الهروب من السجون الصهيونية: تاريخ حافل بالبطولات والإبداع

11 آب 2020 - 02:36 - الثلاثاء 11 آب 2020, 14:36:55

بقلم: راغدة عسيران

لأن حلم الحرية والسعي إليها هو حلم الأسرى في العالم، تعدّ محاولات الهروب من السجن، من كافة سجون العالم، شرقا وغربا، وعلى امتداد الكرة الأرضية، سمة أساسية في حياة السجن. لقد وثقت الأفلام السينمائية محاولات هروب حقيقية لأسرى حرب أو لمساجين جنائيين، وأنتجت قصصا وهمية حول هذا الموضوع باختراع وسائل مستوحاة من التقدم التكنولوجي.

ولكن، بالنسبة للأسرى الفلسطينيين، يشكّل الهروب من السجن تحديا حقيقيا للمنظومة الأمنية الصهيونية التي تتباهى بأنها الأفضل في العالم، كونها تقوم على إيديولوجية استعمارية عنصرية، تعتبر أن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى غير قادرة على مواجهة كيانها وأجهزته الأمنية. لقد صدّقها العالم، ولكن أثبت الفدائي والمقاوم والمجاهد أنها أوهن من "بيت العنكبوت".

كان حمزة يونس، الهارب من السجن ثلاث مرات، قد أشار قبل عشرين عاما، الى "المهزومين العرب" الذين لا يصدّقون أنه باستطاعة العربي إلحاق خسائر أمنية بكيان الإحتلال،  بقوله: "لو كان الفاعل يهوديا لصدّقوا واعجبوا به. أنهم مهزومون في داخلهم، والمهزوم داخليا لا ينتصر".

وكان الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي، الراحل الدكتور رمضان شلح، قد أكد على ذلك بقوله في مهرجان الانطلاقة عام 2016 "فالهزيمة النفسية هي الهزيمة الحقيقية، وإذا انهزمت نفس الإنسان لم ولن ينتصر أبداً مهما امتلك من الإمكانات وأسباب القوة المادية. والانتصار الحقيقي هو الانتصار النفسي والمعنوي قبل الانتصار الحسي والمادي".

أثبتت كافة محاولات الهروب، الناجحة والفاشلة معا، أن الصراع الأمني مع المحتل يتواصل في السجون الصهيونية، وأن المقاومين الفلسطينيين يبدعون في السجون، كما يبدعون خارجها. بغياب الوسائل التكنولوجية الحديثة، لم يعتمد الأسرى، إضافة الى رعاية الله، إلا على امكانياتهم المحدودة وإرادتهم، وثقافتهم الواسعة لمواجهة السجان، وثقتهم بشعبهم المقاوم.

رغم أهمية الموضوع، بقيت محاولات التوثيق قليلة، من خلال بعض الدراسات (موقع باب الواد مثلا من 2017 الى 2020) والمقابلات المتلفزة والوثائق المرئية، إضافة الى كتاب "الهروب من سجن الرملة" للبطل حمزة يونس، الذي صدر قبل عشرين عاما، وهو، كما وصفه ابن عمه الأسير كريم يونس في مقابلة أجراها الأسير المجاهد إياد أبو ناصر، قبل أشهر: "الفدائي الكبير قاصد الأسوار الملقب بالزئبق حمزة يونس، والذي هرب من السجون الصهيونية ثلاث مرات وتقدم في صفوف فتح" مضيفا: "كان حمزة أمد الله بعمره قدوة الفدائي الأول ولا زال، وبالمناسبة هو من كان وراء تنظيمي وانضمامي لصفوف حركة فتح."

قد تفسّر قلة توثيق محاولات الهروب من السجون الصهيونية بأن الهروب يشكّل إحدى الأساليب الدفاعية والنضالية التي يستخدمها الأسرى لمواجهة السجان، الى جانب أساليب أخرى، جماعية أو فردية، تبدأ بمعارك الأمعاء الخاوية وتنتهي بطعن السجان، مرورا بالتثقيف والتنظيم السياسي والتمرّد على الأوامر والإبداع الفني والأدبي وغيرها من الأساليب النضالية التي ركّز عليها الإعلام. لكن تبقى عمليات الهروب من السجن، وأن لا تشكّل إلا إحدى الوسائل النضالية، تحديا صريحا للمنظومة الأمنية الصهيونية حيث يجنّد الأسرى كل معلوماتهم وابتكاراتهم لإنجاح المحاولة وكسر هيبة الأمن الصهيوني.

