سواء بضم أم بغيره: هكذا يتجلى مفهوم "الأبرتهايد" في الضفة الغربية (المحتلة)

10 تموز 2020 - 11:10 - الجمعة 10 تموز 2020, 11:10:47

-
-

وكالة القدس للأنباء - متابعة

مر الأول من تموز دون ضم، وكذلك الأيام التي بعده. ربما نشاهد تبدد السياسة الأكثر جرأة لليمين بالنسبة للنزاع "الإسرائيلي" _الفلسطيني، هي سياسة حذّر كبار من أن تتحول "إسرائيل" إلى دولة "أبرتهايد"..

هل يبدو حقاً أن رفع الضم من على جدول الأعمال سيدفع خطر الأبرتهايد؟ للأسف، لا.

في الأشهر الأخيرة، درست هذه المسألة بعمق. وفي الرأي القانوني الذي كتبته لمنظمة حقوق الإنسان (يش دين) وصلت إلى استنتاج محزن فيما يتعلق بمدى صلة هذا المصطلح بطبيعة السيطرة "الإسرائيلية" على الضفة الغربية. أجل، حتى بدون ضم.

هنالك استخدام متنوع لكلمة "أبرتهايد"، في سياقات مختلفة. معنى هذا التعبير في الحياة العامة لا يطابق معناه في العلوم السياسية وفي التاريخ وفي القانون. إن “أبرتهايد” بمعناه القانوني وصف لطريقة حكم ولجريمة دولية. "الأبرتهايد" تحول من أيدلوجية محددة للحكم، وجدت في مكان وزمن معين في القرن الـ20 إلى مخالفة دولية من نوع الجريمة ضد الإنسانة. هنالك تعريف لجريمة الأبرتهايد والذي تم تثبيته في ميثاقيين دوليين، أحدها ميثاق روما، الذي ينظم نشاط المحكمة الدولية الجنائية في لاهاي.

بالرغم من أن مصدر جريمة "الأبرتهايد" مرتبط تاريخيًا بالنظام العنصري لجنوب إفريقيا، فهو اليوم مفهوم قانوني مستقل، ليس مرهوناً بوجود أيدلوجية عنصرية في أساسه. جريمة العنصرية تعرّف كـ”أعمال غير إنسانية تنفذ في سياق نظام سيطرة وقمع ممنهج لمجموعة عنصرية على يد مجموعة عنصرية أخرى وبهدف الحفاظ على نظام السيطرة والقمع”. وبكلمات أخرى، "الأبرتهايد" هو النظام الذي ينتج بكل الأدوات الواقعة تحت سيطرته -قانون، سياسة، ممارسة– تفوقاً لمجموعة معينه ويفرض دونية على مجموعة أخرى، وبشكل عام تتبدى بتمييز ممأسس في الحقوق والموارد.

خلافاً للاعتقاد الشائع، فإن المجموعة العرقية تحدد في القانون الدولي طبقاً للتصنيفات الاجتماعية–السياسة، وليس البيولوجية–الجينية، ولهذا، فهي تشمل الأصل القومي أو الإثني. إن فرض الدونية على مجموعة كهذه لا تكفي، وشرط تنفيذ هذه المخالفة هو أن التفوق ليس مؤقتاً بل يستهدف الثبات، لهذا فإن القانون الدولي يجرّم أعمالاً تعتبر فيه أعمالاً “غير إنسانية” تنفّذ ضد المجموعة الدونية بهدف الحفاظ على السيطرة عليها.

يجب إطفاء النور ووضع سدادات في الأذن وإغلاق جميع الستائر لتجنب الفهم القائل بأن النظام "الإسرائيلي" في الضفة الغربية (المحتلة) هو نظام "أبرتهايد"، وليس بوسع الضم سوى أن يعمقه ويوسعه. خلال الـ23 سنة الماضية، وضعت "إسرائيل" الضفة الغربية تحت الاحتلال العسكري. إن كل احتلال، بما في ذلك الاحتلال "الإسرائيلي"، هو بطبيعته نظام للسيطرة على البشر الذين يتم تعليق حقوقهم المدنية، فلا يحق لهم الانتخاب أو أن ينتَخبوا، ليكونوا ممثلين في مؤسسات تقرر مصيرهم.

