحر الاحتلال".

رغم ذلك، يربط المؤلف اغتيال الشهيدين رامز حرب، "رئيس لعمليات وسائل الإعلام في حركة الجهاد الإسلامي والمسؤول عن الجهد الإعلامي وفقا لإسرائيل" وحسن زياد شقورة، "الرئيس السابق لفرع الإعلام للحركة" بدورهما في تطوير النضال الرقمي في الحركة.

لا تمانع الجبهة الشعبية استخدام هذا النوع من النضال، كما أكّدت قيادية في الجبهة للكاتب، لكن تفضّل النضال الفعلي على الأرض والاشتباك مع العدو، إضافة الى العمل السياسي الذي يؤطر العمل النضالي. وفيما يخص موقف كتائب شهداء الأقصى من النضال الرقمي، فهي تشارك به من أجل الضغط على الاحتلال للإلتزام بوعوده. ويعتبر أحد مشاركي المقاومة الشعبية أن النضال الرقمي جزء من المقاومة الشعبية، والقرصنة "أداة لإيذاء الاحتلال". فيضيف أن العمليات أظهرت "أن الفلسطينيين لم يكونوا شعبا متخلّفا، لا يملك خبرة في مجال التكنولوجيا الحديثة". وأشار الى أن "النزاع الإيديولوجي بين الأحزاب العلمانية والإسلامية" لا يفسّر نمو الجهاد الرقمي عند الإسلاميين، بل أن الأمر يتعلق بالضغوط التي يتعرضون لها، "لذلك عليهم إيجاد وسائل مختلفة من المقاومة من شأنها عدم تعريض عملياتهم للخطر".

لكن النضال الإلكتروني يتجاوز الاختراق والقرصنة، لأنه يهدف أيضا الى "إنشاء سردية المقاومة، ونشرها في الأماكن المناسبة. يقدّم النضال البرمجي الفلسطيني صوتا لمن لا صوت له من خلال خلق موضوعات مستقلة باحتلال وإعادة إنشاء مساحات خارجية." ويمكن اعتبار أن الشعب الفلسطيني، بفئاته المختلفة، قد برع في هذا المجال، لا سيما خلال السنوات الأخيرة، باستخدامه كل أنواع التعبير الرقمي المتاح في العالم لتقديم "سرديته"، والتصدي للرواية الكاذبة الصهيونية، التاريخية والحالية. ما يؤكد على فعّالية هذا النضال الرقمي الفلسطيني، هو القمع الصهيوني لكل صوت ينتقد الصهاينة أو يمجّد بالمقاومين أو يدعو للمقاومة (الشاعرة دارين طرطور)، وملاحقة الصحفيين ومنعهم من بث الأخبار والقصص الحقيقية، باعتبار أن كلمتهم تشكّل تهديدا له.

من جهة أخرى، ينقل الكاتب ادعاءات حول تقديم بعض الدول "المال والمعدات"، ومنها قطر وايران وتركيا والسعودية، للمنظمات المقاومة (حماس والجهاد الإسلامي) التي أنشأت مجموعات للجهاد الرقمي، قبل أن يتبنى هذه الادعاءات قائلا أنه "من المنطقي الاعتقاد أن الجهاد الإسلامي وحماس تلقيا دعما حكوميا لتطوير قدراتهما في القرصنة، كما انهما حصلا على دعم من الدول نفسها في مجالات تكنولوجية أخرى" وأن الوحدات الإلكترونية في حماس والجهاد الإسلامي" إنشئت "بمساعدة حكومية من دول عربية"، دون تحديد من أين استقى هذه المعلومات وماذا تعني له تحديدا.

-------------------   

*(ترجمة منصور العمري، 2018)

انشر عبر
المزيد