التطبيع مع كيان العدو وصناعة "العربي الجديد"

14 تموز 2020 - 12:56 - الثلاثاء 14 تموز 2020, 12:56:01

من صور التطبيع... مطبعون لمصلحة كيان العدو
من صور التطبيع... مطبعون لمصلحة كيان العدو

بقلم: راغدة عسيران

لا شك أن الغرب الاستعماري، الذي سيطر على المجتمع الدولي، يسعى منذ عقود من الزمن الى تحويل الانسان العربي الى "عربي جديد"، أي عربي مطبّع وفاقد لهويته وتاريخه. ف"العربي الجديد" مرادف "للفلسطيني الجديد" الذي حاول صنعه الجنرال الأميركي كيث دايتون، بعد انتفاضة الأقصى، حيث درّب نخبة من القوى الأمنية في السلطة الفلسطينية على كيفية توجيه السلاح ضد المقاومين الفلسطينيين، وعلى التنسيق الأمني مع العدو، بزعم أن الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية شرعي وأن الدخول الى "النادي الدولي" والاستفادة من أمواله يتطلّب مكافحة "الإرهاب"، أي المقاومة الفلسطينية.

لكن ثمة صنفان من "العربي الجديد"، صنف تم تصنيعه في أميركا وصنف آخر تم تصنيعه في أوروبا. يشترك الصنفان في تجريم المقاومة واعتبارها "إرهاب"، وفقا لتصنيف الولايات المتحدة التي مارست الإرهاب ضد الدول والشعوب، دون حساب، منذ نشأتها، كما يشتركان في شرعنة وجود الكيان الصهيوني، رغم اختلافهما على حدوده ودوره في المنطقة.

يمتاز الصنف المصنّع في أميركا، ببثّه في الآونة الأخيرة، الكراهية ضد الشعب الفلسطيني المقاوم والمجاهد، الذي حمل السلاح منذ بداية الاستيطان الصهيوني على أرضه وواجه أكبر دولة استعمارية في العالم، الامبرطورية البريطانية في ذلك الوقت، لمنعها من تسليم وطنه الى الصهاينة، والذي خذلته الأنظمة العربية وتخلّت عنه، وخانته أحيانا. "العربي الجديد" المصنّع أميركيا يتماهى مع كيان العدو، يعادي أعداءه ويصادق أصدقاءه، ينسّق معه لضرب الشعوب العربية والإسلامية ويتبنّى الروايات الكاذبة حول تاريخ اليهود التي يروّجها الصهاينة، اليهود وغير اليهود، في العالم، لتبرير احتلال فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني.

يعقد "العربي الجديد" المصنّع في أميركا صفقات تجارية وأمنية مع المستوطنين، ويكتب المقالات للتعبير عن حبّه لهم، ويهنّئهم بأعيادهم، علنا، ظنا منه أنه يكسر بذلك معنويات الشعوب العربية، ويسعّر كتاباته التي يدعو فيها أيضا الى التطبيع، في بورصة الذل الأميركية. فهو يعمل سمسارا لبيع البيوت المقدسية لليهود، ويزور متاحف الصهاينة التي تزوِّر تاريخ فلسطين، ويشترك معهم في رقصاتهم التلمودية، ويخطط معهم للاعتداء على المقاومة الشريفة، التي تضحي من أجل كرامة الأمة. فربط "العربي الجديد" المصنّع أميركيا مصيره بمصير المستوطنين والمستكبرين في العالم، وهذا ما يؤكده يوميا، في تصريحاته وتغريداته والعقود التي يبرمها معهم.

يعتبر الصنف الآخر من "العربي الجديد" المصنّع في أوروبا، وأحيانا في أروقة الأمم المتحدة ومنظماتها، أن الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين أصبح، مع مرور الزمن، كيانا طبيعيا، وأن مستوطنيه باتوا مواطنين عاديين كسائر مواطني دول العالم، منهم العاطل ومنهم الجيّد، منهم المتطرّف ومنهم الليبرالي والديمقراطي.

فـ"العربي الجديد" شطب فلسطين التاريخية من وجدانه، ومحى من ذاكرته المجازر التي تسبّبت بإقامة هذا الكيان الإستيطاني، وتهجير الشعب الفلسطيني عن أرضه ووطنه، وسرقة أرضه وممتلكاته، وبات ينظر الى الواقع بعيون غربية.

فتبنّى "الشرعية الدولية" المفروضة على الأمة العربية والإسلامية، حيث الاعتراف بالكيان الصهيوني أصبح ملزما لكل من يتطلّع الى الشهرة في الأوساط الغربية، رغم توسعه المستمر على الأراضي العربية، ومنها الأراضي الفلسطينية، ورغم أيديولوجيته العنصرية الإحلالية التي لا ترضى بوجود "الآخر" في الكيان اليهودي إلا مسحوقا وفاقدا لحقوقه الطبيعية، قبل الحقوق الاجتماعية والسياسية، ورغم طبيعته العدوانية والحربية التي لم يتخل عنها منذ زرعه في المنطقة، ورغم أن مجتمعه بكل فئاته السياسية والاجتماعية وبأصولها المختلفة، شرقا وغربا، يشارك في مجهوده الحربي والأمني (الإغتيالات والتجسس) واستيلاءه على الثروات العربية، ورفضه عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم وبلداتهم واستعادة أملاكهم المنهوبة.

