لماذا يختلف التطبيع الإماراتي عن سابقاته؟

07 أيلول 2020 - 11:14 - الإثنين 07 أيلول 2020, 11:14:33

بقلم: راغدة عسيران

قبل إيام، حطت طائرة "إسرائيلية" في مطار دبي الإماراتي، وعلى متنها مسؤولون صهاينة وأميركيون. لقد حلّقت الطائرة فوق أراضي المملكة السعودية، بعد السماح لها بذلك، كما ورد في تعليق رسمي سعودي. وتأتي هذه "الزيارة" بعد الإعلان عن اتفاقية "سلام" بين الإمارات والكيان الصهيوني برعاية أميركية وتمهيدا لتوقيع هذه الاتفاقية في الأيام المقبلة، في الولايات المتحدة.

لم تكن دولة الإمارات الأولى في مسار تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني وإبرام إتفاقية معه، إذ سبقتها مصر مع اتفاقية "كامب ديفيد" في العام 1978، ومنظمة التحرير الفلسطينية مع اتفاقية "أوسلو" في العام 1993 والأردن مع اتفاقية "وادي عربة" في العام 1994. وأقامت دول عربية أخرى علاقات تجارية مباشرة أو ملتوية (عبر الدول الغربية) مع الكيان الصهيوني، وعلاقات سياسية مع حكّامه وعلاقات أمنية ومخابراتية مع أجهزته، دون إبرام اتفاقية رسمية معه وإقامة علاقات ديبلوماسية، كما حصل مع مصر والأردن.

قبل الإشارة الى ما يميّز علاقات التطبيع بين الإمارات والكيان الصهيوني عن علاقات التطبيع الأخرى التي جرت في الماضي، يجب الإشارة الى أن الاتفاقيات الموقعة بين دول (مصر والأردن) أو كيانات سياسية (منظمة التحرير) وبين الكيان الصهيوني تمت تحت رعاية الولايات المتحدة الأميركية، التي حثت على توقيعها مقابل الدعم المالي والأمني والاقتصادي الأميركي. وقد تم استعادة بعض من الأراضي المحتلة عام 1967 من جراء هذه الاتفاقيات، بشرط أن تبقى منزوعة السلاح وتحت الرقابة الأميركية، لحماية أمن الكيان الصهيوني، وهذا ما سمّي التطبيع غير المجاني "الأرض مقابل السلام".

خلافا للدول العربية ومنظمة التحرير، لم يكن لدولة الإمارات أراضٍ محتلة لتستعيدها من جراء إبرام اتفاقية مع العدو. لهذا السبب، وصف هذا التطبيع بـ"المجاني"، وكأن عملية التطبيع (شرعنة الكيان الغاصب على حساب فلسطين والشعب الفلسطيني وتهديد أمن الشعوب العربية) يُقدّر سعرها كالسلع في الأسواق.

لقد وافق المجتمع الدولي (دول ومؤسسات) على الإتفاقيات المبرمة وعملية التطبيع، وحاول تشجيع التطبيع الشعبي والمؤسساتي بين المجتمعات العربية أو فئات منها ومجتمع المستوطنين، استكمالا للتطبيع الرسمي، أو تمهيدا له. رغم الجهود المبذولة منذ مؤتمر مدريد (30/10-1/11-1991) أخفق المجتمع الدولي، لا سيما الدول الأوروبية ومؤسساتها، من اختراق المجتمعات العربية، ولكنه نجح باستمالة بعض النخب الساعية وراء المال والشهرة.

اقتصر التطبيع في كل من مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية على النخب الحاكمة، وخاصة النخب السياسية والأمنية والاقتصادية وقلة من المثقفين والكتاب، في حين بقيت الشعوب خارج هذا السقوط، بل واجهته من خلال مؤسساتها الرسمية (البرلمان والنقابات والأحزاب) وغير الرسمية (الجمعيات المدنية والشخصيات). وفي فلسطين، رفضت حركات المقاومة اتفاقيات أوسلو وواصلت عملياتها الجهادية ضد العدو وانتفض الشعب الفلسطيني للدفاع عن نفسه وأرضه ضد التوسّع الاستيطاني الذي أرسته هذه الإتفاقيات.

يختلف الأمر في الإمارات، حيث وقّع حكّامها على اتفاقية العار، بسبب تغيير تركيبتها السكانية منذ عقود، بحيث أصبح سكانها الأصليون أقلية عددية، بين الوافدين من البلدان الآسيوية، والذين احتلوا مراكز مرموقة، يقال في الأجهزة الأمنية خاصة، بعد تجنسيهم، ومن الدول العربية، الذين هجروا بلدانهم للعمل، والذين لا يحق لهم التعبير عن رأيهم أو القيام بنشاط سياسي.

بغياب المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي تعبّر عن آراء الإماراتيين وغيرهم من سكان الدولة، قد تواجه المعارضة الشعبية للتطبيع الرسمي صعوبات وحملات قمع شرسة، خلافا للدول العربية المطبّعة الأخرى، حيث حوصرت الفئات المطبّعة مجتمعيا والتصقت بالدول الغربية الراعية لها. لكن، في الإمارات، ووفقا للصحافة الصهيونية، لقد حاول "الإسرائيليون" منذ عقود التغلغل في مختلف الأوساط الإماراتية، خلافا لما هو الحال في الأردن ومصر، والتقوا مع الكثير منهم من سياسيين وتجار ورجال أمن، وبنوا شراكة معهم.

