الحرب على المقدسات في فلسطين والمتاحف الاستعمارية

15 تشرين الثاني 2020 - 03:59 - الأحد 15 تشرين الثاني 2020, 15:59:46

بقلم: راغدة عسيران

يواصل الكيان الصهيوني حربه المسعورة على المقدسات الفلسطينية منذ النكبة، بتدميرها وتهويدها وتشويه معالمها، لأنه يريد إثبات أن لا جذور تاريخية للفلسطينيين في الوطن المحتل.

وعلى مدى عقود من الزمن، لا يمرّ شهر إلا ويقوم العدو بتجريف مقبرة إسلامية أو مسيحية أو نبشها، وتدمير أو تحويل مسجد أو مقام ديني الى متحف أو كنيس أو حظيرة للحيوانات أو مكبّ للنفايات، أو ملهي ومطعم أو مبنى إداري، كل ذلك لمنع الفلسطينيين من استعمال المكان لما خصص إليه في الأصل، أكان مسجدا أو مقاما أو مقبرة.

ذكر مدير جمعية الأقصى في الداخل المحتل عام 1948 محمد سواعد أن العدو دمّر ما يقارب 1200 مسجدا ومقاما. وكشفت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث أنّ "المؤسسة الإسرائيلية دنّست ما يقارب 2350 مكاناً مقدساً، إسلامياً ومسيحياً، في القرى المهجّرة وبلدات الساحل".

وقد تعدّدت الأسباب التي يقدّمها العدو لارتكابه هذه الجرائم بحق المقدسات، وتنوّعت الوسائل وتوّزعت الأدوار بين الجماعات المجرمة، الرسمية وغير الرسمية، ولكن الأساس يبقى، أن الهدف الصهيوني هو محو كل أثر لوجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وتجذره التاريخي فيها.

يستغّل العدو لارتكاب جرائمه كون الأراضي المحتلة عام 1948، هي بنظر المجتمع الدولي، دولة "إسرائيل". فهو يتعامل مع مسألة المقدسات الفلسطينية وكأنها شأن داخلي، كمسألتي اللاجئين والأسرى، لا يحق لأي مؤسسة دولية أو جهة خارجية التدخل فيها، خلافا للأراضي المحتلة عام 1967 حيث تصدر أحيانا احتجاجات دولية أو عربية على انتهاك المقدسات.

إزالة المقابر ونبشها

بالنسبة للمقابر الإسلامية والمسيحية، التاريخية أم الحديثة نوعا ما (أواخر القرن التاسع عشر)، أقدم الكيان المحتل على تجريف العديد منها، من أجل شق طرق بين المستوطنات أو توسيعها كلما اقتضت الحاجة، كما حصل للمقبرة الإسلامية في طبريا، ومن أجل إقامة مواقف للسيارات عليها (مقبرة الطنطورة ومقبرة بلدة الشيخ مونس)؛ أو مقرات رسمية (مقبرة حي السرايا في صفد لبناء محكمة الصلح؛ ومقبرة الاستقلال في حيفا لإقامة حي سكني يهودي)؛ وغير رسمية (مقبرة عبد النبي في يافا وتحويلها الى فندق هيلتون، وتحويل مقبرة مأمن الله في غربي القدس الى متحف صهيوني).

من جهة أخرى، استغلت العصابات اليهودية فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا للقيام بعمليات نبش القبور والمساجد والمقامات، بحثا عن كنوز قد تكون بداخلها، كما جاء في بعض وسائل الإعلام. تعرّضت خانقية حطين في قضاء طبريا لاعتداءات عدة، وكذلك مسجد قرية الغابسية حيث تم كسر بوابته الحديدية، ومقبرة بيسان التي "تشمل أضرحة بُنيت بحجارة بيضاء وبازلتية سوداء بإتقان وبلمسة فنية واضحة"، وطالت عمليات النبش مسجد عمقا ومقام معاذ بن جبل في عمواس، وعدد من القرى المهجّرة في الشمال.

تهويد المساجد

وفي دراسة أعدها الشيخ كمال خطيب رئيس لجنة الحريات في "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية بالداخل الفلسيني المحتل 48"، يوثق 15 مسجداً حُوّلت إلى كنس ومعابد لليهود : منها المسجد اليعقوبي في صفد، مسجد ياقوق قضاء طبريا، مسجد العفولة، مسجد كفريتا، مسجد طيرة الكرمل، مسجد وادي حنين قضاء الرملة، مسجد يازور قضاء يافا، مسجد المسعودية داخل تل ابيب، مسجد أبي هريرة في قرية يبنا المهجرة قرب الرملة.

وتم هدم أو أغلاق أو إهمال ومنع ترميم نحو 40 مسجدا، منها مسجد طبريا الكبير ومسجد البحر، إضافة إلى تحويل 17 مسجداً الى حظائر للأغنام والأبقار : منها مساجد قرية البصة وقرية عين الزيتون، وقد حوّل مسجد قرية الكوفخة الى مزرعة للمواشي، وفي الجولان المحتل، حوّل مسجد العوينات إلى حظيرة للأبقار.

