إنتصار المجاهد ماهر الأخرس هو انتصار لخط المقاومة

09 تشرين الثاني 2020 - 11:05 - الإثنين 09 تشرين الثاني 2020, 11:05:05

المنتصر على السجان وداعميه
المنتصر على السجان وداعميه

بقلم: راغدة عسيران

لم يسبق لأسير -معتقل إداريا- في سجون العدو أن واجه، خلال معركته ضد السجان، هذا الكمّ من التحديات، التي تجاوزها بفضل ثقته بالله تعالى وبشعبه ومقاومته. انتصر الأسير ماهر الأخرس بعد 103 يوما من الإضراب المفتوح عن الطعام، مسجلا رقما قياسيا جديدا في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، وفي تاريخ مواجهات الأسرى في العالم مع سجّانيهم، رغم كل الظروف التي أحاطت بمعركته الباسلة.

لقد انتصر المجاهد ماهر الأخرس ضد العدو، أولا، والولايات المتحدة، التي دعمت اعتقاله وبرّرت رفض الكيان الغاصب للإفراج عنه، بعد أسابيع من معركته. وانتصر رغم المتنكّرين لمعركته، أي "السلطة الفلسطينية" ورئيسها وحكومتها ومثقفيها، المشغولين بترتيب أوضاع السلطة للتنصل من لقاء الفصائل في بيروت ورام الله، والمهمومين بكيفية العودة الى المفاوضات مع الكيان الصهيوني. باستثناء تصريح واحد لرئيس الحكومة وتصريحين لوزيرة الصحة بعد تدهور حالته الصحية، لم تبد السلطة أي تضامن مع الأسير ولم يستقبل محمود عباس عائلته، كما كان يفعل سابقا مع غيره ولم يتصل هاتفيا، ولم يزره في مشفى كبلان أي من مسؤولي السلطة. هل وصلت لها رسالة تهديد أو تحذير من قبل الكيان إن أفصحت عن تضامنها مع معركة ماهر الأخرس ؟

انتصر ماهر الأخرس رغم صمت وغياب المجتمع الدولي المتواطئ ومؤسساته، أولها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لم تقم بدورها ولم تؤد رسالتها، بل ضغطت على السلطة الفلسطينية من أجل قمع المساندين للأسير البطل وإخراجهم من مقراتها، التي اعتصم فيها الغاضبون من دورها السلبي في معركة ماهر الأخرس.

لم تتحرك اللجنة ضد السجان المتغطرس، ولم تتجاوب مع نداء لجنة دعم الأسير ماهر الأخرس لفحص إذا ما كان قد تم تغذيته قسريا خلال نقله الى سجن الرملة. إذ تُعد التغذية القسرية جريمة وانتهاكا خطيرا لحقوق الانسان كما تؤكد عليه هذه المؤسسة. ولم تتجاوب مع نداءات العديد من المؤسسات الداعمة للأسرى لاطلاعها على الوضع الصحي للأسير ماهر الأخرس، حيث استمرت في إرسال تقارير سرية للعدو ولمكتبها الرئيسي في جنيف، حول وضعه الصحي الفعلي.

ولم يصدر عنها إلا بيانا واحدا بعد 85 يوما من الإضراب عن الطعام، حيث أعربت عن "قلقها إزاء العواقب الصحية المحتملة التي لا رجعة فيها".

وكذلك انتصر ماهر الأحرس، رغم صمت هيئة الأمم المتحدة والدول التي لم تصدر أي بيان إدانة بحق المجرمين الصهاينة، علما أن الاعتقال الإداري هو بحد ذاته جريمة بحق الشعب الفلسطيني المناضل لنيل حريته.

انتصر الأسير ماهر الأخرس رغم صمت منظمات المجتمع المدني المحلية المدعومة بالمال المشروط من قبل الدول الأوروبية، التي لم تصدر بيانات دعم الأسير ولم تعرب عن تضامنها لمعركته كجمعيات حقوق إنسان أو غيرها، لكي لا يتوقف "الدعم"، كون الأسير مجاهد ينتمي الى تنظيم سياسي "إرهابي"، كما صُنّف من قبل عالم الاستكبار العالمي، ولأن معركة الأسير "تؤجج" الصراع مع المحتل، حيث تفضّل الدول المانحة تهدئة الأوضاع وعدم "استفزاز" العدو.

واجه الأسير البطل منظومة دولية متواطئة مع سلطات الاحتلال، تبرّر أفعالها أو على الأقل، لا تدين جرائمها المتكررة إزاء الأسرى والشعب الفلسطيني عموما. ترافق الإضراب عن الطعام مع موجة التطبيع مع كيان العدو، ما منحه المزيد من الغطرسة والهمجية في تعامله مع الشعب الفلسطيني والأسرى. فكان على الأسير البطل أن يصمد أمام هذه الخيانة والتواطؤ، وأن يواجههما بثقته بحتمية الإنتصار، رغم إعلام هذه الأنظمة المتصهين.

واجه الأسير ماهر الأخرس الإعلام العربي والدولي الذي لم يلتفت الى معركته إلا بعد أكثر من شهرين عن خوضها، لاعتباره أن معركة أسير فلسطيني ضد الجلادين غير جديرة بالاهتمام أمام المستجدات الدولية كالحرب في "قره باخ"، أو الحرب ضد الإسلام في أوروبا بعد قتل الإستاذ الفرنسي، أو الحروب الأخرى في اليمن وسوريا، والصراع على غاز المتوسط، وأخيرا، الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. كل هذه الأحداث الدولية جعلت الإعلام العربي والدولي يستخفّ بمعركة بطولية واضحة المعالم، تثبت قدرة الشعب الفلسطيني، والأسرى بالذات، على تحدي العدو المتغطرس، وترفع من معنوياته وتفتح معه معركة قد تتوسّع خارج سيطرة العدو.