لم تبدأ محاولات الهروب من السجن مع الاحتلال الاستيطاني الصهيوني، بل ذكرت المصادر التاريخية بعض عمليات الهروب من السجون البريطانية خلال ثورة 36-39، إضافة الى عملية الهجوم على سجن عتليت، جنوب مدينة حيفا، في يوم 16/7/1938، التي نفذها الشهيد البطل أبو درة. وكان الشهيد يوسف حمدان (من مدينة أم الفحم)، الأسير في سجن عتليت، ونائب الشهيد أبو درة، كان قد نجح في عملية هروب من هذا السجن في السنة ذاتها، وأكمل مشواره الجهادي، حيث استشهد في معركة أم الفحم الثانية (24/5/1939).

يذكر الكاتب والمؤرخ أكرم زعيتر في "يومياته" أن الشهيد عيسى البطاط، من قرية الظاهرية (قضاء الخليل) والمحكوم بالمؤبد بعد اعتقاله في العام 1938، استطاع "أن يخلص نفسه من وراء القضبان وعاد الى الحرية، والى سابق نشاطه المعهود"، أي مقاومة المحتل، قبل أن يتم القبض عليه في قرية بيت جبرين واغتياله. ويذكر حمزة يونس بعض الأسرى من فلسطينيي 48 الذين حاولوا الهروب قبل العام 1967، دون تحديد مدى نجاح أو فشل محاولاتهم.

أساليب الهروب

لم تكن عمليات الهروب جماعية دائما، بل كانت أحيانا فردية، يستغل الأسير وضع معيّن أو استثنائي ليهرب دون تخطيط مسبق. هرب الأسير الشهيد عمر النايف في العام 1990، عندما كان في مستشفى في بيت لحم، بعد تدهور وضعه الصحي بسبب الإضراب عن الطعام. كان قد اعتقل في العام 1986، بعد عملية فدائية وحكم عليه بالمؤبد. ظل مطاردا من قبل الاحتلال الى أن اغتاله جهاز الموساد الصهيوني بتاريخ 26/2/2016 في مقر السفارة الفلسطينية في بلغاريا.

هرب الأسير ناصر عيسى حامد من مبنى المحكمة في 27/1/1983، مستغلا المواجهات التي اندلعت بين مجموعة من الأسرى وقوات الاحتلال. فخرج من بوابة مقر المحكمة العسكرية بالتحايل. ولكن قرّر تسليم نفسه بعد 4 أيام من المطاردة بسبب اعتقال والدته. وفي العام نفسه، هرب الأسير مجدي سليمان ابو الصفا بالطريقة ذاتها، وتوجّه الى الأردن.

استغل الشهيد صالح طحاينة من سيلة الحارثية، إعادة انتشار قوات العدو بعد اتفاقيات "أوسلو" ونقل الأسرى الى الداخل المحتل، لينتحل شخصية مجاهد آخر، الشهيد نعمان طحاينة، ليتم نقله في العام 1996 من سجن جنيد الى سجن النقب، بدلا من سجن نفحة، إذ كان محكوما بالسجن 33 عاما. وبعد انتقاله الى سجن النقب، انتحل شخصية الأسير عامر زيود وتم الإفراج عنه بدلا عن الأخير. بعد تحرّره، واصل الشهيد مسيرته الجهادية بتنفيذ عدة عمليات ضد الاحتلال. وفي بداية شهر تموز/يوليو من العام 1996، تم اغتياله بطريقة بشعة في شقة في مدينة رام الله.

أشارت "موسوعة شهداء من فلسطين: أحياء يرزقون" من إصدار "مؤسسة مهجة القدس"، الى أن الشهيد صالح طحاينة من مواليد 1968.عند اشتعال الانتفاضة، تفرّغ للعمل الجهادي ومقاومة الاحتلال، و"صار واحدا من أبناء "الجهاد الإسلامي" وناشطا بارزا في الحركة، الأمر الذي أدى لاعتقاله مرات عديدة." اشترك مع الشهيد القائد عصام براهمة بتشكيل خلايا "عشاق الشهادة" العسكرية التابعة للحركة، التي كان لها حضورا مميّزا في منطقة جنين. "وكانت عملياتهم تمثل شهادة ناصعة على صدقهم وإخلاصهم".