وحُوّلت بعض المساجد الى مطاعم وخمارات ومتاحف ومخازن: منها مسجد ظاهر العمر في طبريا الذي تم تحويله الى مطعم، وحوّل مسجد قرية الزيب الى مخزن، وأصبح المسجد الأحمر في صفد ملهى ليلي وقاعة أعراس، وحوّل مسجد عين حوض الى خمارة ومطعم، ومسجد مجدل عسقلان حُوِّل جزء منه إلى متحف والجزء الآخر إلى مقهى، ومسجد قيساريا حُوّل إلى مرقص وخمارة، ومسجد السكسك في يافا، حوّل الطابق الأرضي الى مصنع للبلاستيك، والطابق العلوي الى مقهى للعب القمار.

فيما تم تحويل بعض المساجد الى متاحف أو صالات عرض: مساجد الخالصة، صفد، عين كرم، بئر السبع سابقا والذي أصبح اليوم مركزا ثقافيا يحظر إقامة الصلاة فيه، وتم تحويل المسجد اليونسي في صفد الى معرض تماثيل، وفي مدينة بيسان، سيتم تحويل مسجد الأربعين إلى متحف، وحاول الصهاينة تحويل مسجد البحر في طبريا إلى متحف ولكن احتج الفلسطينيون على ذلك وجُمّد المشروع.

وظيفة المتاحف الصهيونية

بتحويلها المقدسات الإسلامية الى متاحف، يريد العدو إظهار أنه حضاري وعصري وجذب السائحين الأجانب والعرب المطبّعين، للتغطية على بشاعة إجرامه بحق تهويد المقدسات وتحويلها الى حظائر للحيوانات أو ملاهي. لكن هذه المتاحف هي بحد ذاتها استكمال للجريمة، لأنها عبارة عن تزوير التاريخ الحقيقي للمنطقة بإلغاء وجود الشعب الفلسطيني من جهة ومن جهة أخرى، للترويج لتاريخ الصهيونية الحديثة يمجّد "أبطالها"، وهم بشكل عام مستوطنون أغراب قتلوا وذبحوا ودبّروا مؤامرات ضد الدول العربية، كما هو الحال في متحف الخالصة الذي إقيم على أنقاض مسجد البلدة المهجرّة التي أصبحت مستوطنة "كريات شمونة".

لقد خُصّص هذا المتحف للتذكير بـ"ضحايا القاهرة"، أي الصهاينة الذين اعتقلتهم الدولة المصرية في الخمسينيات من القرن الماضي وهم يحاولون تفجير دور سينما ومرافق أميركية، من أجل توتير العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر في تلك الفترة. وفي عدد من المستوطنات التي أقيمت في الأراضي المحتلة عام 1948، تم تشييد هذا النوع من المتاحف الصغيرة للتذكير بأولى "المنجزات" و"أبطالها" الصهاينة، الذين سرقوا أراضي وبيوت الفلسطينيين ومحتوياتها، وقتلوا أو شرّدوا أصحابها، ولاحقوا "المتسلّلين" الفلسطينيين الذين حاولوا مرارا استرجاع بعض محاصيل مزروعاتهم.

هذه المتاحف الاستعمارية، إن حلّت مكان المقدسات أم في أماكن أخرى، تشبه المتاحف الاستعمارية في الدول الإمبريالية التي تمجّد بالقتلة والجيوش الغازية، وتظهر وحشية الحروب التي خاضتها على أراضي الشعوب المستضعفة في العالم. ولكن، في الدول الاستعمارية والاستيطانية، مثل الولايات المتحدة أو كندا أو استراليا، لقد خُصّصت، الى جانب المتاحف الحربية، متاحف لعرض مقتينات الشعوب التي أبيدت كليا أم شبه كليا، اعترافا بها وتسليعا لحياتها.

لكن، في الكيان الصهيوني، الذي لا يعترف بوجود الشعب الفلسطيني في فلسطين والمنطقة ولا يريد إضفاء الى أدبياته أي شرعية تاريخية لوجوده، هذه المتاحف "الأثنية" غير موجودة، إلا عندما يسرق المستوطنون الأشجار والنباتات والحجارة والمقتنيات الفلسطينية ويدمجها في التاريخ اليهودي المزوّر، ما يدلّ على أن متاحفهم ليست إلا استكمالا لجريمة التهويد الجارية، ولا تناقضها.

السبل لمواجهة تهويد المقدسات في فلسطين عديدة، أولها التصدي المباشر لكل انتهاك لحرمتها، كما حصل في طبريا قبل سنتين لمنع تحويل مسجد البحر الى متحف، وفي يافا حديثا لمنع تحويل مقبرة الإسعاف الى مبنى للبلدية. ثم توثيق هذه الجرائم ومساءلة الجهات الدولية المختصة، وتفعيل دور اللاجئين والجاليات الفلسطينية في العالم، لفضح ممارسات الاحتلال بحق مقابرهم ومساجدهم، مع التأكيد بأنهم أصحاب الأرض الأصليين التي أقيمت عليها هذه المقدسات.

انشر عبر
المزيد