خطاب الانطلاقة: وضوح الرؤية والاستعداد للمواجهة

12 تشرين الأول 2020 - 12:56 - الإثنين 12 تشرين الأول 2020, 12:56:30

الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي القائد زياد النخالة
الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي القائد زياد النخالة

بقلم: راغدة عسيران

بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين للانطلاقة الجهادية، حدّد الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، القائد زياد النخالة، في إطار الصراع مع العدو الصهيوني، طبيعة المرحلة التي تمرّ فيها الأمة، على المستويين الدولي والإقليمي، وموقف الحركة إزاء الوضع الفلسطيني الداخلي، بعد أكثر من شهر من لقاء الأمناء العامين في بيروت ورام الله.

فخُصصت المناسبة لتوضيح الرؤى والمسار، في ظل الهجمة الصهيونية الأميركية الغربية الشرسة على شعوب المنطقة من أجل إعادة تشكيل منطقة تقودها تحالفات ومصالح، ليكون الكيان الصهيوني "القوة الأساسية والمهيمنة فيها"، بعد أن تم العمل على "إلغاء هويتنا كأمة عربية وإسلامية، وإلغاء تاريخنا وإلغاء عقيدتنا"، كما جاء في اتفاق "أبراهام"، أي التحالف بين كيان العدو وبعض دول الخليج. والهدف من إعادة تشكيل المنطقة هو "إدخال المنطقة العربية بتاريخها وحضارتها بيت الطاعة الإسرائيلي."

كيف سيتم مواجهة هذه الأخطار المحدقة بالأمة، على جبهة الشعب الفلسطيني، الذي يقع في قلب هذا المشروع الإلغائي؟ كيف يمكن مواجهة سياسة العدو في فلسطين، الذي يبتلع الأرض ويهجّر أهلها، ويواصل سياسة الضم ويهوّد المقدسات، رغم أو بسبب اتفاق أوسلو "اللعين" الذي منحه 78 % من أرض فلسطين؟ أجاب الأمين العام على هذه الأسئلة بوضوح، كما هي العادة لدى حركة الجهاد الإسلامي، ووضع النقاط على الحروف لمنع الالتباس فيما يخص مخرجات لقاء الأمناء العامين، والوضع الفلسطيني الداخلي، لا سيما وأن الساحة الفلسطينية شهدت في الآونة الأخيرة لقاءات وتصريحات عديدة، توحي بأنها تسير وفقا لمخرجات لقاء بيروت – رام الله، إلا أنها متعددة الأوجه والتفسيرات، ما اقتضى التوضيح من قبل الحركة.

يذكر أنه خلال لقاء "الأمناء العامين"، كان القائد المجاهد زياد النخالة قد أعاد التأكيد على مشروع النقاط العشر الذي سبق وقدّمه الأمين العام السابق للحركة، الراحل الدكتور رمضان شلح، من أجل إعادة ترتيب البيت الفلسطيني واستعادة مبادرة المواجهة مع العدو، في دلالة واضحة بأن الحركة لم تغيّر موقفها، وأن ما طرحته قبل أربع سنوات من أجل توحيد الصف الفلسطيني لمواجهة الاحتلال ما زال قابلا للتبني والتطبيق، وقد تضمنت: إلغاء اتفاق أوسلو من الجانب الفلسطيني، سحب الاعتراف بدولة العدو من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، إعادة بناء هذه المنظمة لتصبح الإطار الوطني الجامع، إعلان أن المرحلة ما زالت مرحلة تحرّر وطني من الاحتلال، وأن الأولوية هي لمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة، الى جانب نقاط أخرى.

 لم يتغّير موقف الحركة التي أدركت منذ البداية أن المشروع الصهيوني لا يمكن مواجهته بالمفاوضات والتوسّل الى المجتمع الدولي، ولا يمكن البناء على اتفاق "أوسلو" ومؤسساته لمواجهة الاحتلال ومنع الانقسام، ولكن في تلك المرحلة (2016)، كانت السلطة الفلسطينية ما زالت تعيش في الوهم، رغم التهويد المتسارع للضفة الغربية والقدس، الى أن تم الإعلان عن صفقة القرن، وهو المشروع التصفوي للوهم و"الحلم الفلسطيني" الذي دام أكثر من ربع قرن من الزمن.

سقط الوهم ولكن يبدو أنه يصعب على المستفيدين منه بطريقة أو بأخرى، ان يتخلّصوا منه ومن تبعاته، حيث ما زالوا يراهنون على "مجتمع دولي" ينقذهم، وعلى تقلّبات في المشهد الدولي والصهيوني يعيد انتاجه بصيغ أخرى. فتجنّبوا البحث عن الأولويات المطروحة، وهي مواجهة الاحتلال بكل السبل وفي الميادين كافة، ليكتفوا بمسألة الوحدة الوطنية الضرورية للمواجهة، لكن من خلال "ترتيب البيت الفلسطيني" على أساس اتفاق أوسلو والسلطة المنبثقة عنه، أي طرح موضوع الانتخابات التشريعية والرئاسية، في محاولة للإلتفاف على مخرجات اللقاء الوطني، أو قراءة النص الختامي، الذي تحفّظت الحركة على بندين منه، وفقا لأولوياتهم.