بالنسبة لعملية الهروب وابتكار اسلوب انتحال الشخصية التي استخدمها الشهيد صالح طحاينة، يعلّق الكاتب الصحفي محمد فارس جرادات (موقع باب الواد، 15/7/2020) بالقول إن المخابرات الصهيونية واجهت "فشلاً أمنيّاً فظيعاً، وحقّقت الحركة الأسيرة بذلك قهراً للسجان، معلنةً انتصارها الأمنيّ على إجراءاته الأسطورية. فبينما تملك الدولة الصهيونيّة أحدث أجهزة التقانة وأخطرها، فضلاً عن شبكات تجسّسٍ رهيبةٍ على مستوى العالم، إلا أنها فشلت داخل زنازين سجونها في كشف مخطّط صالح ونعمان.إنّ نجاح نعمان وصالح في عملية التبديل، ثم استمرار كلّ واحدٍ منهما باسم الآخر لشهورٍ طويلةٍ، برفقة أسرى يعرفون الحقيقة، وعددهم ليس بالقليل، يؤكّد مستوى السلامة الأمنية للزنازين التي جرت فيها العملية. "

في شهر أيار/ مايو من العام 1969، تمكّن الاسير محمود عبد الله مصطفى حماد من ضرب الشاويش في سجن رام الله والانطلاق نحو سور السجن والقفز عن السياج ليصل الى الشارع. فقضى محمود تسعة شهور مطاردا في جبال سلواد (من 11/1969 الى 8/ 1970) ثم قرّر الانتقال الى الأردن.

خلال عمليات الهروب الجماعية، استخدم الأسرى أساليب مختلفة، منها حفر الأنفاق من غرفة في السجن الى الخارج، أو قص قضبان نافدة في الغرفة والتسلل منها الى الخارج، أو الجمع بين عدة أساليب كما فعل ثلاثة أسرى، خليل مسعود الراعي وشوقي أبونصيرة وكمال عبد النبي، في العام 1987، الذين هربوا من سجن نفحة، وكان الهروب من سجن غزة المركزي قد شجعهم على مواصلة التفكير بالهروب والتحضير له. استغلّ الأسرى حالة الفوضى بالسجن بسبب أعمال البناء والتوسيع، فقصوا الأسلاك الشائكة وتنكروا بملابس العمال وخرجوا الى الحرية. اتجهوا الى قطاع غزة، حيث مكثوا ثمانية أيام، قبل أن تقترح عليهم قيادة حركة فتح التوجه الى مصر "خوفا من إعادة اعتقالهم". لكن تم اعتقالهم وهم في طريقهم الى معبر رفح.

يعتبر الهروب من سجن غزة المركزي، يوم 17/5/1987، من أجرأ عمليات الهروب التي حصلت، في السجون الصهيونية، لا سيما وأنها شملت ستة أسرى، معظمهم محكومين بالمؤبدات، وكانت بقيادة الشهيد مصباح الصوري، القيادي في "حركة الجهاد الإسلامي"، الذي كان قد هرب سابقا من السجن وكان قد أعلن أنه سيهرب مرة أخرى، كما فعل حمزة يونس قبله.

يروي الشيخ عبد السلام أبو السرهد (موقع فلسطين اليوم، غزة) تفاصيل عملية الهروب الجريئة، ويقول "إنه في يوم الجمعة 17/5/1987 وكان اليوم التاسع من رمضان، حصل الشهيد مصباح الصوري على نصف منشار حديد خلال زيارة أحد المجاهدين له. بدأ بوضع خطة للهروب، ومع بعض أخوانه، بدأوا العمل لمدة ثلاثة أيام متواصلة. فتم قص الشباك، دون أن يشعر أحد من الأسرى الآخرين في قسم "العنبر"، في اليوم الثاني عشر من رمضان، رغم الصعاب التي واجهتهم، حيث كان قسم المخابرات أسفل الغرفة التي كانوا معتقلين فيها، وكان هناك أبراج تطل على النافذة، طلب الشهيد مصباح الصوري من بعض المعتقلين ذوي المحكومات العالية من الهروب معه. في الساعة الثانية عشر ليلا، بدأ الجنود يحتفلون بعيدهم بشرب الخمور والرقص، وفي الساعة الواحدة ونصف سكتت كافة الأصوات، وبدأ مصباح ورفاقه الهروب واحدا تلو الآخر، وهم يرددون قوله تعالى {وجعلنا من بين أيديهم سدا وخلفهم سدا، فاغشيناهم فهم لا يبصرون}. أول من تمكن من الخروج كان صالح اشتيوي، ثم تبعه مصباح الصوري، ثم سامي الشيخ خليل، ثم محمد الجمل، وعماد الصفطاوي، وخالد صالح.. تم اعتقال صالح اشتيوي بعد اسبوع من العملية. تجمّع المجاهدون فوق سطح مطبخ السجن وذهبوا باتجاه باب المخابرات والشرطة العسكرية، النقطة الأكثر خطورة، الى أن وصلوا للمنطقة الشرقية للمبنى التي كانت مزروعة باشجار الكينا. اعتلى المجاهدون الأشجار لمسافة تجاوزت السبع أمتار واستعانوا بالأغصان في عملية النزول على الأرض. لم يكتشف الاحتلال عملية الهروب إلا في السادسة صباحا، أي بعد أربع ساعات من خروجهم الى شوارع غزة".

