يافا الفلسطينية تحمي ماضيها وتدافع عن مستقبلها

22 حزيران 2020 - 01:00 - الإثنين 22 حزيران 2020, 13:00:42

مشاركة واسعة في صلاة الجمعة بمدينة يافا أمام مقبرة الإسعاف
مشاركة واسعة في صلاة الجمعة بمدينة يافا أمام مقبرة الإسعاف

بقلم: راغدة عسيران

شهدت مدينة يافا في الاسابيع الماضية احتجاجات واسعة ضد انتهاك المقدسات الإسلامية في المدينة، وتحديدا هذه المرة، جرف أرض مقبرة الإسعاف، ونبش قبورها، التي شرعت بتفيذها بلدية مستوطنة تل أبيب.

تذرعت بلدية الاحتلال، لنبش قبور المسلمين والاعتداء على أوقافهم، بأنها تنوي إقامة مبنى لإيواء المشردين، أي أن الاحتلال الصهيوني يقوم من جهة بتشريد الشعب الفلسطيني من النقب والقدس وأجزاء واسعة من الضفة الغربية، ويدعي من جهة أخرى أنه إنساني يسعى لإيواء المشرّدين. كان بإمكانه، إن صحّت ذريعته، أن ينبش المقابر اليهودية الوهمية التي زرعها طوال هذه السنين لشرعنة سرقة الأراضي الفلسطينية والادعاء أن لديه جذور تاريخية في البلاد، غير أن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء نبش قبور المسلمين وجرف أراضي أوقافهم هي مواصلة النكبة، بتدمير الشواهد على الوجود الفلسطيني المتجذر في أرضه.

ليست هي المرة الأولى التي يتم الاعتداء فيها على المقابر الفلسطينية، الإسلامية والمسيحية، في فلسطين المحتلة عام 1948. من مقبرة عزالدين القسام في بلد الشيخ قرب مدينة حيفا، الى مقبرة الاستقلال في حيفا، حيث تم الاعتداء عليها وحرق أجزاء منها في العام 2019، الى مقبرة مأمن الله التاريخية في مدينة القدس... لم تتوقف الاعتداءات يوما، في محاولة لبتر الفلسطيني عن ماضيه وتاريخه. وكانت جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف الإسلامية قد وثّقت الاعتداءات المتكررة على المقدسات، المساجد والمقامات والمقابر، بعد احتلال الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948، حيث تقع هذه المقدسات من شمال البلاد الى جنوبها، في مدنها وقراها.

وفي مدينة يافا بالذات، تحاول تل ابيب، المستوطنة التي زرعت قبل مئة عام فقط على أراضي فلسطينية، اقتلاع المدينة التي يمتد تاريخها الى ما قبل ألفي سنة. فقبل مقبرة الإسعاف، التي تعود الى الحقبة العثمانية، سرقت قوات الاحتلال أراضي مقبرة عبد النبي، شمال يافا، وإقيم عليها فندق هيلتون، وحديقة عامة وموقف لسيارات السفارة البريطانية... وسرقت أيضا أراضي مقبرتي إجليل القبلية وإجليل الغربية، وأقامت عليها مبانٍ وعمارات في مستوطنة هرتسيليا. كما أقامت على أراضي مقبرة الشيخ مونّس مواقف لسيارات جامعة تل ابيب، ومبانٍ لحكومة الاحتلال.. وعلى أراضي مقبرتي قرية سلمة (التي تقع 5 كم شرق يافا والتي دمّرت في 25 نيسان/أبريل 1948)، أقام الاحتلال مبانٍ سكنية.

السبب الآخر للاعتداء على مقابر المسلمين، هو التأكيد على سرقة أراضي الأوقاف الإسلامية وأملاكها، مباشرة بعد الاحتلال عام 1948، وتشريع قوانين، أهمها قانون خاص بأملاك "الغائبين"، حيث اعتبر كيان العدو أن الأوقاف كانت ملك "المجلس الإسلامي الأعلى" وبالتالي، يمكن الاستيلاء على أملاكه، وقانون "استملاك الأراضي" الذي يسمح للسلطات الصهيونية بيع أراضي الفلسطينيين، ومنها أرض الأوقاف، الى اليهود ومؤسساتهم.

