القائمة المشتركة.. صراع بين نهجيْن نحو الأسرلة

17 تشرين الثاني 2020 - 08:09 - الثلاثاء 17 تشرين الثاني 2020, 20:09:56

القائمة المشتركة
القائمة المشتركة

بقلم: مجد كيّال

من جديد تظهرُ علينا "القائمة المشتركة" لتشدَّ فلسطينيّي 1948 إلى غرقٍ غير مسبوق في دوامة الاندماج في المؤسسة الإسرائيليّة. عنوانُ هذه الجولة الجديدة هو النائب منصور عبّاس من الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة، الرجل الذي اشتهر في انتخابات سبتمبر/أيلول 2019 بمقولة: "من لا يريد أن يصوّت [للكنيست] فليُسلِّم الهويّة"، يقصد بطاقات الهوية الإسرائيلية التي يحملها فلسطينيو 1948. يقود منصور عبّاس الحركة بتوجّهٍ سياسيٍّ "براغماتيٍّ" يُحلّل عقدَ الصفقات السياسيّة مع الحكومة الإسرائيليّة لقاء "إنجازاتٍ لصالح الجمهور العربيّ"، وهو توجّه يتعمّق في الحركة الجنوبيّة، لا سيما بعد حظر الحركة الشماليّة بقيادة رائد صلاح وقمعها، والتي شكّلت ثقلاً سياسيّاً مناقضاً ضمن الشرائح الاجتماعيّة ذاتها، ما كان يردع ويلجم مسارَ الأسرلة في الحركة الجنوبيّة ويُبقيها متوازنة إلى حدٍّ ما.

حفلة مُعقّدة، لنحاول استعراضها باختصار:

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ترأس منصور عبّاس جلسةً برلمانيّةً في الكنيست صوّتت لصالح إقامة لجنة تحقيق ضدّ بنيامين نتنياهو في قضيّة فسادٍ تورط بها، وهي صفقات شراء غوّاصات ألمانيّة. إلا أنّ "خللاً تقنياً" وقع في التصويت، جعل منصور عبّاس يعود لرئيس الكنيست ياريف ليفين (من حزب الليكود، والرجل الذي صنع "قانون القوميّة" و"مكافحة الإرهاب" وغيرهما)، فقرّر الاثنان معاً إلغاء القرار وإعادة التصويت ولكن بعد أن تُضمن أغلبيّة تُصوّت ضدّ التحقيق ولصالح نتنياهو. جُنّ جنون المعارضة الإسرائيليّة لأنّ نائباً عربيّاً يتآمر ضدّها مع الحكومة، وشُنَّ هجومٌ على عبّاس منصور داخل القائمة المشتركة المُحرَجَة جداً أمام ناخبيها، إذ لم تُقدّم لهم أي وعدٍ انتخابيّ غير "إسقاط نتنياهو"، بينما نوّابها في الحقيقة يحيكون "إجراءاتٍ" لإنقاذه من التحقيق.

من هنا بدأ الهرج الذي لا تتّسع هذه السطور لكلّ تفاصيله: تراشق تصريحات بين الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة وباقي مركّبات المشتركة (الجبهة بقيادة أيمن عودة، والتجمّع بقيادة مطانس شحادة، وأحمد الطيبي بقيادة أحمد الطيبي). ادّعت تلك المركّبات أن عبّاس يخرجُ عن الإجماع السياسيّ للمشتركة بتعاونه مع نتنياهو. أمّا عبّاس فبات يدّعي أنه يناور ضمن "اللعبة السياسيّة" ولا يرى فرقاً بين اليمين واليسار، ولا يهمّه إلّا تحقيق "الإنجازات" للناخبين العرب، على حدّ تعبيره، وبالتالي يُشرعن عقد الصفقات السياسيّة مع الليكود لقاء خدماتٍ وميزانيّات.

