اتفاقيات العار: شرعنة التزوير والمجازر

22 أيلول 2020 - 09:37 - الثلاثاء 22 أيلول 2020, 09:37:37

عار على جبين المطبعين
عار على جبين المطبعين

بقلم: راغدة عسيران

وقّعت دولتا الإمارات والبحرين اتفاقيتا "سلام" مع العدو الصهيوني، برعاية الولايات المتحدة الأميركية، في يوم 15 أيلول/سبتمبر 2020، في حديقة البيت الأبيض. للتغطية على فشل سياسته في كل الملفات الكبرى في العالم والداخل الأميركي. أراد الرئيس دونالد ترامب، أن تكون الاتفاقيتان تدشينا لما سماه "الإتفاقيات الإبراهيمية"، انسجاما مع معتقداته الصهيونية المحرّفة للأديان والتاريخ والحاضر.

لا شك بأن أي علاقة تطبيع عربية مع الكيان الصهيوني أو إحدى مؤسساته يعدّ ربحا خالصا لهذا الكيان، لأنه اعتراف بوجوده وشرعنة إقامته على أنقاض فلسطين. من يشرعن وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المغتصبة لا يمكن أن يعترف في الوقت ذاته، بالحق الفلسطيني بأرضه ووطنه، ما يعني أن أي اعتراف بشرعية وجود الكيان، في حدود 48 أو أكثر أو أقل، يكون قد شرعن اقتلاع الشعب الفلسطيني عن أرضه وتحويل فلسطين الى "أرض إسرائيل" بقوة السلاح والخديعة الدولية. وكل القرارات الدولية والاتفاقيات التي منحت للعدو شرعية وجوده هي باطلة، لأنها شرعنت ما لا يحق لها أن تشرعن، إن كانت جهة فلسطينية أو عربية أو إسلامية أو دولية، لأن الأرض الفلسطينية ملك للشعب الفلسطيني أولا، ثم جزء مغتصب من أرض الأمة العربية والإسلامية.

اللافت في هذه الاتفاقيات التطبيعية، هو البعد الديني المفترض حيث صنّف الرئيس ترامب هذه الاتفاقيات ب"الاتفاقيات الابراهيمية"، وهو اختراع صهيوني أميركي ينظر الى منطقة "من النيل الى الفرات" كأرض "أبراهام"، ويسعى الى تحريف الديانات السماوية لصالح الصهيونية. والإقرار بهذا التحريف من قبل دولتي الإمارات والبحرين يتجاوز التطبيع بمعنى إقامة علاقات طبيعية مع كيان العدو ليصبح مشاركة فاعلة في ترويج الفكر الصهيوني بكل أبعاده، السياسية والثقافية والأمنية والجغرافية والتاريخية.

قبل عقود من الزمن، وبعد توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر و"إسرائيل"، أكّد الكاتب محسن عوض في كتابه "الاستراتيجية الإسرائيلية للتطبيع مع العرب" (1988)، أن الغزاة الصهاينة يولّون أهمية كبرى لقبول العرب للفكر الصهيوني، إذ لم ولن يكتفوا بالتوقيع على اتفاقيات "سلام" مع دول عربية، فهم يريدون الإعتراف ب"الصهيونية" كونها "ليست مجرد سند الشرعية "للقومية اليهودية"... وليست مجرد صك ملكية "أرض بلا شعب" للشعب الذي لم يكن له أرض لبناء "أمة اسرائيل"، إنما هي في المقام الأول رخصة التوسّع وطموحات الغد، ومستند الشرعية لأعمال العنف والإبادة الجماعية ومنهج القهر العنصري".

فالديانة "الإبراهيمية" المخترعة هي إقرار"المسلم" و"المسيحي" بالصهيونية، بل الاندماج بها تحت شعار "حوار الأديان"، دون ذكر ولو مرة واحدة لكلمة "الصهيونية" التي استبدلت بـ"الإبراهيمية"، والإقرار بـ"رخصة للتوسع" لتشمل ديار "أبراهام". وفي هذا الصدد، وضّح عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور أنور أبو طه، خلال مقابلة على فضائية "فلسطين اليوم"، خطورة مفهوم "الإبراهيمية" ودور دولة الإمارات في إشاعته.

بعد قبول الصهيونية والترويج لها من قبل الموقّعين، تؤكد الاتفاقيتان على أهمية التطبيع المجتمعي، حيث برهنت إتفاقيات التطبيع السابقة (مصر، الأردن والسلطة الفلسطينية) أن العلاقة بين العرب والمحتلين الصهاينة بقيت محصورة في أروقة الحكّام وبعض الأفراد والمؤسسات التي تدور حولهم، والتي يتم تمويلها غالبا من الدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة. لقد تمَّ الاتفاق على "إنشاء برامج بين أفراد الشعبين، والحوار بين الأديان والتبادلات الثقافية والأكاديمية والشبابية والعلمية وغيرها بين شعوبهم"، حيث يسعى حكام الإمارات والبحرين الى توسيع دائرة المطبعّين في المجتمع العربي لضمان ديمومتها، كما يتصوّرون، وصناعة أجيال مطبّعة خائنة لوطنها وأمتها وتاريخها وعقيدتها.

