أوروبا المهترئة ومسألة الضم

29 حزيران 2020 - 01:33 - منذ يومين

أوروبا المهترئة
أوروبا المهترئة

بقلم: راغدة عسيران

توالت التصريحات الرسمية الأوروبية الرافضة لضمّ أراضي شاسعة من الضفة الغربية المحتلة الى كيان العدو، كما كان متوقعا. قبل أيام، طالب سياسيون إسبان حكومة بلادهم بتبني موقفا واضحا ضد "ضمّ أي جزء من الأراضي الفلسطينية"، وكان قد سبقهم نواب في البرلمان البلجيكي، والتصريحات الفرنسية في مجلس الأمن. وكان الممثل الأعلى للسياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل قد حذّر "إسرائيل" بأنه "لن تتم خطة الضم بشكل عابر دون ردود أفعال"، لأن قرار الضمّ "يمثل اختراقًا كاملًا للقانون الدولي".

رغم القلق الأوروبي العام من القرار الصهيوني، يبدو أن الإتحاد الأوروبي لن يتجاوز الخلافات بين أعضائه ولن يصدر موقفا مشتركا موحّدا بهذا الشأن.

ليست هي المرة الأولى التي تندّد هذه الدول أو بعضها بسياسة الكيان إزاء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، خاصة، لإدراكها أنه يسعى الى تقليص وتجزئة الأرض التي حدّدتها اتفاقيات "أوسلو" لإقامة سلطة فلسطينية، و"القانون الدولي" التي تطالب باحترامه والتي تدافع عنه هو ما صدر من ترتيبات وفقا لهذه الإتفاقيات، كما هو الحال بالنسبة للأمم المتحدة ومنسقها، نيكولاي ميلادينوف، الذي اعتبر "أن عملية الضم المزمع تنفيذها ضد القانون الدولي" وأنها "انتهاك للشرعية الدولية". كان الإتحاد الأوروبي قد وقف ضد قرار هدم الخان الأحمر قبل سنتين، لأنه اعتبر أن هدف الصهاينة من الهدم في المناطق المصنفة "ج" (والتي ينوي الاحتلال ضمها الى كيانه) هو "عرقلة التسوية السياسية ومنع إقامة دولة فلسطينية وهو ما يتعارض مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي، لما يسميه بالاستقرار في الشرق الأوسط" (حلمي موسى، 2018).

ولكن، لم تندّد الدول الأوروبية بانتهاكات الصهاينة في مدينة القدس، حيث يسعى الى تفريغها من أهلها عن طريق هدم المنازل وإبعاد أهلها الى مناطق "الدولة" (التطهير العرقي والديني، الذي يعتبر جريمة حرب)، ولم تندّد باقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى ولا بتهويد المقدسات في القدس والخليل، وانتهاك صلاحيات دائرة الأوقاف وإبعاد موظفيها عن الأقصى. لم تندّد الدول الأوروبية بالقتل المنظّم الذي يمارسه جيش الاحتلال في الضفة الغربية خاصة، ولا بالاعتقالات اليومية بحق الفلسطينيين، ولا بالظروف اللاإنسانية التي يعيشها الأسرى في سجون الاحتلال، رغم أن كل هذه الانتهاكات تعدّ "اختراقا كاملا للقانون الدولي" و"انتهاكا للشرعية الدولية"، كما يصفه خبراء القانون، ذلك لأنها لا تهدّد "الاستقرار" ولا المصالح الأوروبية.

ما يهمّ الدول الأوروبية أولا هو "حفظ الإستقرار"، ليس من أجل أهل البلاد المنهوبة وحريتهم، حيث الإستقرار يعني مواصلة الاحتلال والقتل والنهب دون مواجهة فعلية ومؤلمة للعدو، بل من أجل استمرار سيطرتها على المنطقة، بنفوذها وأموالها وأعمالها. بالنسبة لها، فإطالة وهم امكانية إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، تمثل أفضل السبل لشلّ قدرات الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ومنعها من مقاومة المحتل. تقوم مصلحتها على دوام هذا "الإستقرار" وهذا الوهم، فيكفيها إصدار بيان استنكار أو تنديد من وقت لآخر، طالما هناك جماعة تسمعها وتنتظر منها حلا مرضيا لها، لا يتضمن تحرير الأرض من الغزاة ولا عودة اللاجئين.

