انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين: الضرورة الوطنية والإسلامية

05 تشرين الأول 2020 - 10:18 - الإثنين 05 تشرين الأول 2020, 10:18:54

أمناء الجهاد الإسلامي على طريق القدس وفلسطين
أمناء الجهاد الإسلامي على طريق القدس وفلسطين

بقلم: راغدة عسيران

في يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 1987، خاضت مجموعة من مجاهدي "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين" معركة ضد دورية صهيونية عند مدخل حيّ الشجاعية في غزة. استخدمت قوات الاحتلال خلال المعركة طائرات الأباتشي والسيارات المدرعة، وأسفر الاشتباك عن قتل ضابط المخابرات الصهيوني "فكتور أرغوان" وإصابة عدد آخر من جنود الاحتلال بجروح مختلفة، فيما استشهد أربعة من المجاهدين هم محمد الجمل (1964- 1987)، وسامي الشيخ خليل (1964-1987)، وفايز (زهدي) قريقع (1953- 1987)، وأحمد حلس (1960-1987). كان المجاهدان محمد الجمل وسامي الشيخ خليل من بين المجموعة التي هربت من سجن غزة المركزي قبل أشهر (17 أيار/مايو 1987) بقيادة الشهيد مصباح الصوري (1954-1987)، الذي أعدمته قوات الاحتلال في أول أكتوبر/تشرين الأول 1987 في سجونها أثناء التحقيق، أي خمسة أيام قبل استشهاد أخوانه في معركة الشجاعية.

أهمية معركة "حي الشجاعية"

أين تكمن أهمية هذه المعركة ولماذا اعتبرتها حركة الجهاد الإسلامي يوم انطلاقتها، علما أن الحركة كانت قد نشأت قبل هذا اليوم بما يقارب العقد من الزمن، وأن عملياتها الجهادية كانت قد تلاحقت، خاصة بعد العام 1984؟ هل تتميّز هذه المواجهة مع العدو عما سبقها بطريقة أدائها أم بالمجاهدين الذين نفذّوها، أم أن الظرف السياسي والميداني هو من جعلها عملية مميزّة تصلح لاعتبارها عملية الإنطلاقة الجهادية؟

لا شك أن خوض معركة الشجاعية، بعد خمسة أشهر من عملية الهروب من سجن غزة المركزي، التي كانت بحد ذاتها عملية تحدي جريئة للعدو، ومواصلة العمل الجهادي في قطاع غزة، بعد الهروب، ومشاركة مجاهديْن من الهاربين في هذه المعركة، شكّلت صفعة مدوية للعدو وألهبت الشارع الفلسطيني، المهيأ نفسيا ووجدانيا للتفاعل والتماهي مع كل من يضرب المحتل.

لم تكن معركة الشجاعية أول مواجهة تخوضها الحركة ضد الصهاينة، سبقتها عمليات أخرى، حيث روى المحرّر القائد محمد الحسني (ابو وسام) بداية العمل الجهادي في هذه الفترة، وكشف عن كيفية جلب الأسلحة للخلايا المنفذة للعمليات. لقد تم إنشاء خلايا برفح وخان يونس، ثم خلية بالشاطئ، ومن ثم التوجه للضفة المحتلة وبناء خلايا ونواة عسكرية في الخليل وجنين مع الشهيد عصام براهمة عام 1985. 

عمليات الطعن الشهيرة

ونفذ (أبو وسام) عدة عمليات، مع الأسير المحرر أحمد أبو حصيرة، من العام 1982 الى العام 1986، منها قتل ثلاثة جنود، والثأر لشاب من عائلة العكلوك الذي قتل بدم بارد، وأصابا 12 جنديا صهيونيا في المكان ذاته. يؤكد الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي، الدكتور المجاهد الراحل رمضان شلّح بالقول: "الجهاد" بدأت تعد للعمل العسكري منذ بداية الثمانينيات... لذلك عندما اعتقل الدكتور فتحي (الشقاقي) في 2/3/1986 كان هذا على خلفية اعتقالات لشباب من الجهاز العسكري كانوا قبل أسبوعين من هذا التاريخ قد نفذوا هجوماً في ميدان فلسطين بغزة على تجمع للجنود الصهاينة بالقنابل والأسلحة الرشاشة. وقد كشفت اعتقالات المجاهدين يومها على تنفيذ عمليات منذ العام 1984، ثم جاءت عمليات الطعن الشهيرة التي نفذها مجاهدو "الجهاد" وأبرزهم المجاهد خالد الجعيدي الذي (كان) يقضي حكماً بالسجن المؤبد" ("في عين العاصفة"، 2003).