هكذا بدأ عبّاس يؤكّد أنّه بهذا التكتيك حقّق ثلاثة أهداف: تمديد الخطة 922 الحكوميّة لزيادة ميزانيّات السلطات المحليّة العربيّة (البلديات)، وإطلاق مخططٍ حكوميّ إسرائيليّ "لمكافحة العنف في المجتمع العربيّ"، وتعطيل مؤقّت لقانون "كامينتس" الذي من شأنه هدم البيوت في النقب والمثلث.1 كالعادة، تسابق نوّاب المشتركة إلى نسب هذه الإنجازات لأنفسهم بأسلوبٍ شديد الإحراج. وكانت ذروة هذه الأحداث عقد جلسة حول العنف في المجتمع العربيّ مطلع الشهر الجاري ترأسها منصور عبّاس، وحضر إليها رئيس الحكومة نتنياهو، وهو حضور نادر واستثنائيّ لرئيس الحكومة في اللجان البرلمانيّة، اعتُبر "هديّةً" من نتنياهو لمنصور عبّاس. من جهته، بعث عبّاس قبل الجلسة برسائل نصيّة لعشرات آلاف الهواتف الخليويّة يدعو فيها الجمهور لحضور الجلسة عبر الإنترنت، لإشهار زواجه من نتنياهو على سنّة "لعب السياسة" ودعم خطوات نتنياهو الداخليّة مقابل تلقّي ميزانيّات وخدمات.

 حالة طوارئ في "هآرتس": عربيّ خرج عن طاعة الأشكناز!

من الأمور الملفتة في هذا الشأن مدى الغضب الذي وجّهَتْهُ الصحافةُ الإسرائيليّةُ "اليساريّة" ("هآرتس" و"سيحا مكوميت" وغيرهم) تجاه منصور عبّاس وخطواته. في واحدٍ من أشد مشاهد الاستعلاء الأشكنازي/الأبيض، نشهد في هذه الأيّام جلداً للفلسطينيّ الذي خرج عن طاعتهم وعصى أوامرهم في حربهم المريرة لـتحرير "إسرائيل بن غوريون الأولى" من بربريّة "إسرائيل الثانية" التي يقودها نتنياهو على ظهر الشرقيّين ومستوطني الضفّة الغربيّة. وابلٌ من المقالات من كتّاب إسرائيليين وعرب، وحتّى في كلمة هيئة التحرير لصحيفة "هآرتس". عمّت صدمة حقيقيّة في رحابهم إذ ظهر من يُقوِّض مكانة أمير الاندماج -أيمن عودة.

ما لم يفهمه منصور عبّاس أنّه لا يواجه موقف الأحزاب العربيّة فحسب. إنما هو أمام طائفة من الإسرائيليين موالية ثقافياً لمرجعيّة إثنيّة اجتماعيّة متأصّلة في جذور الصهيونيّة الأولى، ووفيّة لمصادر تمويل صهيونيّة هائلة تصل من "ليبراليّي" الولايات المتّحدة. إنّ من أعطوه وقائمته المشتركة ملايين الدولارات ليحصّلوا 15 مقعداً، وَهَبوه هذه المنحة ليُسقِـطَ نتنياهو وينصِّبَ غانتس رئيساً لحكومة "إسرائيل"، لا ليلعبَ بذيْله في السياسة كما يشاء.2

لقد قامت القائمة المشتركة على هذا العقد مع هذا المعسكر الصهيونيّ، ومنحَهَا هذا المعسكرُ دعماً واسعاً بتبنّيه لأيمن عودة وصناعةِ صورتِه من خلال صلاتٍ صحافيّة، وعلاقاتٍ قويّة في منظومة الجمعيّات الأهليّة "المهنيّة" المرتبطة بـ"صندوق إسرائيل الجديد" وغيره، ودوائر أكاديميّة واجتماعيّة أخرى كثيرة رعت ونمّت شخصيّة الفلسطيني "المسالم"؛ الـ"بارتنر" الذي يسعى للاندماج بالمؤسسة الإسرائيليّة، وأوهمَتْهُ بأن "إسقاط نتنياهو" هو المدخل لهذا الاندماج.3

هكذا، على سبيل المثال، جهّزت صحيفة "هآرتس" الأرضيّةَ في العام 2015 لكسر واحدٍ من المحرّمات السياسيّة الأهمّ بالنسبة لأحزاب فلسطينيّي الداخل– الدخول في الائتلاف الحكوميّ الإسرائيلي. في حملةٍ موجّهةٍ من الاستطلاعات (التي طلبتها هآرتس بذاتها!) والمقالات التي أكّدت أنّ أكثر من 60 بالمئة من فلسطينيّي الداخل يؤيّدون دخول ائتلاف حكوميّ. وجاءت بعدها موجة ضغطٍ لكسر الموقف المعارض لذلك، وبالفعل دُفِعت القائمة المشتركة للتنازل عنه وإبداء الاستعداد للمشاركة في ائتلاف حكوميّ، متسلّحةً بأكاذيب ومغالطات تاريخيّة واستخفاف بالناخبين.