مكّن هذا الانفتاح الإماراتي على كيان العدو من تسلّل الحركة الصهيونية العالمية الى دولة الإمارات، إذ أشارت الصحافة الصهيونية الى نيّة افتتاح في دبي أول مقر للمنظمة الصهيونية العالمية في العالم العربي. ستعمل بعثة هذه المنظمة على إقامة روضة أطفال لأبناء "الجالية اليهودية" ومركز ثقافي يعمل على تعليم اللغة العبرية و"ترسيخ التقاليد الإسرائيلية"و"تنظيم فعاليات في الأعياد اليهودية والمناسبات الإسرائيلية"، كما ورد في هذه الصحافة. إضافة الى أن هذه "الجالية اليهودية" ليست محليّة، بل جاءت من الولايات المتحدة وأوروبا وجنوب إفريقيا، كما يذكر موقع صهيوني خاص بالجاليات اليهودية في العالم، فتسليم اليهود الى الحركة الصهيونية يعدّ جريمة.

سبق "إتفاقية ابراهام" بين دولة الإمارات والكيان الصهيوني موجة تطبيعية متعددة الأوجه، من العلاقات التجارية والأمنية والاستخباراتية على الدول العربية والإفريقية، الى العلاقات الرياضية، وصولا الى مناورات عسكرية مشتركة في دول أوروبية. وتذكر الصحافة الصهيونية دخول ما يقارب 500 شركة "إسرائيلية" في هذا البلد الصغير، منذ مؤتمر مدريد، من خلال البعثة الاقتصادية الصهيونية المتواجدة في البلاد.

لكن تكمن الخطورة أيضا في التطبيع الفكري الذي حاول بثّه بعض الكتاب والصحافيين، مع زملائهم في دول خليجية وعربية أخرى، حول أحقية وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وتنكّرهم للقضية الفلسطينية ولشعب فلسطين.

لم يسبق للدول الأخرى أن برّرت التطبيع بالعودة الى التاريخ وإعادة كتابته بمنظور صهيوني، بل برّرته بما اعتبرته الواقعية وميزان القوى العالمي والإرادة الدولية. فالتخلي عن فلسطين والقضية الفلسطينية ودعم المشروع الصهيوني في فلسطين تجسّد في القدس والمقدسات، حيث اتُهمت أوساط إماراتية بالمساهمة في تسريب أراضٍ وبيوت مقدسية الى المستوطنين الصهاينة، بمساعدة فلسطينيين وأجانب، إضافة الى الدعم والمشاركة الفاعلة في "صفقة القرن" التصفوية.

سبق أيضا هذه الإتفاقية العار، موجة من الكتابات والتصريحات المعادية للشعب الفلسطيني وقيادته، متهمة إياها بـ"الفساد" و"الإرهاب"، إما لتبرير التطبيع أو لتبرير التخلي عن فلسطين، وإما لترويج المقولات الأميركية والصهيونية الرائجة، المنزعجة من الرفض الفلسطيني الرسمي والشعبي لصفقة القرن. لم يسبق أن صدرت تلك الأصوات الشاذة المعادية للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، إلا نادرا، بعد اتفاقيات التطبيع السابقة بين دول عربية والكيان الصهيوني.

لقد تجاوزت العلاقة بين دولة الإمارات والكيان الصهيوني مسألة التوقيع على اتفاقية تطبيع ديبلوماسي وسياسي، لتصل الى تحالف سياسي وأمني، حيث  أشارت بعض التقارير الإعلامية الى أن الإمارات، بعد احتلالها لجزيرة سقطرى اليمنية ذات الموقع الاستراتيجي في بحر العرب، تنوي مشاركة العدو الصهيوني في الاستثمار وإقامة مرافق عسكرية واستخباراتية مشتركة فيها، لمواجهة إيران واليمن. لم يسبق أن تشاركت دولة عربية مع الكيان الصهيوني في التجسس على دول عربية وإسلامية أخرى، وأن تساهم في التغلغل الصهيوني في منطقة ظلّت الى اليوم خالية من الوجود "الإسرائيلي" العلني على الأقل.

من خلال التغلغل الصهيوني في هذه الدولة منذ عقود من الزمن، والذي تم تتويجه باتفاقية "سلام"، باتت تلعب الإمارات دور المنصّة الصهيونية في العالم العربي، أمنيا واقتصاديا وإعلاميا. من خلالها، يمكن للصهاينة أن يتعاملوا مع فئات مختلفة من الشعوب العربية المندهشة أمام "الرقي" والتقدم التكنولوجي، والتغلغل في مجتمعاتهم لبث إعلامهم الكاذب حول فلسطين والشعب الفلسطيني. فعدم إدانة التطبيع الإماراتي وتسهيل مساره، من قبل دول عربية، أولها المملكة السعودية، يدلّ على موافقة البعض على هذا الدور، وكل ذلك يتم برعاية ومباركة أميركية.

انشر عبر
المزيد