ترفض شعوب الأمة، وخاصة الشعوب العربية، التطبيع بكل أشكاله، لأنها لا تعترف أصلا بشرعية وجود الكيان الصهيوني، لأسباب دينية وتاريخية وإنسانية. يدرك الصهاينة أن المجتمعات العربية ما زالت عصية على التطبيع الفعلي، مهما بلغت حدة أزماتها، ولذلك، ركّز الإعلام الصهيوني والإعلام العربي المطبّع على نماذج من تلك المجتمعات، أطفال ومشايخ ونساء وشباب وغيرهم، ليبثوا صورة مجتمعات متفائلة ومنتعشة بـ"السلام" كما تنتعش بشرب "الكوكاكولا" الأميركية.

يعتقد الإعلام الصهيوني، كما كتب صحافي في "يديعوت أحرونوت"، قبل أشهر عدة، أن الجيل الجديد العربي يختلف عن الأجيال السابقة، لأنه غير مرتبط بتاريخ أمتّه وأنه يعيش الحاضر، ما يجعله قابلا للتطبيع. ولكن، ما لا يذكره هذا الإعلامي، أن الجيل الجديد الأوروبي والغربي لم يعد يكترث، كآباءه، بتهمة "المعاداة للسامية" التي يقذفها الصهاينة، كلما احتجّ أحد على جرائمهم، وأن الأجيال الجديدة الصاعدة في العالم، وفي الوطن العربي خاصة، لم تعد تتحمّل تواطؤ حكوماتها مع الكيان الغاصب، وأن الإجرام اليومي الذي يقترفه هذا الكيان بحق الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن مفهوم هذه الشعوب للتاريخ أو العقيدة، يؤجج مشاعرها ويجعلها معادية ليس فقط للصهاينة، بل لكل من يدعمهم.

أوردت الاتفاقية مع الإمارات مسألة التطبيع الثقافي، الذي يشمل السياحة، حيث على الموقعيّن ان يطوروا "العلاقات الشعبية والثقافية الوثيقة" من خلالها، و"الابتكار العلمي" الذي يعدّ من أهمّ المسائل الجاذبة للشباب العربي التوّاق الى المعرفة والتقدم. لم تنتظر دولة الإمارات وغيرها من الدول العربية للسير في التطبيع الثقافي، الذي يعني، وفقا للكاتب محسن عوض، "مراجعة البرامج الدراسية" التي تمت في معظم الدول العربية بعد مؤتمر مدريد (1991) لاقتلاع فلسطين من وجدان شعوب الأمة، والتبادل الإعلامي، الذي تمارسه فضائيات عربية كثيرة بحجة "الموضوعية" و"المهنية"، وتغيير صورة الكيان المغتصب في أذهان العرب "في محاولة لإقناع الوطن العربي بقبول الوطن القومي لليهود في فلسطين".

يعدّ التطبيع الثقافي من أخطر الأمور التي يسعى اليها كيان العدو، لإدراكه أن شعوب الأمة ترفض وجوده، ولا تؤمن بالتاريخ المزيّف الذي يقدّمه للعالم لتبرير مجازره. لقد جنّدت بعض الأقلام العربية، منذ سنوات، مباشرة أم من خلال المعاهد الغربية،  لتشويه تاريخ الأمة، القديم والحديث، وتشويه معتقداتها لترسيخ "ثقافة السلام"، أي الثقافة المبنية على أوهام وتحايل وتشوية الحقائق لصالح الصهيونية، بدلا من الثقافة المقاومة للظلم والمنحازة الى المظلومين، التي ورثتها شعوب الأمة وترسخت في وجدانها عبر العصور.

تكمن خطورة "التبادل السياحي" بين الإمارات والكيان الصهيوني، وغيرها من الدول المطبّعة، في السعي لترويج لتاريخ مزوّر في المدن الفلسطينية العريقة، ولآثار فلسطينية تم تهويدها منذ إقامة كيان العدو، ولمعالم طبيعية وقرى وبلدات طمس الصهاينة تاريخ أهلها الأصليين ليبرزوا تاريخ خرافي من صنع الأكاديمية الغربية، على أنقاضها. وما كان الفلسطينيون يسعون الى تعريفه للزوار والسياح الأجانب، المخدوعين بالدعاية الصهيونية، سيضطرون الى فعله مع "السياح" العرب المطبّعين، لإثبات حق شعبهم في كل فلسطين.

وبسبب خطورة التطبيع الثقافي الذي يمس بالتاريخ والعقيدة، والذي دخل مرحلة جديدة مع الإتفاقيات "الإبراهيمية"، على المثقفين وخاصة الشباب المبتكر، ألا ينخدعوا بالأموال التي قد تتدفق عليهم من أجل إخضاعهم للتعامل مع الغزاة الصهاينة، وأن ينسحبوا من البرامج والشركات المشتركة معهم، وأن يلتفوا حول المقاومة، مقاومة الظلم والاستكبار، لأنها أمل الشعوب المقهورة، ولا خيار أمام الشعوب الحرة سوى مواجهة العدو الظالم.

 

انشر عبر
المزيد