لم توافق الحركة على هذا الالتفاف، الذي يعني "القفز في الهواء" مرة أخرى، لأنه مجرد "إدخال تحسينات" (على اتفاق أوسلو) و"البناء على ما هو متاح"، بدلا من إعادة بناء م. ت. ف. على أسس جديدة "لتصبح الإطار الوطني الذي يمثل قوى الشعب الفلسطيني كافة".

انطلق القائد النخالة من ايمان الشعب الفلسطيني بحقه في فلسطين، من نهرها الى بحرها، ومن قدرة المقاومة على "مواجهة المشروع الصهيوني في كل مكان من فلسطين"، للتأكيد مرة أخرى على ضرورة الخروج من مربّع أوسلو وصياغة برنامج وطني واضح "يستند على حقوق شعبنا التاريخية في فلسطين".

رغم عدم تنازل الحركة عن الثوابت التي انطلقت من أجلها، والتي يؤكد شرعيتها الميثاق الوطني الفلسطيني، شاركت وستشارك في الحوار الوطني لتجاوز الأزمة الراهنة والعبور نحو وحدة الموقف الفلسطيني لمواجهة تصفية القضية الفلسطينية. فلن تعرقل الاتفاقيات الثنائية (فتح وحماس بالخصوص)، إلا أن المطلوب وطنيا هو مسار آخر، ينطلق من صياغة برنامج وطني يرفض اتفاق أوسلو ويسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني ويحدّد سبل مواجهة الاحتلال.

أما الحديث عن الانتخابات التشريعية والرئاسية والتوافق عليها، قبل تحديد مسار جديد ينطلق من "رفض الشعب الفلسطيني لكل الحلول التي تتجاوز حقوقه التاريخية"، يطيل حياة الوهم ويعرقل أي تقدّم نحو مواجهة خطر تهويد فلسطين. إن إجراء هذه الانتخابات سيعيد شرعنة "أوسلو" الذي جزّأ الوطن المحتل وأبعد الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني (الداخل المحتل عام 1948 واللاجئين) عن القرار الوطني الفلسطيني.

أين تكمن أهمية سحب الاعتراف بالكيان الصهيوني من قبل "م.ت. ف" الذي دعا اليه القائد النخالة؟

إن عدم الاعتراف ضرورة فلسطينية قبل أي شيء، لأنه يحفظ الحق الفلسطيني بالكامل، رغم انسداد الأفق المرحلي وتعثر المسار. رفض الحركة المشاركة في الانتخابات التشريعية المحكومة بسقف اتفاق أوسلو والاعتراف بالكيان الصهيوني، وفي منظمة التحرير طالما لم تسحب اعترافها بالكيان، يؤكد على الأهمية التي توليها الحركة لمسألة سحب الاعتراف بكيان العدو، للعمل على صياغة مشروع وطني جامع.

قد يعتبر البعض أن سحب الاعتراف بكيان العدو سيُجابه من قبل المجتمع الدولي. وكان الأمين العام للحركة قد أكّد قبل ذلك أن الاعتراف بالمنظمة وبدورها لم يكن ليتم لولا اعترافها بالكيان الصهيوني وتخلّيها عن حق الشعب الفلسطيني بكل أرضه، ما يعني أن المجتمع الدولي الذي تراهن عليه جهات فلسطينية غير معني أصلا بتحقيق العدالة، أي مواجهة الظلم وتحرير فلسطين وعودة اللاجئين.

ومن ناحية أخرى، ماذا فعل المجتمع الدولي، منذ هذا الاعتراف، غير التغطية على تمدّد الاستيطان ومواصلة القتل والتهجير والحصار، وتبرئة القاتل الصهيوني بالمساواة بينه وبين الضحية، وتهديد اللاجئين بلقمة عيشهم لإنهاء حلمهم بالعودة الى وطنهم، وتخدير الشعب ببعض الأموال، التي لم تستفد منها إلا نخبة رضخت لإملاءاته ونفّذت طلباته ؟.

ثم إن سحب الاعتراف بالكيان يعتبر ردا حاسما على كل المطبّعين العرب والمسلمين، الذين اتخذوه ذريعة لارتكاب جريمة التطبيع وإقامة تحالفات مع العدو والمشاركة في شطب الحق الفلسطيني.

أكّد القائد النخالة من ناحية أخرى، أن حركة الجهاد الإسلامي، التي تنطلق من ايمان الشعب الفلسطيني بحقه بكل فلسطين، ستكون دوما في "الخطوط الأولى، مقاتلين ومدافعين عن حق شعبنا في الحرية والتحرير" ودعا الى "الجهوزية التامة للقتال في أي لحظة – نحن ما زلنا في ميدان المعركة"، تأكيدا على أن الحركة ستواصل الحوارات الوطنية للوصول الى المشترك الوطني، ولكن دون التخلي عن مبادئها ومشروعها، خاصة إن لم تستجب القوى الفلسطينية الأخرى لصياغة برنامج وطني جامع يؤكد على أوليات المرحلة، وفي مقدمتها قتال العدو. (المصدر: صحيفة الاستقلال - الفلسطينية)

انشر عبر
المزيد