صحافة العدو

فلسطينيون يعبرون إلى (الداخل الفلسطيني) من ثغرة في الجدار... "هذه شواطئ فلسطين"*

11 آب 2020 - 11:12 - الثلاثاء 11 آب 2020, 11:12:40

وكالة القدس للأنباء - متابعة

كانت نهاية الأسبوع الماضي فريدة جداً بالنسبة لسهام وأولادها الخمسة من قرية بلعين في الضفة الغربية. اجتازت العائلة جدار الفصل ووصلت إلى شاطئ بحر يافا. “لم ير أولادي البحر على الإطلاق”، قالت سهام. “فهم بالنسبة لهم وصلوا إلى أفضل الأماكن جذباً في العالم. ملامسة المياه المالحة واللعب بالرمال، هذا هو الاستجمام الرخيص جداً الذي يحلمون به ويمكن تقديمه لأولادي.في نهاية الأسبوع، اجتاز الجدار إضافة إلى سهام آلاف الفلسطينيين الذين وصلوا إلى شاطئ البحر. جاء معظمهم إلى يافا، وكثير منهم استحم في “هرتسليا” وحيفا وأماكن أخرى. وربما وجد يهود "إسرائيليون" صعوبة في التفريق بين عائلات من نابلس وطولكرم وعائلات من أم الفحم وكفر قاسم. ولكن الحديث يدور عن مجموعات سكانية مختلفة تعدّ زيارة البحر لهم أمراً نادراً ويكتنف الطريق إليه عدد لا يحصى من الصعوبات.

لقد وصلنا إلى قرية بدو (قرب “هار أدار”) واجتزنا الجدار من ثغرة فيه. لا يوجد هناك حاجز أو أي شيء”، قالت إيناس التي ذهبت مع أولادها الثلاثة إلى شاطئ يافا. كان بانتظارنا حافلة في الطرف "الإسرائيلي". دفعت ثلاثين شيكلاً وذهبنا إلى يافا. قالوا لي يجب عليّ أخذ كمامة وطعام معي. لم يكن هناك أي شيء خطير. فوجئت عندما رأيت اليهود (الجنود) وهم ينظرون إلينا دون إزعاج”. قالت إيناس إنها هي وزوجها لم يذهبا إلى البحر منذ سنوات وأن أولادها الصغار لم يروه على الإطلاق. “انتظروا هذه اللحظة”، قالت. وحسب قولها: “تركتنا كورونا في ضائقة اقتصادية، ويبدو أن الاقتصاد في "إسرائيل" بحاجة إلينا الآن. لا توجد في رام الله متنزهات مفتوحة أو برك سباحة أو حديقة حيوانات. هل تعرف كم تكلف البركة في فندق بأريحا؟ من لديه المال لذلك؟ وهل هناك أفضل من البحر؟.

  قال فلسطينيون كثيرون إنهم يعرفون ثغرات في الجدار، منها ثغرة في قرية فرعون وشويكة قرب طولكرم، وقرية بدو. وثمة ثغرة قرب معبر “ميتار” يمكن لأربعة أشخاص الدخول من خلالها في الوقت نفسه. وعلى هامش الشارع المؤدي من المعبر إلى جنوب جبل الخليل تقف سيارات كل بضع دقائق، ومنها يخرج شباب يحملون حقائب. أحدهم ابن 16 سنة، قال إنه يمر عبر ثغرة للعمل في "إسرائيل" بعد أن أنهت كورونا أماكن العمل في الخليل. وقال إنه ينوي المبيت في "إسرائيل" وإيجاد عمل حين يصل. وقال شاب آخر إنه عمل في السابق بتصريح في "إسرائيل"، لكنه لم ينجح في تجديده عند وقف التنسيق بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية. عبر هو وأولاده الصغار الذين رافقوه إلى العمل من خلال الثغرة. “ببساطة، الجنود لا يهتمون. ويمكنهم وقف ذلك في لحظة”، قال شخص ما.

في الطرف الثاني تنتظر سيارات مع سائقين معظمهم من عرب إسرائيل، ينقلون العابرين إلى غاياتهم. ينتظر عدد منهم أحياناً لدقائق كثيرة في الطرف الفلسطيني للجدار، في منطقة يراهم فيها الجميع. أحد الشباب يرتدي ملابس بالية ويحمل حقيبة صغيرة، قال إنه يمر عبر الثغرة بهدف الاستجمام. “ينقلوننا من الطرف الثاني إلى بئر السبع ومن هناك نواصل، ربما نصل إلى يافا”، قال الشاب.

وقفت مستوطنة من المنطقة في الشارع الرئيسي، وقالت: “كل يوم أشاهدهم وهم يخرجون بجموعهم”، وأضافت: “أبلغت بما يحدث مرات عدة، ولكن لا أحد يهتم”. وقف إلى جانبها رجل فلسطيني كبير السن يعمل في بيافا بمجال البناء، وراح يناقشها: “هل تعرفين كيف أعيش؟ هل تعرفين أن لي حفيداً مريضاً ولا مال أملكه لعلاجه؟”، قال بغضب. “ولكن هذه حدود”، قالت له. فأجابها: “هي عندي لا تعدّ حدوداً.

