خارطة فلسطين يحدّدها التاريخ وتجسّدها المقاومة

23 تموز 2020 - 02:28 - الخميس 23 تموز 2020, 14:28:26

فلسطين.. كل فلسطين.. من النهر الى البحر ومن الناقورة الى ام الرشراش
فلسطين.. كل فلسطين.. من النهر الى البحر ومن الناقورة الى ام الرشراش

بقلم: راغدة عسيران

قبل أيام، ألغت الشركتان الأميركيتان "غوغل" و"آبل" اسم فلسطين عن الأراضي المحتلة التي تديرها السلطة الفلسطينية، أي الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي تسمى "دولة فلسطين"، وحدّدتها بخطوط رمادية متقطعة، لتشير الى أن الحدود التي تفصل بينها وبين الكيان الصهيوني "حدود متنازع عليها". خلافا لما تم تداوله في الإعلام، الفلسطيني والعربي وحتى الدولي. لم تلغِ الشركتان خارطة فلسطين، إذ كانت ملغّية سابقا، بل ألغت اسم "فلسطين" عن الأراضي التي تديرها السلطة الفلسطينية، والتي لا تشمل إلا على أقل من ربع مساحة فلسطين التاريخية.

خارطة فلسطين في الوجدان الفلسطيني والعربي هي الخارطة التي سبقت إقامة الكيان الصهيوني على 78% من أراضيها، وهي التي ركّزت عليه الردود الشعبية على هذه الإزالة، أي الوطن بكامله، من البحر الى النهر، ومن إم الرشراش الى الناقورة. الخارطة الفلسطينية الحقيقية، والتي ألغتها معظم الخرائط في دول العالم، وحتى في الدول "الصديقة" (التي اعترفت بالكيان الصهيوني)، منذ العام 1948، هي الخارطة التي ترفض وجود الكيان الصهيوني، بل تطلق الأسماء العربية على المدن والبلدات والجبال والوديان والأنهر في الجزء المحتل منذ العام 1948، وهي الخارطة الموجودة في قلوب أبنائها وأبناء الأمة والتي انتشرت ردا على إزالة اسم فلسطين، والتي تنشر يومياً على المواقع الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي. فعلى هذه الخارطة، لا وجود لأي مستعمرة صهيونية، حتى وأن أقيمت قبل 1948، كون المستعمرات اليهودية المقامة على أرض فلسطين غير شرعية، أساساً.

ما أقدمت عليه الشركتان الأميركيتان بحذف اسم فلسطين عن خارطة المنطقة يُعدّ ترويجا لـ"صفقة القرن"، الذي تزيل الكيانية الفلسطينية التي حدّدتها اتفاقيات أوسلو، أي "دولة فلسطين" الى جانب الكيان الصهيوني. واعتبرت الشركتان أن "صفقة القرن"، التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونلد ترمب في بداية هذا العام، قد ألغت القرارات الدولية والاتفاقيات السابقة، ولم تحدّد بعد "حدود فلسطين الترامبية الصهيونية". لقد أغضب هذا الترويج لصفقة القرن الكل الفلسطيني، ولكن لأسباب مختلفة.

غضب أركان السلطة الفلسطينية لأن الخارطة ألغت حدود كيانها، رغم أن الخرائط الصهيونية كانت قد ألغت هذه الحدود سابقا، حيث لم يعد هناك "خط أخضر" إلا على خرائط تتداولها جمعيات صهيونية مناهضة لاحتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، أو الأحزاب العربية التي تعترف بإقامة الكيان الصهيوني عام 1948 وتدعو الى "حل الدولتين"، كالحزب الشيوعي "الإسرائيلي"، وعلى الخرائط التي رسمتها السلطة الفلسطينية في مناهجها التعليمية، رغم تبنيّها، من جهة أخرى، الخارطة الكاملة لدى الحديث عن التاريخ، ما قبل النكبة، وهذا ما أغضب اللوبي الصهيوني العالمي.

ولكن كان سبب الغضب الشعبي هو الشعور بأن المؤامرة الصهيو – أميركية متواصلة، عبر المؤسسات الإعلامية الأميركية، وأن إلغاء كلمة "فلسطين" تعني أيضا إلغاء وجود الشعب الفلسطيني المنتمي الى هذه الأرض، ولم يكن دفاعا عن "دولة فلسطين"، كما أظهرته الخرائط التي نشرت، بل دفاعا عن أرض فلسطين التاريخية.

لقد ألغيت خارطة فلسطين التاريخية منذ عقود، لدى معظم الدول في العالم ولدى المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، باستثناء الدول العربية حيث ما زال بعضها يشير الى الأرض المحتلة بكلمة "فلسطين". لكن، كما أكّد الناشطون الذين نشروا خارطة فلسطين الحقيقية، كردّ فعل على تشويه خارطة المنطقة، إزالة كلمة "فلسطين" وخارطة فلسطين في الإعلام الأميركي والعالمي لا يؤثر على وجود الوطن الفلسطيني، كما لا تؤثر عمليات التهويد المستمرة على هوية الأرض المغتصبة.

حاولت بعض المؤسسات الدولية العاملة في الوطن العربي إلغاء خارطة فلسطين التاريخية من المناهج التعليمية العربية واستبدالها بخارطة مبتورة تتضمن الكيان الصهيوني، كما حاولت دول الاتحاد الأوروبي تغيير الخارطة الأصلية حين قدّمت "مساعداتها" المالية لطباعة المناهج المدرسية أو إعادة صياغتها وتحديثها، وكانت قد بترت خارطة فلسطين بسبب "الواقع" و"اعتراف الأمم المتحدة" بالكيان المحتل.

لا يمكن إنكار أن بتر خارطة فلسطين منذ عقود، لا سيما بعد تبنّي خارطة فلسطين المشوّهة من قبل دول عربية عدة، في إعلامها ومناهجها التعليمية ومراكز أبحاثها، منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو، قد ترك أثرا سلبيا على وجدان الشعوب العربية والإسلامية، التي توهمت أن يحلّ "سلام عادل" في المنطقة وأن تزول الصهيونية.

لكن لم يدم هذا الوهم طويلا. في الوقت الذي كان العدو يستغّل هذا الوهم لتوسيع استيطانه على أراضي "دولة فلسطين"، كانت المقاومة تستهدف قلب الكيان الغاصب بعملياتها الجريئة، وكان اللاجئون الفلسطينيون يطالبون بحقهم بالعودة الى أرض الوطن، ما أعاد التأكيد على خارطة فلسطين كما كانت قبل النكبة والاحتلال الصهيوني والتشريد. ثم أكدّت انتفاضة الأقصى في العام 2000 على الخارطة الحقيقية التي استعادتها الشعوب العربية الى جانب الشعب الفلسطيني، والتي تؤكّد أن "إسرائيل" ليست إلا فلسطين العربية التي تحتل جزءا مركزيا في الأمة، ولا يمكن التخلي عنها.

هذا ما أكده القائد المجاهد زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، في المقابلة الأخيرة، بقوله: أن "فلسطين بالكامل هي هدف لصورايخ المقاومة وعملياتها"، أي أن المقاومة تعيد رسم الخارطة الحقيقية لفلسطين، وتجسّدها من خلال صواريخها وعملياتها النوعية.

 

انشر عبر
المزيد