الصين النووية ترعب الولايات المتحدة

04 تموز 2020 - 10:43 - السبت 04 تموز 2020, 10:43:51

الصاروخ الصيني الجديد «دي إف 41»
الصاروخ الصيني الجديد «دي إف 41»

وكالة القدس للأنباء - متابعة

يشكل استشعار المخاطر الاستراتيجية التي تحيق بأمن الدولة أحد أهم هواجس القائد السياسي، وغياب القدرة على التنبؤ بتلك المخاطر هو أول مداخل الفشل في القيادة.

من هنا يمكن فهم الهوس الأمريكي بالخطر الصيني الذي تجلى في السنوات الأخيرة، من خلال مطالبات لم تتوقف بلجم التنين التقني المزعوم الذي تقوده شركة «هواوي»، وحجب الاستثمارات الصينية عن الأسواق الأمريكية، وأخيراً طلب (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب أن تشترك بكين في مفاوضات نزع الأسلحة النووية بين واشنطن، وموسكو.

مخاوف نووية

فمنذ اختبار أول قنبلة نووية قبل 56 عاماً، لم تكشف الصين أبدا حتى عن تقدير أولي لحجم ترسانتها النووية. لذا فإن الجدل الأخير على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية حول عدد الرؤوس الحربية التي يجب على البلاد جمعها كان لافتاً للنظر بسبب خصوصيته. وقد بدأت الحملة يوم 8 مايو/ أيار، باقتراح من محرر صحيفة شعبية وطنية في بكين، بأن الصين يجب أن توسع مخزونها حتى يتجاوز ألف رأس نووي، بما فيها صواريخ «دي إف 41»، وهو نوع جديد من الصواريخ العابرة للقارات القادرة على الضرب في أي مكان في أمريكا.

وفيما لا يروق للولايات المتحدة مثل هذا الكلام، فهي تحث الصين على مزيد من الشفافية والوضوح حول نواياها.

وتريد من بكين أن تتخلى عن هوسها بالتكتم، وتنضم إلى أمريكا وروسيا في وضع حدود لحجم ترسانة كل منهما النووية.

وكان استعراض الصاروخ الجديد «دي إف 41» في عرض عسكري بمناسبة اليوم الوطني للصين في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أحد الأسباب التي زادت من حرص واشنطن على دفع بكين نحو المزيد من الوضوح. فهذا الطراز هو أول صاروخ بعيد المدى تكشف عنه بكين محمولاً على عربات متحركة، ما يجعل كشفه ومتابعته من قبل الأمريكيين أمراً عسيراً، مقارنة مع الطرز (الأنواع) التي تطلق من منصات ثابتة. كما أن احتمال قدرة الصاروخ على حمل عدة رؤوس يزيد القلق الأمريكي الخاص بالأمن الاستراتيجي.

ناقوس الخطر

ودق كبار مسؤولي «البنتاجون» ناقوس الخطر بشأن الطموحات النووية المستقبلية للصين، حتى لو كانت ترسانتها أصغر بكثير من ترسانة روسيا، وأمريكا. وقال الجنرال روبرت آشلي رئيس هيئة معلومات الدفاع في «البنتاجون»، في حديث في معهد هدسون في مايو/ أيار 2019: «من خلال إعلانها عن مقذوفات استراتيجية جديدة قادرة على حمل رؤوس نووية، سوف تفرض الصين قريباً نسختها الخاصة من الثالوث النووي، ما يدل على تصميم الصين على توسيع دور ومركزية قوتها النووية في تطلعاتها العسكرية".

ويبدو أن هو شي جين، محرر صحيفة «جلوبال تايمز» الذي أطلق الحملة، أعطى مصداقية للتقديرات الغربية بأن الصين لديها بحدود 1000 رأس حربي، بينما تملك كل من أمريكا، وروسيا، نحو 4000 لكل منهما. ولكن في حين وقعت هاتان الدولتان، على مر العقود، على اتفاقيات لتخفيض ترسانتيهما، فقد تكتمت الصين على برنامج تطوير أسلحتها النووية التي تزايد حجمها، وتشعبت تعقيداتها. وتهدف في بعض ما تهدف إليه، إلى ضمان قدرتها على النجاة من ضربة مفاجئة من الأسلحة الأمريكية فائقة الدقة.

