قراءة في كتاب..

"الجوع كافر ولكنه يكسر القيد": مع تجربة الأسير ثائر حلاحلة

05 تشرين الثاني 2020 - 01:57 - الخميس 05 تشرين الثاني 2020, 13:57:56

بقلم: راغدة عسيران

لم تنته تجربة الأسير ثائر حلاحلة، من بلدة خاراس (محافظة الخليل) مع الاعتقال الإداري، الذي كان سبب إضرابه عن الطعام في 28 شباط/فبراير 2012. لقد أعاد الاحتلال اعتقاله يوم 7/5/2020، وهو اليوم معقتل إداري في سجن النقب.

خلال إحدى الفترات الي أمضاها في سجون العدو، كمعتقل إداري، وثّق تجربته مع معركة "الإمعاء الخاوية" التي خاضها مع الأسير المحرّر بلال ذياب، من بلدة كفر الراعي (محافظة جنين) والتي انتصرا فيها بعد 78 يوما من الألم والجوع. تم اعتقاله مجددا في يوم 28/4/2017، وهي الفترة التي كتب فيها مقدمة الكتاب الذي أصدرته "مؤسسة مهجة القدس": "من وحي الإضراب، تجربتي (الإيام الصعاب في محنة الإضراب)" قبل أسابيع. وبقيت أوراق هذا الكتاب مسجونة "مع أخي شاهر حلاحلة الذي حافظ عليها من 2013 م. حتى 2018 م. وهو أسير، رغم حملات التفتيش خلال تلك السنوات".

كما لم تنته تجربة معركة "الأمعاء الخاوية" من قبل الأسرى في سجون العدو، ونحن نعيش ونتابع وننتصر لأطول معركة يخوضها أسير فلسطيني ضد النظام الاعتقالي الصهيوني، وهي معركة الإرادة التي يخوضها اليوم الأسير المجاهد ماهر الأخرس من أجل حرية شعبه.

ليست هي المرة الأولى التي يكتب فيها الأسرى عن معاركهم وبطولاتهم ضد السجان. لقد صدر سابقا عن مؤسسة "مهجة القدس" وغيرها من المؤسسات الداعمة للأسرى كتب تحكي عن الألم والجوع والتنكيل بالأسرى والضغوطات التي تمارس عليهم لوقف معركتهم، ضغوطات "صديقة" وضغوطات الجلاد، لكن ما يضيف كتاب الأسير ثائر حلاحلة الى كل هذه الشهادات هو أنه "يكتب بدمه ولحمه وعرقه وآلامه وآهاته وجوعه المقدس" (الاسير جمعة التايه، الذي تحرّر فيما بعد) بهدف "تسليط الضوء على الواقع وسياسة إدارة مصلحة السجون المتبعة ضد أسرانا ومعتقلينا"، و"مواجهة الاعتقال الإداري التعسفي الظالم"، "لإظهار انسانية ومظلومية الأسير" والشعب الفلسطيني.

ورسالة الأسير البطل ثائر حلاحلة هي أيضا صرخة أمل واستنهاض الهمم : "أكتب للجيل القادم جيل المستقبل والحرية والانتصار والنهضة" و"أردت أن أقول إن المقاومة وخيار المواجهة والتصدي هما الخيار الأصوب والأفضل وإن كان صعبا، وأن أزرع ثقافة المقاومة ولغة الكفاح والجهاد... بديلا عن ثقافة الانهزام والخنوع والانكسار والتراجع".

يجيب الأسير المناضل في كتابه على سؤال ما هو الاعتقال الإداري بالقول أنه "كابوس يطاردنا ويهدد استقرارنا ويسرق من إعمارنا سنوات دون وجه حق"، كون هذا الصنف من الاعتقال موجّه ضد كل فلسطيني رافض لاحتلال وطنه، وإن لم يقم بأي حركة مباشرة ضد عدو الأمة. يجدّد الاحتلال الاعتقال الإداري الى ما نهاية، إلا عندما يخوض الأسير الإضراب عن الطعام، وحتى في هذه الحالات، لا يحترم العدو وعوده لأنه متغطرس وجبان، فيكرّر الاعتقال بعد أسابيع أو أشهر من تحرّر الأسير، كما هو اليوم حال الأسير ثائر حلاحلة، وهذا ما يرفضه الأسير ماهر الأخرس في معركته اليوم.