تكمن أهمية عملية الهروب من سجن غزة المركزي بأنها حرّرت المجاهدين الذين سيكون لهم دورا بارزا في إشعال الانتفاضة، من ناحية، وبأنها رفعت معنويات الجماهير الفلسطينية التي التفت حول المقاومين، وأثبتت لهم أن الانتصار على المحتل ممكنا، إذا توفرت الإرادة، من ناحية أخرى.

الوسيلة الأخرى للهروب تجسّدت في حفر الأنفاق، من الغرفة في السجن الى الخارج، وقد نفذتها عدة مجموعات حاولت الهروب، من سجون مختلفة. في العام 1996، اجتمع 16 أسيرا من حركة حماس في غرفة واحدة في سجن عسقلان، بقيادة الأسرى الخمسة المحكومين بالمؤبد، محمود عيسى ومحمود عطون وموسى عكاري وعبد الناصر عيسى وماجد أبو قطيش، للعمل من أجل الهروب. قرّر الأسرى حفر نفق من غرفتهم الى خارج السجن، وعملوا ليلا نهارا طيلة أسابيع ووصلوا الى حفر 17 مترا، وكادوا أن يصلوا الى خارج السجن، لكن اكتشف الصهاينة النفق، بسبب الرمال التي أغلقت شبكة المجاري. رغم فشل المحاولة، ابتكر الأسرى عدة وسائل للحفر والتهوئة والتمويه، ما يدلّ على قوة إرادتهم وتصميمهم.

في العام ذاته، خطّط الأسيران غسان مهداوي وتوفيق الزبن لعملية الهروب من سجن كفريونا. كان الأسير غسان مهداوي قد نقل من سجن جنيد الى سجن كفريونا وفقا للترتيبات التعلقة باتفاقيات أوسلو. حفر الأسيران نفقا من السجن الى الخارج، وبعد 4 أشهر من العمل الشاق، تحرّرا في يوم 4/8/1996.

أحدث عملية الهروب صدمة كبيرة في كيان الاحتلال، وهزّت منظومته الأمنية الخاصة بالسجون بحيث عنونت الصحافة الصهيونية "المخربون يسخرون من السجانين". أمضى غسان مهداوي شهرين مطاردا في رام الله قبل اعتقاله من قبل السلطة الفلسطينية وزجه في سجن أريحا، ثم اعتقلت توفيق الزبن. بعد شهور، اطلق سراحهما بشرط البقاء في مدينة أريحا. ثم خطفت القوات الخاصة الصهيونية غسان في مدينة طولكرم وأعادته الى السجن في العام 1997، واعتقلت توفيق في العام 2000.

حاول 24 أسيرا من حركة حماس الهروب من سجن شطة في أيار/ مايو من العام 1998، عبر حفر نفق طوله 20 مترا، استمر الحفر طيلة 77 يوما. وقد روى الأسير المحرّر بصفقة "وفاء الأحرار" عبد الكريم حنيني مطولا هذه المحاولة التي كادت أن تنجح، حيث أصبح بعض الأسرى خارج النفق، إلا أن صوت الحذاء على الحصى أيقذ كلاب الحراسة. ويروي أحد الأسرى، عباس شبانة، كيف تم الكشف عن العملية وإعادتهم الى السجن.

في صباح يوم 12 أيار/مايو من العام 2003، تمكّن الشهيد رياض خليفة والأسير المحرر أمجد الديك والشهيد خالد شنايطة حفر نفق يخترق به جدران سجن عوفر، في الضفة الغربية. ذكر الأسير المحرر أمجد الديك أنهم حفروا النفق بالملاعق وأظافرهم على مدار 17 يوما، وكان طوله 15 مترا.

