إستلهاماً من ماركيز: جائزة «نوبل» في القتل لنتنياهو

09 تموز 2020 - 11:50 - الخميس 09 تموز 2020, 11:50:21

أرئيل شارون ومناحيم بيغن.. "نوبل للقتل"
أرئيل شارون ومناحيم بيغن.. "نوبل للقتل"

بقلم: عبد الله السناوي*

اكتسب الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز قيمته وتأثيره من تضامنه بقوة الضمير مع القضايا الإنسانية العادلة، بقدر نفاذ رواياته بقوة الإبداع إلى عوالم بلده وقارته اللاتينية. انحاز إلى القضية الفلسطينية، من دون أن يطالبه أحد، أو يحاوره أحد، أو يدعوه أحد، هنا أو في أيّ مكان آخر في العالم، إلى أيّ احتفال ببطولة الشعب الفلسطيني في أيّ مسرح تحت رعاية أي وزارة. في كانون الثاني/ يناير (2002) أصدر بياناً باسمه وحده، «لا يوقّع عليه سواي»، لم يأخذ حقّه من الذيوع والانتشار في العالم العربي، رغم قوة منطقه واسم صاحبه.

رغم مضي السنين، فإن نص ماركيز الذي ترجمه عن الإسبانية الكاتب الصحافي الراحل الدكتور أحمد يونس، يكاد يطابق الأجواء الكابوسية التي تحدث الآن في فلسطين المحتلّة.

باستلهامٍ من ماركيز الذي دعا ساخراً ومتألّما إلى منح ما أسماها «جائزة نوبل في القتل» لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" الأسبق آرييل شارون، فإنّه يمكن أن يحصد الجائزة نفسها رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، وهو بمواقفه وسياساته الاستيطانية يعدّ امتداداً لمناحيم بيغن، مؤسّس «الليكود» وأرييل شارون من بعده. «إنه لمن عجائب الدنيا حقاً أن ينال شخص، كمناحيم بيغن جائزة نوبل للسلام، تكريماً لسياسته الإجرامية التي تطوّرت في الواقع كثيراً، خلال السنوات الماضية، على يد مجموعة من أنجب تلاميذ المدرسة الصهيونية الحديثة. إلّا أنّ الموضوعية تفرض أن نعترف بأنّ الذي تفوّق على الجميع هو الطالب المُجِد آرييل شارون».

 «إن فوز مناحيم بيغن بجائزة نوبل في السلام لعام 1978، مناصفة مع الرئيس المصري أنور السادات، يظلّ من عجائب الدنيا حقاً، ولا يخفّف من الدهشة القول إنّ الدنيا مليئة بالطرائف وإن هناك ما هو أغرب». «جاء ذلك كنوع من المكافأة على اتفاقية برّاقة أرست قواعد "السلام" من طرف واحد هو العربي. الرجلان اقتسما الجائزة. لكن المصير اختلف من أحدهما إلى الآخر».

«في حالة أنور السادات ترتّب على الاتفاقية انفجار بركان غضب داخل جميع الدول العربية، فضلاً عن أنه ـــ صباح 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1981 ـــ دفع حياته ثمناً لها». «أمّا بالنسبة إلى بيغن، فلقد كانت الاتفاقية نفسها بمثابة ضوءٍ أخضر، ليستمر بوسائل مبتكرة في تحقيق المشروع الصهيوني». «المؤكّد أنّ اتفاقية كامب ديفيد، بالإضافة إلى جائزة نوبل في السلام، تجاوزت شخص مناحيم بيغن، لتشمل إنجاب تلاميذ المدرسة الصهيونية الحديثة، خصوصاً ناظرها الجديد آرييل شارون».

 «جائزة نوبل في السلام فتحت الطريق على مصراعيه لقطع خطوات متزايدة السرعة، نحو إبادة الشعب الفلسطيني، كما أدّت إلى بناء آلاف المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المغتصبة». بمضي السنين، واصلت حركة الاستيطان توسّعها حتى كادت تقضم نحو 30% من أراضي الضفّة الغربية، ثمّ بدأ الحديث يتواتر عن مشروع ضمِّها إلى الدولة العبرية باسم «صفقة القرن»، أو بدون صفقة، أو باسم «سلام القوة»، أو بلا سلام! المثير أنّ غالبية الانتقادات والتحذيرات جاءت من صف «أصدقاء إسرائيل»، خشية أن يُفضي الضم إلى تعقيدات لا تقدر عليها بأية حسابات استراتيجية وأمنية.

أما السلطة الفلسطينية بأدوارها الوظيفية منخفضة التكلفة في ضمان الأمن "الإسرائيلي"، فمرشحة للانهيار. هذه معضلة أولى، بينما تتمثّل المعضلة الثانية في إعادة توصيف القضية الفلسطينية على نحوها الصحيح كشعب تحت الاحتلال. مشروع أن تكون "إسرائيل" دولة يهودية، مرشح للانهيار النهائي تحت ضغط الكتلة السكانية الفلسطينية الذي يستحيل في العصر الحالي ترحيلها خارج أراضيها بقوة الترهيب. وهذه معضلة ثالثة. لم يكن التعطّل المؤقت لضمّ المستوطنات بالضغوط، انتصاراً للقيم الإنسانية والقوانين الدولية، أو إيماناً بعدالة القضية الفلسطينية، بقدر ما كان تعبيراً عن الضجر من الحسابات الخاطئة في المدرسة الصهيونية الحديثة.