كانت المعركة تتويجا لسنوات من الاستنهاض الفكري والسياسي، بعد الفراغ الذي تركته م. ت. ف. بعد خروجها من بيروت. من خلال الخطب والمحاضرات والاجتماعات في المساجد والجامعات، تمَّ إعداد الجيل الواعي الثوري، بعد عودة مؤسسي الحركة من مصر الى فلسطين في بداية الثمانينيات. 

الجهاد المسلح طريقنا للتحرير

يقول الشهيد د.فتحي الشقاقي: "بدأنا مسيرة النضال الأولى على المستويين السياسي والإعلامي ضمن عمل جماهيري تعبوي واسع لتهيئة الجماهير لمرحلة نضال أخرى طويلة قادمة. ولجأنا في تلك الفترة إلى كافة الوسائل المتاحة والممكنة مثل المساجد والمنتديات والمنشورات، وغيرها من الوسائل. ولم نغفل في تلك الفترة، أن الجهاد المسلح ضد العدو هو طريقنا للتحرير والخلاص، لذلك بدأنا ـ قبل مرور عام من تواجدنا بشكل إعلامي وسياسي ـ في إعداد وتكوين خلايانا العسكرية. ولم يأت عام 1984 إلا وكانت هذه الخلايا قد بدأت جهادها المسلح ضد العدو. وفتحت بذلك مرحلة جديدة من مراحل الجهاد الإسلامي" (مقابلة د. الشقاقي مع صحيفة الخليج، آب 1989.)

مثلت معركة الشجاعية الإرادة الوطنية، بمعنى أن الشعب الفلسطيني متعطش لقتال الغزاة الصهاينة من أجل تحرير الوطن. فالتفت الجماهير حول الهاربين من سجن غزة المركزي ومجاهدي الحركة الذين نفذوا العمليات تلو العمليات، وحول كل الأبطال الذين قاوموا الاحتلال. فالمجاهدون هم الطليعة الواعية التي تتقدم الصفوف لمقاتلة العدو، وقد تستشهد أو تُعتقل، ولكنها لا تقف وراء الجماهير. تلتقط الحس الجماهيري وتنفذ ما يطمح اليه الشعب الفلسطيني. فهم الطليعة وليسوا النخبة، كما وضّح د. فتحي الشقاقي قائلا "فقد خرجنا من وسط الجماهير، من همهم وفقرهم ومعاناتهم ولا نستطيع بحال أن نتبرأ أو ننفصل عنها أو نتعالى عليها ونحن حركة الجماهير وطليعتها في نفس الوقت".

معركة الشجاعية أشعلت الانتفاضة

معركة الشجاعية "دحرجت" الانتفاضة التي اندلعت، وفقا للتأريخ الرسمي، في كانون الأول/ديسمبر 1987، أو كما يقول المحلل السياسي الصهيوني زئيف شيف "إن أعمال هذه المجموعة تحولت الى عود ثقاب أشعلت النار...."، إذ تطوّرت المواجهات وامتدت الى معظم المناطق الفلسطينية، التي شهدت نهوضا وطنيا شاملا، قبل جريمة دهس العمال الفلسطينيين من قبل الصهاينة، التي أطلقت رسميا الانتفاضة. يكفي مراجعة الصحف اليومية الفلسطينية ما بين 6/10/1987 و8/12/1987 لمتابعة غليان الشارع المتصاعد والاستعداد للمواجهة الشاملة، والقمع الصهيوني الذي لاحق المناضلين، وقتلهم وزجهم في السجون وإبعادهم (إبعاد الشيخ عبد العزيز عودة الى لبنان، في شهر 11/1987).