ظل الأبطال مطاردين حتى يوم 14/12/2003، حين حاصرتهم قوات الاحتلال في أحد مغارات بلدة كفر نعمة. فرفض الشهيد رياض خليفة الاستسلام وقاوم حتى الاستشهاد، وتم اعتقال أمجد الديك، في حين استطاع خالد شنايطة الإفلات من الحصار ومواصلة الجهاد، الى أن استشهد في العام 2006 في مواجهة الاحتلال.

ذكرت "موسوعة شهداء من فلسطين" أن الشهيد رياض خليفة، من كفر نعمة بمحافظة رام الله، كان يتصف بالجرأة منقطعة النظير، "فإذا اقتنع بشيء صمّم على تنفيذه مهما تكن العوائق" وكان قلبه كبيرا وحنونا. وعن مشواره الجهادي، ذكرت الموسوعة أنه شارك في الانتفاضة واعتقلته سلطات الاحتلال للمرة الأولى عام 1989، ثم انضم بعد خروجه من السجن الى مجموعة عسكرية تابعة لحركة الجهاد الإسلامي، حيث نفّذ من خلالها العديد من العمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال. فتم اعتقاله وحكم عليه بثمانية أعوام من السجن. بعد خروجه من السجن، واصل جهاده وأصبح قائدا لسريا القدس في منطقة رام الله. اعتقل مرة أخرى، فقرّر الهروب.

في مقابلة صحفية معه، ذكر الأسير المحرر أمجد الديك، أنه فرض عليه وعلى كافة الأسرى الذين يتم اعتقالهم بعد الهروب، بطاقة حمراء لتمييزهم عن باقي الأسرى وفرض عليهم إجراءات عقابية إضافية، كالتنقل الدائم بين السجون حيث يقول "لم يسمح لي البقاء في سجن أكثر من عام واحد، وداخل السجن كنت أُنقل كل ستة أشهر من القسم". ويضيف أن "صاحب البطاقة الحمراء في السجن له إجراءات خاصة، ويعيش حالة عدم استقرار مستمرة بسبب تنقلاته الدائمة، ومجرد رؤية الشرطي للبطاقة يسمح له القيام بأي إجراء قمعي وعقابي بحق السجين، إلى جانب تفتيش "برش" الأسير أسبوعيا، وعلى عكس باقي الأسرى يخرج لزيارة الأهل مقيد اليدين".

يضيف أن "هناك أكثر من مئة أسير فلسطيني يحملون البطاقة الحمراء في سجون الاحتلال، وجميعهم متهمون بمحاولة الهرب، ومن بينهم عدد من الأسرى اتهموا بحفر نفق أسفل مرحاض في سجن جلبوع العسكري شمال فلسطين المحتلة عام 2014، وينتمون لحركة الجهاد الإسلامي أيضا." ما يؤكد أن محاولات الهروب مستمرة وأنها تشمل كافة السجون.

من خلال متابعة سيرة الأسرى الذين هربوا من السجون الصهيونية، اتضح أن معظمهم واصلوا المقاومة، كما فعل الأبطال الشهداء الذين هربوا من سجن غزة المركزي (مصباح الصوري، سامي الشيخ خليل، محمد الجمل) أو رحلوا الى خارج فلسطين لمتابعة نضالهم، كما فعل حمزة يونس. لاحقت قوات الاحتلال الهاربين من سجونها واغتالت بعضهم وأعادت اعتقال البعض الآخر، طالما لم يخرجوا من فلسطين. واستغل العدو علاقاته الدولية وتغلغله في بعض الدول الغربية لتنفيذ اغتيال من استطاع الإفلات منه، كما حصل مع الشهيد عمر النايف، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

يمثل هروب الأسرى من السجون الصهيونية مواصلة المعركة ضد الاحتلال من داخل السجن، بأدوات ووسائل أخرى، يبتكرها الأسير رغم الإمكانيات المحدودة والقمع المنهجي الذي يلاحق الأسرى. يوظّف الأسير كل قدراته الذهنية لتنفيذ حلم الحرية، ليس من أجل الإستمتاع بحياة هادئة، حيث لا مكان للهدوء والراحة في ظل الاحتلال والنهب والقتل، بل ليولصل المقاومة من الخارج.  وأثبت الأسرى الهاربون من سجون العدو أن منظومته الأمنية هي فعلا "بيت العنكبوت"، لكن المتوهمون والمهزومون نفسيا، والمطبّعون معه، يروّجون عكس ذلك، ليمنعوا الشعوب من الانتفاضة والثورة ضد الظلم.



1

2

انشر عبر
المزيد