يصف الأسير ثائر حلاحلة تفاصيل رحلة العذاب التي كادت أن تقتله، هو والأسير المحرّر، "رفيق الدرب والمعاناة" بلال ذياب، منذ اليوم الأول عندما قررا "الذهاب الى عالم الشهادة أو الحرية" في ليلة 28 شباط/ فبراير 2012، في سجن النقب الصحراوي، وأقسما بأن لا يفكا إضرابهما حتى نيل الحرية، لضمان استمرار المعركة، وهو "قسم الوفاء والانتماء لفلسطين".   

ثم توالت المضايقات من قبل إدارة السجن "وممثلي بعض الفصائل"، والمعاملة السيئة اللاانسانية للأسرى بشكل عام وللمضربين عن الطعام بشكل خاص، حيث يضطر الأسير، من أجل نيل حقوقه كانسان يطمح الى صون كرامته، المفاوضة على كل شيء : يوافق الأسيران على إجراء فحص طبي لمعرفة مدى تدهور صحتهما مقابل الحصول على "أغطية وزيارتين وغسل الألبسة" في سجن و"مشفى" الرملة حيث تم نقلهما بعد 15 يوم من الإضراب. ويضطر الأسير بلال التوقف عن شرب الماء لوضع حد للمضايقات والضغوطات عليه.

يواجه الأسير المضرب عن الطعام والأسرى بشكل عام "وقاحة وإرهاب وحدة النخشون" والتي تتعامل  "بكراهية وحقارة وحقد وهمجية" حيث يقول أحد أفراده: "أنا أكره العرب والفلسطينيين يجب أن يموتوا". ويضيف الاسير أنهم  "يتلذذون في إهانتنا والحط من كرامتنا". هذا ما يعاني منه الأسير المجاهد ماهر الأخرس اليوم، وهو يصارع كيان استبدادي همجي. ألم يسقطونه على الأرض وهم يحاولون نقله من مشفى كبلان الى سجن الرملة قبل أيام ؟

واجه الأسيران ثائر وبلال محاولات شتى لكسر إدارتهما، الكذب والتنكيل، والشتائم، والتعذيب النفسي، والإهانات، والتنقل المستمر بين أقسام السجن "من أجل إرهاقي وإجباري للخضوع والتراجع"، والرحلات في "البوسطة" في "موكب جنائزي" الى محكمة عوفر والمحكمة العليا في القدس، التي سترفض الإستئناف والإفراج عنهما، لأن الأسير ثائر "متشدد ومتطرف وخطير، وملفك وتاريخك أسود" حسب أقوال ضابط مخابرات الشاباك، و"خطير على المنطقة والجمهور"، والأسير بلال "خطير" وهو "أسير سابق وناشط عسكري، ويجب ألا يخرج من الأسر". رغم هذه التهم اللفظية، لم توجّه أي تهمة فعلية للأسيرين ولم يحاكما، بل وقعا ضحية الاعتقال الإداري. وهذا هو حال الأسير المجاهد ماهر الأخرس المضرب عن الطعام. لم توجّه له أي تهمة ولم يحاكم، بل تم اعتقاله لأنه يرفض الاحتلال، كما يرفضه الشعب الفلسطيني.