لم تكن معركة الشجاعية المعركة الوحيدة التي "تدحرجت" الى انتفاضة. في 3/10/ 2015، نفذ المجاهد مهند حلبي، العضو في "الرابطة الإسلامية" الطلابية، عملية إطلاق نار في مدينة القدس المحتلة على دورية "إسرائيلية" أدت الى مقتل اثنين من الغزاة وجرح أخرين. كانت هذه العملية الشرارة التي أطلقت انتفاضة القدس، التي أجهضتها السلطة الفلسطينية وجهازها الأمني، الذي مكّن العدو من ملاحقة المجاهدين واعتقالهم وقتلهم. وبسبب القمع الذي مارسته السلطة الفلسطينية ضد أبناء الضفة الغربية المحتلة، اتخذت العمليات الجهادية والفدائية، لتجنّب المخبرين، شكل العمليات الفردية التي لاقت إجماعا شعبيا، غير أنها لم تتمكن من الانتقال الى مشاركة جماهيرية واسعة، كما حصل خلال "الإنتفاضة – الثورة" في أواخر العام 1987.

العمليات وليست البيانات من يفجر الانتفاضات

تؤكد معركة الشجاعية وكل المعارك والعمليات ضد الصهاينة أن العمل الجهادي والفدائي هو من يطلق الانتفاضات والهبّات الشعبية، وليست البيانات المرقمة التي تسبق التحركات الشعبية وترسم الخطط وتضع السقف السياسي لها. هي مسألة ثقة، الثقة بالجماهير أولا، هل من يطلق البيانات المرقمة المسبقة ويضع الخطط يثق بقدرة الجماهير على بلورة خطط المواجهة والأولويات، أم يعتقد أن عليه أن يوضّح الهدف والشعارات؟ وثانيا، ثقة الجماهير بالقيادات التي تريد انتفاضات على مقاسها. وكما قال الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، القائد المجاهد زياد النخالة، "عندما يفقد الشعب الثقة بقيادته يصبح هناك مشكلة". وكان الشهيد الدكتور الشقاقي، الذي مارس القتال، يعرف كيف تُبنى الثقة: "سيعطي العمل المسلح للجماهير الثقة في نفسها وفي طلائعها المجاهدة وسيجعلها تشعر بأن العدو يتألم كما تتألم ويعاني كما تعاني، وهذا سيدفعها للمزيد من التضحية وللمزيد من العطاء. وفي الحالات التي كان أبطالنا ومجاهدونا يقدمون على عمليات جهادية داخل الساحة الفلسطينية كنا نشهد تصعيداً ملموساً للانتفاضة." (صحيفة "الخليج" ـ الشارقة 8/1989).

مواجهة العدو في الميدان، والعمل المسلح الذي يؤذي العدو، كما كانت معركة الشجاعية، يوحّدان الشعب الفلسطيني ويوحّدان حوله الجماهير العربية والإسلامية، ويشتّتان صفوف المطبّعين والمستسلمين والمتآمرين على الأمة. من هنا يأتي إصرار الحركة على المواجهة في كل ساحات فلسطين، كونها تعطي مصداقية لكل الشعارات المناهضة للعدو والمطبّعين، وتؤسس لوحدة حقيقية لمواصلة المسيرة.

لأنها تمسكت بالثوابت الوطنية والتزمت بخطها الواضح وحافظت على المبادئ التي انطلقت من أجلها ولم تنجرّ الى حلول وهمية، ولأنها نفذّت عمليات ساهمت في تفجير طاقات الشعب الفلسطيني ضد العدو الصهيوني، أثبتت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أنها "ضرورة وطنية، وضرورة إسلامية، وضرورة جهادية، وضرورة إنسانية إبداعية تدلل على قدرة المجتمع الفلسطيني على الإبداع وإنتاج وإدارة تعددية سياسية تسهم في إثراء مسيرة النضال الفلسطيني التي لن تنته غداً أو بعد غد." (القائد المجاهد رمضان شلّح 21/5/2004).

انشر عبر
المزيد