تطالب الدول الأوروبية بالعودة الى المفاوضات بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين، علما أن هذه المفاوضات لم تقدّم شيئا للفلسطينيين، بل تؤمن فقط الموافقة الفلسطينية الرسمية على كل تنازل وتراجع عن الحقوق التاريخية الفلسطينية المشروعة، لصالح العدو، فيعدّ هذا التنازل "شرعية دولية" جديدة، وأساسا لمفاوضات وتنازلات أخرى.

تهدف التصريحات الأوروبية الأخيرة بشأن مسألة الضمّ منع توحيد الصف الفلسطيني تحت راية المقاومة، مقاومة المشروع الصهيوني من أساسه، وإبقاء اللهاث وراء وهم الدولة حيّا، وهو ما شكّل أساس الإنقسام الفلسطيني والعربي، بين مشروع التسوية الذي سقط بسبب الهيمنة الصهيو-أميركية على العالم، ومشروع المقاومة الذي أثبت جدارته على كل الأراضي الفلسطينية، مهما كان شكل هذه المقاومة. لم يبق أمام الدول الأوروبية إلا مواصلة بث هذا الوهم لتحتل في هذا العالم مكانا مختلفا نوعا ما عن مكان الإدارة الأميركية، والذي يمنحها دورا ما، وينعشها بسبب تجزئتنا وتفتيتنا وصراعاتنا الداخلية، الفلسطينية والعربية.

كما تهدف هذه التصريحات المندّدة بقرار الضمّ الى الضغط على الكيان الصهيوني، الذي سيضطر الى اتخاذ تدابير أخرى وملتوية لتحقيق أهدافه، كما حصل بعد فشله في الخان الأحمر، إذ تابع سياسته الاستيطانية دون لفت الأنظار الدولية، بعد تراجع الضغط الأوروبي، وكما يحصل في أكثر من مكان، عندما يخفّ الضغط الشعبي (في المسجد الأقصى المبارك مثلا). فيما يخص الضم، قد يلجأ العدو الى تجزئة الضمّ أو مواصلة العمل به دون الإعلان عنه، كما يحصل منذ سنوات في الأغوار والمناطق المصنفة "جيم" في الضفة الغربية، وبالتالي، يخفّض حدة التوتر الى حين.

لا يعني ذلك أن المواقف الأوروبية غير مهمة، ولكن الاعتماد عليها، مرة أخرى، وانتظار التسوية التي تعد بها منذ عقود، لن ينتج عنهما إلا تنازل رسمي فلسطيني وعربي آخر. لم يكن يصدر التحذير الأوروبي لولا إدراك بعض الدول الأوروبية أن الشعب الفلسطيني ومعه الشعوب العربية على وشك الانفلات من القيود التي كبّلتها القوى الإمبريالية المختلفة، بسبب العدوان الهمجي الصهيوأميركي المتواصل، على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، بطريقة مباشرة أم غير مباشرة. هذا ما جعلها تحذّر الكيان الصهيوني من مواصلة خطته، التي قد تطيح بكل جهودها، ومنها مساعي تشجيع التطبيع، المؤسساتي والشعبي، بين الشعوب العربية ومستوطني الكيان.

قد تتجذر المواقف الأوروبية وتأخذ بالحسبان تعاطف شعوبها مع القضية الفلسطينية، التي عبّرت عنه هذه الأيام في عواصمها ومدنها، في حال واجهت الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، ليس فقط قرار الضمّ، بل الاحتلال والاستيطان والتهويد والقتل، والتعذيب في السجون الصهيونية، وهدم المنازل والحصار على قطاع غزة، ونبش القبور وهدم القرى غير المعترف بها، في انتفاضة شاملة تدعمها المقاومة المسلّحة، لأن المقاومة الشاملة تبقى الأساس، فتبنى عليها المواقف السياسية الغربية والشرقية، وتُسكت أصوات المطبّعين وإعلامهم.

انشر عبر
المزيد