تجاهل الإعلام العربي والعالمي معركة الإرادة والصمود، لأكثر من شهرين من الزمن، ولم يستيقظ إلا في الفترة الأخيرة، بسبب أزمة الكيان في معالجة الأمر وإصدار بعض البيانات الدولية والغربية حول خطورة الوضع الصحي للأسير ماهر الإخرس، وتجاوب الأحرار في العالم معه، وفي العالم العربي خاصة.

انتصر ماهر الأخرس على العدو بعد أدخاله في أزمة لا يعرف كيف يتعامل مع أسير قرّر رفض أوامره و"يتقدم الصفوف مجاهدا لا ينكسر ولا ينثني ويقدم نموذجا لكل الراغبين بالحرية، بهذا الإصرار العنيد على رفض الظلم وسعيا للحرية التي يفتقدها شعبنا الفلسطيني المظلوم" (القائد المجاهد زياد نخالة في رسالة الى الشيخ خضر عدنان). فمن جهة، أعلنت سرايا القدس بعد اليوم ال90 لمعركة الأسير "النفير العام في صفوف مجاهديها بعد تدهور الوضع الصحي للأسير المضرب عن الطعام ماهر الأخرس"، وقبلها، كان الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي قد حمّل العدو "مسؤوليةَ حياةِ ... الأسير المجاهد ماهر الأخرس. وعلى العدو أن يفهم تماماً ما أقول". وقامت وحدات برق الجهادية بإطلاق البالونات الحارقة تجاه مغتصبات "غلاف غزة" تحذيرا من مس الأسير بسوء، إن لم يستجب العدو لمطالبته بالحرية والعودة الى منزله، وقالت في تصريح "انها ستشرع في معركتها التي تحمل اسم "قيد الإحرار"، ثم تتالت التحذيرات من قبل مسؤولي الحركة والفصائل المقاومة بأنه "لايمكن ان تبقى المقاومة صامتة أمام هذه الجريمة التي يرتكبها الاحتلال بحق الأسير ماهر الاخرس".

ومن جهة أخرى، تصاعدت الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإفراج عن الأسير وتوسّعت الى فلسطين المحتلة عام 1948، كما هي العادة، وشهدت الفترة الأخيرة العديد من زيارات الشخصيات الدينية والسياسية للأسير الراقد في مشفى كبلان، وحتى من قبل ممثلين عن جماعة "ناتوري كارتا" المعادية للصهيونية، ما ساعد على توسيع الدعم الدولي لمعركة الأسير، في حين كان العدو مطمئنا لصمت المجتمع الدولي ولتواطؤ الأنظمة العربية المطبّعة التي غطّت على جرائمه. فتشدّد في تعامله مع الأسير، وناور لجعله يفكّ إضرابه بإصدار توصيات أو تجميد الاعتقال الى حين يستعيد قواه، ولكن كان صمود الأسير البطل الواعي لمناورات "الشاباك" وألاعيب المحاكم الصهيونية أقوى من هذا الكيان الهش، الذي خشي أن تفلت الأمور عن سيطرته.

فقام بآخر خطوة لإرهاب داعمي الأسير المناضل بحملة اعتقالات وترهيب طالت الناشطين في مساندته، فاعتقل الاحتلال المناضل محمد كناعنة، القيادي في حركة أبناء البلد، من بلدة عرابة في الأراضي المحتلة عام 1948 حيث وجّهت له المخابرات الصهيونية تهديدا بالقتل، قبل أن تفرج عنه، كما قام جيش العدو بحملة اعتقالات طالت محرري "الجهاد الإسلامي" في محافظة طولكرم، تدلّ على "إفلاس جديد من المحتل لإنهاء إضراب أخينا ماهر الأخرس" (الشيخ خضر عدنان). ولكنه فشل مرة أخرى في منع اتساع المعركة الى داخل السجون الصهيونية ومدن وبلدات فلسطين، وعواصم العالم التي أصبحت تتابع يوميات المعركة التي يخوضها الأسير البطل، رضخ العدو لإرادة الأسير ووافق على إنهاء الاعتقال الإداري بحقه مع التعهد بعدم اعتقاله مجددا.

لقد أكّد الأسير ماهر الأخرس، في معركته التي خاضها في ظروف صعبة، دوليا وإقليميا ومحليا، وفي ظروف الوباء المنتشر الذي أثّر سلبا على النهوض الجماهيري، ما قاله القائد المجاهد زياد النخالة عن امكانية تحويل "فن الممكن" في العلوم السياسية، الذي فرضه الغرب، الى فرصة، "طالما عندنا استعداد للتضحية.. واستعداد لأن نجعل الخصم في موقف دفاعي". معركة الأسير ماهر الأخرس هي معركة لاستيقاظ واستنهاض جماهير الأمة حول الحق وخيار المقاومة، الطريق الأنجع للتخلص من الضياع والتشتت، وانتصاره يمثل انتصار هذا الطريق.

 

انشر عبر
المزيد