وقد انسحبت أمريكا العام الماضي من معاهدة مع روسيا تتعلق بحظر إطلاق الصواريخ الأرضية متوسطة المدى، بدعوى عدم مصداقية الجانب الروسي. وسيكون الخروج من معاهدة ستارت الجديدة قراراً آخر في سلسلة من صفقات الحد من انتشار الأسلحة النووية في ظل إدارة ترامب التي بدأت الإنسحاب من الاتفاق النووي الإيراني قبل عامين تقريباً.

"ستارت الجديدة"

والآن تلقي الصين بظلالها على المعاهدة النووية الوحيدة التي لا تزال تربط أمريكا، وروسيا، معاهدة «ستارت الجديدة» التي تم توقيعها في عام 2010، وتغطي الأسلحة «الاستراتيجية» بعيدة المدى، وتسمح لكل طرف بتفتيش منشآت الآخر 18 مرة في السنة. وتنتهي مدة الاتفاقية في فبراير/ شباط المقبل، ولكن يمكن تجديدها باتفاق الطرفين.

لذلك، وخلال استئناف المفوضات بين موسكو، وواشنطن، الأسبوع الماضي، في فيينا، بشأن إمكانية تجديد المعاهدة، فقد اتضح أن الجانب الأمريكي يصر على انضمام الصين إليها جراء المخاوف آنفة الذكر. وهذا من شأنه أن يعيد إلى أذهان الصينيين فكرة «معاهدة غير متكافئة»، وهي عبارة تشير إلى المعاهدات البغيضة التي اضطرت البلاد للتوقيع عليها مع القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، لأن ترسانتها النووية لا يمكن أن تقارن بترسانتي واشنطن، وموسكو.

وفي تقرير حديث لمعهد أبحاث السلام وسياسة الأمن في جامعة هامبورج، يقترح كل من ديفيد سانتورو، وأليكسي أرباتوف، وتونج تشاو، وهم فريق مشترك من الخبراء يضم أمريكياً، وروسياً، وصينياً، عدة طرق لكسر الجمود. ويقول زهاو، وهو زميل قديم في مركز «كارنيجي- تسينج هوا» للسياسة العالمية في بكين، إن صفقة ثلاثية يمكن أن تبدأ بالاتفاق على حد أقصى لعدد الصواريخ متوسطة المدى، بحيث توازي قدرات الصين من الصواريخ الأرضية، قدرات أمريكا من الصواريخ التي تطلق من الجو. أو يمكن أن تغطي الاتفاقية جميع أنظمة التسليم، (قاذفات أرضية ومنصات محمولة على غواصات)، بمدى يصل إلى 500 كم. وتتساوى ملكية الدول الثلاث من هذه الفئة، على عكس الرؤوس الحربية، التي تمتلك أمريكا، وروسيا كميات أكبر منها.

حوافز لدفع بكين للتفاوض

وأحد الحوافز التي تدفع الصين للموافقة على التفاوض هو مخاطر غيابها التي ستترتب عليها بداية جديدة في سباق التسلح النووي يمنح الأمريكيين فرصة تطوير ترسانتهم، وإخفائها كلياً عن أعين العالم. وهذا يضطر بكين للدخول في سباق تسلح معها، ومع موسكو، وتترتب عليه أعباء مالية باهظة على حساب تطوير اقتصادها، وخطط توسعها عالمياً.

لكن المشكلة هي أن الصين، وروسيا، ليستا حريصتين على المحادثات الثلاثية. فقد جددت الصين رفضها فكرة الدخول في المفاوضات مرة أخرى. وقالت روسيا مؤخراً، إنه إذا أرادت أمريكا إشراك الصين في مفاوضات الأسلحة النووية، فعليها أن تدع روسيا خارجها. وكان الروس طالبوا في وقت سابق بأن تنضم كل من فرنسا وبريطانيا، (لديهما 485 رأساً نووياً)، إلى المفاوضات في حال انضمت الصين إليها. (المصدر: "ذي إيكونوميست" و"فورين بوليسي")

انشر عبر
المزيد