القيم الإنسانية التي دعت ماركيز للانتصار للقضية الفلسطينية في بيان، لم يوقعه سواه شيء آخر، عالم مختلف، نحتاج من وقت لآخر أن نستدعيه للذاكرة. «لن ننسى نحن الذين نقاوم فقدان الذاكرة الوعاء الفكري لممارسة النازية، ارتكز هتلر على نظرية المجال الحيوي لتحقيق مشروعه التوسعي باحتلال أراضي الغير، وقد قال بيغن صراحة إنّ الأرض المحتلة في عام 1967 هي ممتلكات يهودية ليس من حق أحد أن يطالب باستعادتها». «وكانت الركيزة الثانية هي ما سماه: الحلّ النهائي لمشكلة اليهود. معسكرات الاعتقال السيئة السمعة كانت في نظره المخرج المناسب. إبادة جماعية، جرت المبالغة في سرد وقائعها لتبرير إبادة جماعية أخرى. أما حكاية الملايين الستة من اليهود ضحايا هتلر، فلقد انضمت إلى ترسانة الخرافات اليهودية، تمهيداً لإعادة ارتكابها من جديد تحت غطاء جائزة نوبل في السلام".

"استندت نظرية المجال الحيوي الصهيونية إلى أنّ اليهود شعب بلا أرض، وأنّ فلسطين أرض بلا شعب. هكذا، قامت الدولة "الإسرائيلية" غير المشروعة في عام 1948، فلمّا تبيّن أنّ هناك شعباً، وأنّ في فلسطين شعب يسكن في أرضه، كان من الضروري حتى لا تكون النظرية مخطئة إبادة الشعب الفلسطيني بصورة ممنهجة». «بدت جائزة نوبل في السلام، بالإضافة إلى كامب ديفيد، إذناً دولياً بالقتل الذي لا يجرّمه أحد». «وقد تمكّنت أجهزة الإعلام التي يسيطر عليها اليهود من إقناع البلهاء في الغرب بهذه الأكاذيب، مستثمرة عقدة الذنب عند القتلة، فباركوا المزيد من المذابح. لولا أنّ العالم استيقظ فجأة على أنّ هناك شيئاً اسمه الشعب الفلسطيني. ولم يلفت الانتباه إليه تمثيله الدبلوماسي أو مشاركته في المحافل الدولية. ما لفت الانتباه لوجوده هو ذلك الأنين الصادر عن شعب يتعرّض للإبادة». «تهامس الجميع على استحياء: الظاهر أنّ هناك شعباً فلسطينياً، وأنّه لسبب ما توارى عن الأعيُن طوال هذه السنوات. الشعب الفلسطيني بالفعل ظلّ مختبئاً في منطقة اسمها تجاهل الآخر. اسمها: ليل الضمير البشري». «حسناً. ما العمل الآن؟ الحلّ عثرت عليه مجموعة من أنجب تلاميذ المدرسة الصهيونية الحديثة، لتصبح فلسطين. تماشياً مع النظرية، أرضاً بلا شعب. وعلى الذين يتكاثرون كالأرانب ليقاوموا الفناء أن يبادوا بسلام». «وقد تصادف أن كنت في باريس، عندما ارتكب شارون ـــ بغطاء من جائزة نوبل في السلام ـــ مجازر صبرا وشاتيلا ـــ قاتلاً أثناء الغزو ثلاثين ألف فلسطيني ولبناني، كما تصادف أن كنت في باريس، عندما فرض الجنرال جارويلسكي سلطة العسكر ضد إرادة الأغلبية من شعب بولندا. أصابت الأزمة البولندية أوروبا بصدمة جعلتها تترنّح من الغضب. أنا شخصياً قمت بالتوقيع على عدد كبير من البيانات التي تندّد باغتيال الحرية في بولندا، كذلك شاركت في الاحتفالية التي أقيمت تكريماً لبطولة الشعب البولندي، في مسرح بيرا دي بار تحت رعاية وزارة الثقافة الفرنسية، وعلى العكس من ذلك تماماً ساد نوع من الصمت الرهيب، عندما اجتاحت القوات الشارونية لبنان».

«هناك بلا شك أصوات كثيرة على امتداد العالم تريد أن تعبّر عن احتجاجها ضدّ هذه المجازر المستمرّة حتى الآن، لولا الخوف من اتهامها بمعاداة السامية». «أنا لا أعرف هل هؤلاء يدركون أنهم هكذا يبيعون أرواحهم في مواجهة ابتزاز رخيص لا يجب التصدّي له بغير الاحتقار.

لا أحد عانى في الحقيقة كالشعب الفلسطيني، فإلى متى نظلّ بلا ألسنة». «أنا أُعلن عن اشمئزازي من المجازر التي ترتكبها يومياً المدرسة الصهيونية الحديثة، ولا يهمّني رأي محترفي الشيوعية، أو محترفي معاداة الشيوعية، أنا أطالب بترشيح آرييل شارون لجائزة نوبل في القتل. سامحوني إذ قلت أيضاً إنني أخجل من ربط اسمي بجائزة نوبل».

كم عربي مستعد، اليوم، أن يتحدّث بمفردات ماركيز، أو أن يرشّح نتنياهو لجائزة «نوبل» في القتل؟ «أنا أعلن عن إعجابي غير المحدود ببطولة الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الإبادة، بالرغم من إنكار القوى العظمى أو المثقفين الجبناء، أو وسائل الإعلام، أو حتى بعض العرب لوجوده».

هكذا وقّع وحده على بيانه، كأنه رسالة إلى الضمير الإنساني وإلى المستقبل الذي نعاني من وطأته، الآن، من فرط عمق الألم الفلسطيني وفداحة الخذلان العربي.

* كاتب وصحافي مصري

انشر عبر
المزيد