الدولة الواحدة و"فن الممكن"

29 تموز 2020 - 10:27 - الأربعاء 29 تموز 2020, 22:27:25

بقلم: راغدة عسيران

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن خيار "الدولة الواحدة" في فلسطين المحتلة، كحلّ للصراع العربي – الصهيوني، بعد التصريح الذي أدلى به عمر الرزاز، رئيس الوزراء الأردني، الى صحيفة بريطانية، معربا عن استعداد الأردن لتأييد "حلّ ديمقراطي لدولة واحدة".

ماذا تعني "الدولة الواحدة" أو "الدولة الواحدة الديمقراطية؟"

ما هي الأسباب التي جعلت أصوات فلسطينية تطرح شعار "الدولة الواحدة"؟

وهل تغيّر محتواها مع مرور الزمن؟

يشير الكاتب والسياسي الفلسطيني فيصل حوراني (الفكر السياسي الفلسطيني 1964-1974) الى أن حركة فتح هي التي طرحت هذا الشعار لأول مرة، في أواخر الستينيات من القرن الماضي، تحت مسمى: "الدولة الديمقراطية"، حيث لم تكن مسألة "حلّ الدولتين" (فلسطين الى جانب "إسرائيل") مطروحة. كانت تعني أن الدولة الفلسطينية الممتدة على كل الأراضي الفلسطينية، بعد تحريرها من الصهيونية والإمبريالية بالكفاح المسلح، ستوافق على وجود اليهود فيها، الذين جاؤوا اليها كمحتلين والذين كانوا يعيشون في فلسطين قبل العام 1947 (والذي اعتبرهم "الميثاق الوطني الفلسطيني" فلسطينيين).

لم تتمكن حركة فتح من تثبيت طرح "الدولة الديمقراطية" في المجلس الوطني في دورته السادسة (القاهرة، 1969)، بسبب معارضة أكثرية الأعضاء، كونه طرح "غير واقعي" من جهة، ولأنه "مخالف للميثاق الوطني الفلسطيني الذي أكّد أن السيادة على فلسطين بكاملها هي لأهلها الفلسطينيين العرب"، من جهة أخرى، كما أن "بعض ممثلي (حركة فتح) في المجلس أنفسهم لم يتحمسوا له".

غير أن الدورة الثامنة من المجلس الوطني (القاهرة شباط/فبراير 1971) أدخلت الفقرة التالية، رغم تحفظ عدد من أعضائها: "أن الكفاح الفلسطيني المسلح ليس كفاحاً عرقياً أو مذهبياً ضد اليهود..  ولهذا، فإن دولة المستقبل في فلسطين المحررة من الاستعمار الصهيوني هي الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي يتمتع الراغبون في العيش بسلام فيها بنفس الحقوق والواجبات ضمن إطار مطامح الأمة العربية في التحرر القومي والوحدة الشاملة". فالدولة الواحدة هي الدولة الفلسطينية المحرّرة من الصهيونية، التي تنتمي الى الأمة العربية الطامحة الى التحرر والوحدة.

قد يكون رفع شعار "الدولة الديمقراطية" باكراً من قبل حركة فتح، محاولة للتقرب من المحور الإشتراكي والتقدمي في العالم، وخوض معركة إعلامية لإبعاد اليهود في العالم عن الكيان الصهيوني، ودعم الحركات اليسارية اليهودية العربية التي دخلت في مواجهة مع المؤسسة الصهيونية في تلك الفترة. تبنّت لاحقا بعض الفصائل والأحزاب والشخصيات الفلسطينية هذا الطرح ودافعت عنه كخيار استراتيجي لاثبات أخلاقية الثورة المتسامحة مع  "المهزومين" الظالمين سابقا، وكانت قد تجاوبت مع الأسئلة المطروحة من قبل الأصدقاء في العالم حول مشروع الدولة المقترحة بعد التحرير: هل ستكون كالجزائر التي تخلّصت من المستعمرين أم أن لليهود المستعمرين وضع خاص يجب التفكير في مستقبلهم وتقديم حلّ "أخلاقي" و"إنساني" لهم ؟

لم تطرح فكرة "الدولة الواحدة" مجدّدا إلا بعد اتفاقيات "أوسلو" في التسعينيات من القرن الماضي وفشل "حلّ الدولتين"، لكن بصيغ مختلفة، حيث لم تعد مسألة تحرير فلسطين مطروحة، وقد تخلت عنها بعض الفصائل الفلسطينية التي ركّزت على إقامة الدولة في الجزء "المحرّر"، أي الضفة الغربية بما فيها "القدس الشرقية" وقطاع غزة. 