يذكّر الأسير ثائر حلاحلة بعض من تاريخ المعارك التي خاضها الأسرى الإداريون من أجل إنهاء الاعتقال الإداري، من المجاهدة عطاف عليان في التسعينيات من القرن الماضي الى الشيخ خضر عدنان مفجّر معركة الكرامة، والأسيرة هناء شلبي، "ابنة ال29 عاما من بلدة برقين" مرورا بنورا الهشلمون، ومنى قعدان، وطارق قعدان، وغيرهم الكثر من أبناء حركة الجهاد الإسلامي الذين تشرّبوا من "الثقافة التي تعلّمناها، لا تنازل أمام عدوّك وسجّانك". يرفض الاسير ثائر الإبعاد الى قطاع غزة، ويقول بلال "إننا نفضل الموت والاستشهاد على أن نتراجع، لأن التراجع هو الموت". بهذه الروح المعنوية العالية، يواجه اليوم الأسير المجاهد ماهر الأخرس الجلاد الصهيوني وداعميه، من المجتمع الدولي والأنظمة العربية المطبّعة.

يؤكد الأسير ثائر حلاحلة، خلال سرد تجربته، على أهمية دعم معركة الأسرى المضربين عن الطعام. يحاول الجلاد الصهيوني الايحاء الى الأسير أنه وحيدا، وأن لا أحد يدعم خطوته، وأنه سيموت إذا استمر بإضرابه دون أن يترك أي أثر لدى من يناضل من أجله، أي شعبه. ترتفع معنويات الأسير عندما يشعر أن شعبه يتجاوب معه ويدعم نضاله ويعمل لإنهاء عذابه وآلامه. لقد سمع ثائر أمه تقول لإحدى المذيعات : "ابني سوف يكسر القيد، وأنت بطل، وفلسطين تستحق منا التضحية"، كما سمع تشجيع "الأسير أحمد سعدات، القائد والانسان والعنوان والصمود: أنت سوف تنتصر"، ما أعطاه شحنة من الأمل، وهو يخوض معركة قاسية ومؤلمة. هنا تكمن أهمية مساندة معارك الأسرى، واليوم، معركة الأسير المجاهد ماهر الأخرس، الذي يسمع هتافات المؤيدين والمحبين، من وراء جدران مشفى كبلان، وهو يتابع الوقفات التضامنية في كل فلسطين، ويستقبل زواره المتضامنين مع معركته.

لقد تأخّر هذا الدعم الجماهيري الحيوي لإنهاء عذاب الأسير لأكثر من شهرين على الأقل، خاصة وأن السلطة الفلسطينية ورئيسها وممثليها في الخارج لم يقوموا بواجبهم، ما جعل الصليب الأحمر والمؤسسات الدولية الأخرى تتقاعس عن القيام بواجبها وتأدية رسالتها. الأسير المجاهد ماهر الأخرس ليس وحيدا، بل يسانده شعبه والأحرار في العالم، في الدول العربية وغيرها، لكنه يواجه كيان استعماري همجي تدعمه أنظمة عربية خائنة، إضافة الى الدعم الغربي المعتاد.

هذا هو التباين بين التجربة التي خاضها وسردها الأسير ثائر حلاحلة، خلال معركته ضد السجان في العام 2012 وما يعيشه اليوم الأسير ماهر الأخرس، خاصة وأن معركة الأسيرين ثائر وبلال تزامنت مع معركة الكرامة التي خاضها الأسرى في سجون العدو ضد العزل ومنع الزيارات لأسرى قطاع غزة، في يوم 17 نيسان 2012، والتي انتهت بانتصار الأسرى، وكان مصير المعتقلين الإداريين المضربين عن الطعام ضمن الاتفاق الذي وقّع في يوم 15 مايو 2012.

مهما كان هذا التباين بين المرحلتين، معركة الأمعاء الخاوية ضد السجان واحدة، وكما كتب الأسير المحرر جمعة التايه: "فالملاحم لا تقاس بعدد السنين والأيام، وإنما بعمق التجربة ومدى وقيمة التضحية التي تتخللها". هنا تكمن أهمية كتاب الأسير البطل ثائر حلاحلة الذي ما زال يواجه الجلاد في سجن النقب، وهو الذي كتب: "قصتي مع الإضراب علمتني أن أكون عنيدا في الحق، شامخا في المبدأ واثقا من النصر رغم أنف التيار المضاد".

 

انشر عبر
المزيد