يتعامل العدو مع المقابر والمساجد، وكافة المقدسات، وكأنها ملك له، يحق له تدنيسها وجرفها واستخدامها لأغراض مختلفة أو إهمالها. فيحاول ترسيخ هذه الفكرة في أذهان الفلسطينيين، ويأتي الاعتداء على مقبرة الإسعاف في هذا السياق.

إلا أن الفلسطينيين، في يافا والمدن الأخرى، يرفضون التخلي عن أوقافهم وعن مقابرهم، كما صرّح يوم الجمعة 12/6، الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى المبارك، ورئيس الهيئة الإسلامية العليا للدفاع عن القدس، والذي أمّ المصلين أمام مقبرة الإسعاف، دعما للمحتجين، قائلا: "إن أرض المقبرة هي وقف إسلامي وأي مقبرة إسلامية أرضها هي وقف. وهذا ما افتينا فيه وهذا ما أكدنا عليه. أن أي أرض مقبرة هي وقف إسلامي، حتى وإن كانت مهجورة، فإن الأرض هي وقف وهي ملك للمسلمين، يتصرفون فيها ضمن مصلحة المسلمين." فأكّد للحاضرين على أن "الدفاع عن مقابركم، هو دفاع عن أرضكم، ودفاع عن الأموات، وعن حقوقكم المشروعة".

لم تتوقف الاحتجاجات ضد بلدية تل ابيب، رغم صدور قرار من محكمة الاحتلال يقضي بتجميد عمليات الجرف، مؤقتا، كما لم تتوقف الاعتداءات على المتظاهرين، وعلى اليافاويين بشكل عام، حيث قامت شرطة الاحتلال بتوزيع الغرامات على المارة في شوراع المدينة، بذريعة مخالفة تعليمات وزارة الصحة بخصوص الحدّ من تفشي كورونا، ولكن أدرك الفلسطينيون أن بلدية تل أبيب تنتقم منهم بسبب إعاقة عملها الإجرامي بحقهم في مقبرة الإسعاف.

يؤكد طارق أشقر، رئيس الهيئة الإسلامية في يافا، أن قرار المحكمة بوقف التجريف مؤقتا لا يعني أن الفلسطينيين سيقفون مكتوفي الأيدي، بالقول: "لا نعول أبدا على مؤسسات "الدولة"، إنما على نضالنا الجماهيري كوننا أصحاب حق. ومن هذا المنطلق فإن النضال لم ينته بالرغم من القرار الصادر عن المحكمة بالتجميد لفترة مؤقتة. فالنضال مستمر حتى نحرر المقبرة ونمنع نبش القبور. وهنا علينا أن نعي أننا ندافع عن قضية وطنية ودينية ولا مجال للتراجع عنها".

لقد لبّت مجموعات من فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 نداء الواجب للدفاع عن مقبرة الإسعاف في يافا، لإدراكها أن عدم الدفاع عن المقبرة وأمواتها يعني عدم الدفاع عن تاريخ شعبها الفلسطيني وجذوره في فلسطين، وعن مستقبلها في هذه الأرض المباركة، وأن على الشعب الفلسطيني أن يتوّحد للدفاع عن الأرض وحقه في أرضه، ورفض تدمير المنازل والقرى غير المعترف بها، في النقب وغيرها من المناطق.

فالمعركة في يافا ضد تدنيس المقابر ونبشها، وفي النقب ضد هدم قراها وتشريد أهلها، وفي الضفة الغربية ضد الزحف التهويدي وابتلاع الأرض وتشريد سكانها تحت مسمى "الضمّ"، وفي مدينتي القدس والخليل ضد تهويد المقدسات وتزييف التاريخ، وفي قطاع غزة، ضد الحصار القاتل... هي معركة واحدة، رغم اختلاف العناوين الثانوية، لأن المستهدف هو حاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني على أرضه المسلوبة. والمعركة ضد كيان العدو الغاصب تجمع الشعب الفلسطيني، بكل أطيافه وفي كل أماكن تواجده، للدفاع عن التاريخ ضد الرواية الصهيونية الكاذبة والسعي نحو مستقبل خالٍ من المستوطنين اليهود وأكاذيبهم وعنصريتهم وأمراضهم النفسية.

انشر عبر
المزيد