بيد أن "إسرائيل" اختارت توطين المنطقة بمواطنيها. فطوال خمسة عقود ونصف، استوطن فيها مئات الآلاف منهم، والعمل على خلق واقع يظهر بأن ثمة مجموعتين تعيشان تحت النظام نفسه: الأولى ذات حقوق وامتيازات، وقوة سياسية وتمثيل، والثانية لا ليس لها وجود سياسي ما في المؤسسات التي تحكمها.

النتيجة هي بالضبط ما يستهدف منعه حظر إقامة المستوطنات: نقل كل موارد المنطقة إلى المجموعة المحتلة على حساب من تم احتلالهم. هكذا، وعلى مر السنين، فإن 99.76% من الأراضي العامة التي خصصتها الإدارة المدنية في الضفة تحولت لأهداف "إسرائيلية"، وأقل من 0.25% خصصتها لاستخدام الفلسطينيين. هذا الرقم المخيف بحد ذاته يعتبر صادماً أكثر على خلفية حقيقة أن "إسرائيل" بالمقابل سلبت تجمعات فلسطينية أكثر من مليون دونم من الأراضي التي كانت تستخدمها وكانت مخصصة لتطورها.

منذ 1967 أقيم في الضفة 130 مستوطنة (وإلى جانب نحو 100 بؤرة استيطانية) وباستثناء حي للبدو الذين تم إجلاؤهم بالإكراه من منطقة الخان الأحمر ومن مدينة روابي التي سمحت "إسرائيل" للسلطة بإنشائها، لم تنشأ أي أماكن سكنية للفلسطينيين. التجمعات الفلسطينية في المناطق التي وضعت "إسرائيل" عينها عليها بسبب كونها قليلة السكان، تحولت إلى هدف لسياسة تهجير بواسطة عدم إعطاء رخص بناء وأعمال هدم متواصلة (بالأساس جنوب جبل الخليل، وغور الأردن، والشارع الالتفافي الذي يتجاوز القدس).

"الإسرائيلون" يتمتعون بمخصصات مياه سخية وبحقوق للتنقيب عن الموارد الطبيعية وبالسيطرة على الينابيع والمواقع الأثرية والمحميات الطبيعية. إلى جانب كل هذا، أوجدت "إسرائيل" نظام محاكمة مزدوجاً تطبق فيه قانوناً معيناً على الفلسطينيين، وقانوناً آخر على "الإسرائيليين": "الإسرائيليون" يحظون بأجزاء واسعة من القانون "الإسرائيلي" الحديث، في حين يصارع الفلسطينيون تحت أوامر عسكرية قمعية.

وهكذا، ليس للفلسطينيين أي حق في التظاهر، في حين أن للمستوطنين كل الحق. لهذا، فإن "الإسرائيلي" الذي تورط في مشكلة يحاكم في محكمة مدنية يضمن فيها حقه بمحاكمة نزيهه، بينما جاره الفلسطيني المتهم بالمخالفة نفسها يحاكم في محكمة عسكرية ولا تجري بلغته. كما أن "الإسرائيلي" يخرج بحرية إلى خارج البلاد، في حين أن على الفلسطيني الحصول أولاً على تصريح من الجيش. كل سياسة نزع ملكية، وكل ممارسة فصل (مادية و قانونية)، وكل منع للتنمية وأي نقل قسري لفلسطينيين… كل واحدة من هذه تحقق مكون “الأعمال اللا إنسانية” الموجود في تعريف جريمة "الأبرتهايد".

جريمة "الأبرتهايد" استهدفت الدفاع عن قلب الأخلاق الإنسانية كما صيغت بعد الحرب العالمية الثانية: فكرة الإنسانية المشتركة لنا جميعاً. النظام الذي يتنكر لهذه الفكرة ويسعى لتقويضها هو نظام غير شرعي، ويجب إنهاؤه. لسنا جميعاً، نحن "الإسرائيليين"، مذنبين بجريمة "الأبرتهايد"، ولكننا جميعاً المسؤولون عنها، ومن واجبنا وقف الجريمة التي ترتكب باسمنا. من أجلنا ومن أجل الأجيال القادمة، ومن أجل مستقبل قائم على الفكرة اليهودية التي تقول إن كل بني البشر خلقوا على هيئة الإله.

------------------------   

الكاتب: ميخائيل سفارد

المصدر: صحيفة هآرتس العبرية 9/7/2020

انشر عبر
المزيد