"العربي الجديد" المصنّع أوروبيا يقيم علاقات ودية مع زملائه "الإسرائيليين"، دون أي تحفّظ، ويشارك في ندوات عالمية الى جانبهم، يتحاور معهم في الإعلام، فينتقد "التطرّف" في كل مكان وزمان، ويدعو الى التعارف وتكثيف اللقاءات من أجل "السلام". يقيم مقابلات مع صحفيي الكيان الاستيطاني ويصنع أفلاما مع ممثليه، زاعما أن "الثقافة" خارج الصراع، رغم أن كتاباته وأفلامه تعبّر عن انتمائه السياسي، غير أنه، كزملائه الغربيين، يدعي أنّه يعبّر عن الضمير "الإنساني العالمي". يعارض "العربي الجديد" حملات المقاطعة أحيانا لأنها تلحق الأضرار بـ"الشعوب"، غير مكترثا بالوضع في قطاع غزة، الذي يعاني من حصار خانق وقاتل فرضه كيان العدو، والحصار أشدّ من المقاطعة.

يتكلّم "العربي الجديد" عن "المحرقة" وكأن شعبه العربي أو حكومته مسؤولة عنها، ويتنكّر لكل المحارق التي أبادت شعوب غير أوروبية أو التي كانت الشعوب العربية والإسلامية ضحيتها، كون المحرقة بحق اليهود الأوروبيين تعتبر أفظع من غيرها، حسب الصهاينة وأتباعهم، والحديث عنها يرفع من رصيده لدى الإعلام الغربي ويفتح له المجال لدخول "النادي الدولي". يساهم "العربي الجديد" في شيطنة المقاومة بالادعاء أنها تابعة لدول، وأنها وكيلة تنفّذ سياسة دول تسعى الى السيطرة، وكأن الظلم بحد ذاته لا يولّد مقاومة وكأن المقاومة تحارب غير أعداء الأمة، وكأنه هو (العربي الجديد) ليس وكيلا للغرب الاستعماري في المنطقة، ينفّذ سياساته الداعمة للصهاينة وينطق باسمه ويدافع عن نفوذه ضد مصالح الشعوب العربية والإسلامية.

لا يعترف "العربي الجديد" المصنّع أوروبيا بوجود أمة تجمع الشعوب العربية والإسلامية، وأن فلسطين جزء منها، وأن على الشعوب العربية والإسلامية السعي لتحريرها ومد يد العون لإخوانهم الفلسطينيين. استوعب "العربي الجديد" التجزئة السياسية التي أحدثها الغرب الإمبريالي في منطقتنا، واعتبر أن القضية الفلسطينية، وكما لقّنه الغرب، هي قضية دولية لا تحلّها إلا المؤتمرات والحوارات والمفاوضات، وليست قضية عربية داخلية، ولا إسلامية تعني الشعوب الإسلامية. يتضامن "العربي الجديد" مع الفلسطينيين، إذا تضامن، عبر المجتمع الدولي أو عبر المؤسسات الغربية، يدعم حقوق الفلسطينيين كما يدعم حقوق الشعوب كلها، إذ لا يفضّل شعبا على آخر، كما يزعم.

استوعب "العربي الجديد" مقولات الغرب الاستعماري حول "نبذ العنف"، فيدين عمليات المقاومة قبل اعتداءات المستوطنين الصهاينة، ولا يدين أبدا عنف الدول الغربية بحق شعوب العالم، كونه عنف "شرعي" و"مبرّر"، وحول "تقبّل الآخر" (أي الصهاينة المحتلين لفلسطين)، وكأن المعتدي والسارق للوطن هو آخر كبقية الآخرين، في حين لا يجد الغرب الاستعماري مساحة في بلدانه لتقبّل الآخر العربي والمسلم وغيرهما، إلا بعد تجريدهم من هويتهم ليصبحوا أيدي عاملة بحتة. استوعب ايضا مقولة "نبذ العنصرية" الخاصة بالصهاينة (معاداة السامية)، وكأن رفض الظلم والظالمين أصبح عنصرية لدى من صنّف المجتمعات البشرية حسب بشرتها وثقافتها ونمط حياتها، ومن اعتبر أن المجتمعات الأوروبية هي الأرقى في العالم يحقّ لها استعباد البشر.

رغم الضغوط السياسية والمالية، والإغراءات العديدة، ورغم علو صوته، يبقى "العربي الجديد" أقلية نخبوية، يتراجع تأثيرها في المجتمع كلما تقدّمت المقاومة وحقّقت انتصارات على العدو، وكلما علا صوت الأعلام الحرّ ليؤكد على الحق العربي وأحقية المقاومة في إزالة كيان العدو.

انشر عبر
المزيد