فجاء طرح "الدولة الواحدة" مختلفا تماما عن "الدولة الفلسطينية الديمقراطية"، حيث لم تعد هذه الدولة فلسطينية يعيش فيها اليهود كمواطنين لهم حقوق وواجبات، بل مشتركة ("فلسطين – إسرائيل") مع اليهود المستعمرين، كما هو الحال في دولة إفريقيا الجنوبية التي تخلّصت فقط من نظام الفصل العنصري، وليس من المستوطنين الأوروبيين، إذ أصبح الجميع، المستعمرون والسكان الأفارقة الأصليون والمهاجرون الآسيويون مواطنين يتمتعون بالمساواة المدنية والسياسية، بغض النظر عن الأوضاع الاقتصادية والقانونية الموروثة عن النظام القديم (الأملاك المنهوبة مثلا). ولم تعد هذه الدولة "محرّرة" بالكفاح المسلّح، بل قائمة على تفكيك الصهيونية بالنسبة للبعض (دون تحديد كيفية تفكيك الصهيونية وأجهزتها الأمنية)، وعلى ضغط المجتمع الدولي غير الراضي عن ممارسات الاحتلال إزاء الفلسطينيين، للبعض الآخر. أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية وغيرها من الرسميين العرب، فطرح "الدولة الواحدة" مجرد تهديد لفظي لحث الصهاينة على تطبيق "حلّ الدولتين" كي لا يصبح الفلسطينيون أكثرية سكانية في "إسرائيل" التي ستصبح "الدولة الواحدة" من جراء الاستيطان والضمّ.

المشترك بين الذين يطرحون "الدولة الواحدة" هو اعتبار أن الجمهور "الإسرائيلي" سيتحوّل الى جمهور مسالم سيوافق يوما ما على مشاركة الأرض والسلطة مع أصحابها الأصليين. فهم يشرعنون أيضا استيلاء الصهاينة على الأرض الفلسطينية، مبدين استعدادهم لبدء "صفحة جديدة" معهم، إن اعترف الصهاينة بظلمهم "الماضي". كما أنهم يشتركون في إنكار وجود المقاومة الفلسطينية والعربية المسلحة التي تردع الكيان الصهيوني. في معظم أدبياتهم، لا يبنون تحليلاتهم واقتراحاتهم على أساس وجود مقاومة مسلحة، وكأن الفعل المقاوم المسلّح غير مجدي لهم، بل معرقل للحلّ الذي يطرحونه. المشترك الآخر بين طارحي "الدولة الواحدة" هو التفكير في بناء الدولة، وليس في عملية التحرير، حيث اختفت هذه الكلمة من قاموسهم عند التطرق الى فلسطين، مع استخدام البعض لها في حديثه عن دول عربية. "الدولة الواحدة" هي "دولة كل مواطنيها"، الفلسطينيين الى جانب المستوطنين، الذين سيتشاركون هذه الأرض المجردّة من تاريخها الحقيقي ومن مقدّساتها ومن جغرافيتها العربية، ويبقى مصير اللاجئين الفلسطينيين غير معلوم في هذه الدولة: هل سيعودون الى وطنهم ؟ الى أرضهم وأملاكهم ؟ هل سيتقاسمونها مع المستوطنين ؟

ينطلق تفكير داعمي "الدولة الواحدة" من فشل "حل الدولتين" التي تبنّته قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" في صراعها مع الكيان الصهيوني، أي أنهم يبنون اقتراحهم، بعد تغلغل الصهاينة في الضفة الغربية المحتلة، على استحالة التحرير والاكتفاء ب"الممكن"، وفقا لنظرية "فن الممكن" الغربية، التي انتقدها القائد المجاهد زياد النخالة، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. مقابل "فن الممكن" الذي يقود الى تنازلات لا نهاية لها، بسبب اختلال موازين القوى، لقد دعا القائد زياد النخالة الى تحويل "الممكن الى فرصة طالما لدينا استعداد للتضحية ووضع الخصم/ العدو في موقف دفاعي" و"قلب ميزان القوى لصالحنا إذا امتلكنا القليل من الامكانية والكثير من الإرادة والاستعداد للتضحية". ترتكز دعوة القائد النخالة على ما حققته المقاومة في قطاع غزة المحاصر (وفي مخيم جنين)، الذي يرفض الاستسلام أمام موازين القوى، ويضع أمامه هدف التحرير، في حين يرتكز طرح "الدولة الواحدة" على الاستسلام أمام التغوّل الصهيوني الذي جعل من الأرض الفلسطينية مستعمرة صهيونية، واستبعاد الكفاح المسلّح لاسترداد الحق الفلسطيني الخالص.

انشر عبر
المزيد