القائمة المشتركة.. قائمة على التنسيق مع الحكومة

تُبدي الأحزاب العربيّة ذعراً من تنسيق منصور عبّاس مع نتنياهو؟ لكنّها هي نفسها من قامت بخطوة شبيهة قبل ذلك، إذ كانت أولى خطوات القائمة المشتركة بعد تشكيل الحكومة الإسرائيليّة في العام 2015 لقاء نتنياهو لبدء التنسيق معه سعياً للخطة الخمسيّة، في لقاءٍ اشتهرت منه صورة تعكس ضحكاً وأجواءً وديّة بين النوّاب العرب ونتنياهو.

اجتماع بين أعضاء "القائمة المشتركة" وممثلي السلطات المحلية مع رئيس حكومة الاحتلال في مكتبه عام 2015. إحدى نتائج هذا الاجتماع تخصيص 150 مليون شيكل لإقامة مراكز شرطة في البلدات العربيّة "لتعزيز الأمن الشخصي".

بعدها، تعاونت القائمة المشتركة علناً مع موظّفي الحكومة لوضع الخطّة الحكوميّة التي كُتب الكثير في خطورتها الاجتماعيّة والسياسيّة، ونوّاب المشتركة يرافقون وزراء الحكومة إلى القرى والمدن الفلسطينيّة (وهؤلاء كانوا يُستقبلون قبل سنوات قليلة بمظاهرات واحتجاج!). هذا كلّه علاوةً على التوصية الشهيرة والمخجلة عام 2019 بالسفّاح بيني غانتس، الذي بدأ حملته الانتخابيّة بتعداد آلاف الشهداء الذين قتلهم. وصار لاحقاً وزيراً للأمن، ما يعني مسؤوليّته المباشرة عن الجرائم الإسرائيليّة التي حصلت وتحصل في الضفّة الغربيّة وغزّة وخارج البلاد. أيمن عودة، من جهةٍ أخرى، أكّد في اجتماعات مغلقة أنّ "الباب مفتوح" للأخذ والعطاء مع وزير الأمن.

 مصارعة في رمالٍ متحرّكة

أخذ منصور عبّاس عاراً قائماً ونزل به إلى حضيضٍ جديد، مُراهناً على نتنياهو بدلاً من انتظار مسيح "اليسار" الإسرائيليّ. لكنّ الفرق الفعليّ بين منصور عبّاس وأيمن عودة مطابقٌ تماماً للفرق بين بنيامين نتنياهو وبيني غانتس: كلاهما في ذات الحكومة/القائمة، كلاهما يهدّد مكانة الآخر، يحمل كلاهما نفس التوجّهات في القضايا السياسيّة المهمّة، ويقودنا كلاهما إلى  النقطة ذاتها– بنيامين عبّاس بانفلاتٍ تامّ ودون خجل، وبيني عودة بكلامٍ يحفظ ماءَ الوجه ويراعي التعابير الليبراليّة المقبولة على الطبقات الاجتماعيّة الإسرائيليّة الأقوى.

المشهد معيب ومذهل فعلاً. لا يرى هؤلاء مدى غرقهم في مستنقع السياسة الإسرائيليّة. لا يرون إلى أي مدى باتوا حجارةً هشّةً في تراشقٍ بين معسكريْن من المُجرمين الذين يتنافسون على قيادة الاحتلال الدمويّ. ومهما حاولوا وصفَ عملهم في الكنيست كمهمّةٍ ورسالة "وطنيّة" لا بدّ من خوضها وإنْ خلّفَتْ أوساخاً، سنبقى قادرين على التمييز بأننا أمام مهزلةٍ مدهشة تضيع فيها أيُّ بوصلةٍ قيميّةٍ على منحدر الاندماج في المواطنة والمؤسسات الإسرائيليّة.

إنّ حقيقة الصراع بين هذيْن النهجيْن في القائمة المشتركة هي أنّه نزاعٌ على احتكار قيادتنا نحو الاندماج: من يقودنا إلى هناك؟ أيّ نهج؟ نهج أيمن عودة أم منصور عبّاس؟ وأيّ حافلةٍ هي الأفضل لبلوغ الاندماج؟ حافلة نتنياهو السريعة أم حافلة غانتس المُريحة؟ وهل نخطو بثباتٍ مع المنحدر نحو الهاوية؟ أم نهرول ونتدحرج؟ هذه الأسئلة الوحيدة المطروحة في سياسة فلسطينيّي الداخل اليوم.

(المصدر: موقع متراس)

انشر عبر
المزيد