كانت بداية العبور بعد انتهاء عيد الأضحى في الأسبوع الماضي، بعد أن شاهد الفلسطينيون الذين اجتازوا الجدار بأن الجنود لا يمنعون ذلك. انتشرت الشائعات وجعلت جمهوراً كبيراً يصل إلى الشاطئ في نهاية الأسبوع ويوم أمس. بعد معرفة أن الآلاف اجتازوا الجدار، راح كثيرون من الضفة الغربية يتساءلون عن سبب عدم الجيش "الإسرائيلي" ذلك. قال عارف شعبان من جنين، الذي نظم رحلات للفلسطينيين إلى شاطئ يافا وشاطئ “هرتسليا”، إن الجنود لم يعوقوا من اجتاز الجدار. “في حالات كثيرة ساعد الجنود الناس في العبور أو فتحوا الجدار”، قال للصحيفة. ” شاهد الجنود أن الأمر يتعلق بعائلات مع بالونات سباحة وكرات مائية وسلال طعام، ولا توجد معهم قنابل”. وأضاف شعبان بأنه نشر على صفحته في “فيسبوك” قيامه بتنظيم رحلات. “نسجل الأشخاص وبعد ذلك نخرج حافلة أو حافلة صغيرة إلى الثغرة المفتوحة التي في الجدار”. وقد وصف شعبان ذلك: “نجتاز الثغرة، وثمة حافلة في الطرف الثاني بانتظارهم تقلهم إلى شاطئ البحر ثم تعيدهم”. وافق شعبان على نقل العائلات فقط، وأخذ 150 شيكلاً من كل راكب.

وقال فلسطينيون آخرون، كانوا تحدثوا مع “هآرتس”، إنهم تفاجأوا من سلوك قوات الأمن "الإسرائيلية". “شاهدنا جيبات الجيش، لكننا فعلياً لم نشعر بأي تهديد، بل العكس”، قال أحدهم، وأضاف: “في المساء عند عودتنا، وكان قد حل الظلام، كانت هناك حالات أشعلوا فيها الأضواء كي لا نضل الثغرة في الجدار”. والجيش "الإسرائيلي" رفض الرد على ذلك.

وقال أحد سكان نابلس، الذي كان شريكاً في تنظيم الرحلات إلى شاطئ يافا، إن العملية لم يتم تنسيقها مع أي جهة رسمية، سواء "إسرائيلية" أو فلسطينية. “الناس ببساطة ملوا وأرادوا الذهاب إلى البحر”، قال. وهو مثل فلسطينيين آخرين، نسبوا العبور الحاشد إلى احتجاج على القيود التي فرضتها السلطة الفلسطينية. “تفرض الحكومة الفلسطينية الإغلاق، و"إسرائيل" -كما يبدو- معنية باستقبال آلاف الفلسطينيين كي تثبت للسلطة بأنها لا تسيطر عليهم”، قال، وأضاف: “في الحقيقة، فضل الآلاف الاستخفاف بالجميع والخروج. هناك دائماً من يأخذ دور المنظم الذي يساعد الناس على الوصول إلى هدفهم.

لم توجه السلطة الفلسطينية أي انتقاد لعبور الجدار والذهاب إلى شاطئ البحر. ولكنها ظنت أن الأمر يتعلق برسالة تحد لهم من إسرائيل، حسب قول موظف فلسطيني. “هم يريدون أن يثبتوا لنا بأنهم يدخلون السكان المدنيين سواء بتنسيق أم بغيره”. وفي محادثة مع “هآرتس”، قال الموظف إن "إسرائيل" تفضل السماح للفلسطينيين بالدخول “حتى بالمخاطرة بتفشي كورونا رغم أنهم عرفوا مسبقاً أن الفلسطينيين لن يخالطوا "الإسرائيليين". إضافة إلى ذلك، بدلاً من أن يستجم الفلسطينيون في الضفة ويدفعوا الأموال هناك، فضلوا صرف الأموال في "إسرائيل"، حتى لو لم يتعلق الأمر بمبالغ كبيرة”. في الضفة الغربية ما زالوا يفرضون الإغلاق كجزء من وضع الطوارئ الذي أُعلن عنه في محاولة لمواجهة كورونا، لكن كثيراً من الفلسطينيين يعتقدون أن لا مبرر لإغلاق المواقع في السلطة في الوقت الذي يتوجه فيه الآلاف إلى "إسرائيل".

وقال الفلسطينيون الذين وصلوا إلى يافا إنهم لم يخافوا من التجول في المكان، وشعروا بالراحة حتى عند رؤية رجال الشرطة. وتجار، من بينهم من سكان شرقي القدس، وضعوا بسطات على الشاطئ للكسب من الحضور المفاجئ. “جئنا إلى الشاطئ دون تصريح”، قال أحد سكان الضفة الذي وصل إلى الشاطئ مع امرأة عجوز. “لقد غضوا النظر أو أن ذلك لا يهمهم. من الذي يهمه ذلك. الأساس هو أننا وصلنا إلى هنا وكان الأمر ممتعاً. بالنسبة لي هذه شواطئ فلسطين.

---------------------  

*العنوان الأصلي للمقال: فلسطينيون يدخلون "إسرائيل" تحت أنظار جيشها.. غاية اقتصادية أم رسالة بختم تل أبيب لقيادة السلطة الفلسطينية؟

بقلم: جاكي خوري وهجار شيزاف

المصدر: هآرتس 10/8/2020

انشر عبر
المزيد