بعض ملامح فكر القائد الراحل رمضان عبد الله شلّح

15 حزيران 2020 - 02:05 - الإثنين 15 حزيران 2020, 14:05:08

القائد الكبير الدكتور رمضان عبدالله شلح
القائد الكبير الدكتور رمضان عبدالله شلح

بقلم: راغدة عسيران

في كلمات تأبين القائد المجاهد رمضان عبدالله شلّح، ذكرت العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية أن الأمة العربية والإسلامية خسرت قائدا مجاهدا ومفكرا فذا برحيله يوم 6 حزيران/يونيو 2020 بعد صراعه مع المرض، وكان قد تسلّم قيادة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين لمدة 23 سنة (1995 – 2018).

لم يؤلف الدكتور رمضان إلا كتابا واحدا "الأسس والمفاهيم الإسلامية" في العام 2018، ولكن شكّلت المحاضرات التي ألقاها إحدى الوسائل لنشر المنظومة الفكرية التي ساهم في بلورتها، كما كانت تعتبر المقالات والدراسات التي كتبها في نشرات الحركة والتي تناولت موضوعات كثيرة، ومنها الحركة الإسلامية المعاصرة، من أهم إنجازاته الفكرية. يضاف اليها المقابلات مع الصحافة المكتوبة والمرئية، والخطب التي ألقاها في مناسبات عدة، حيث كان يحلّل الوضع السياسي والجيوستراتيجي في المنطقة، ويحدّد الموقف منها، لترتسم ملامح إنتاجه الفكري بكل تجلياته.

تكمن أهمية هذا الإنتاج الفكري بأنه انطلق من الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحديدا ومن جهاده لتغيير هذا الواقع، من خلال تنظيم شارك في تأسيسه وقاده في فترة صعبة، وهي فترة ما بعد اتفاقيات "أوسلو" التي فتحت أبواب التطبيع العربي مع كيان العدو، ونقلت القضية الفلسطينية من أحضان الأمة الى أحضان المجتمع الدولي المتواطئ مع العدو. وخلال انطلاقه من الواقع، استحضر ثقافته الدينية والتاريخية والأدبية والانسانية بشكل عام، العميقة والغنيّة والمتشعّبة، ليربطها بهذا الواقع ويحييها ويطلقها من جديد لتصبح أرضية صلبة ومتحركة في آن واحد، تستمد قوتها وصلابتها من إرث الأمة العظيم، وتتحرك مع الواقع لتطرح المبادرات والحلول لأزمات تعصف بالشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية.

أصدرت "مؤسسة الأقصى الثقافية" في العام 2018 كتاب "الإسلام والغرب: جدل الصراع في التاريخ والواقع" للدكتور رمضان عبد الله شلّح، وهو في الأصل محاضرة ألقاها القائد الراحل بعد العام 2001، حين شنّت الإدارة الأميركية حربها على ما سمته "الإرهاب"، وخاصة "الإرهاب الإسلامي".

تبرز في هذه المحاضرة عدة سمات في فكره الخصب الذي أنتج جيلا واعيا من المجاهدين، واثقا بحتمية النصر على الأعداء. يتميّز هذا الفكر بأنه يعتمد على ثقافة واسعة وتفكير عميق، وعلى وضوح الرؤية، والموضوعية في الطرح. في هذه المحاضرة التي تنتقل من الأندلس الى الدولة العثمانية، مرورا بالحروب الصليبية والغزو التتري، يكتشف القارئ الثقافة التاريخية الدقيقة التي تمتع بها القائد الراحل، وإلمامه الواسع بتاريخ الأمة وتاريخ الأمم الأخرى. والملفت هو قدرة المفكّر على الإيجاز والتفصيل في آن واحد، الإيجاز بعرض تاريخ امتد على مدى قرون من الزمن دون تسطيح العرض، بل على العكس، إذ تخلّله وقائع معيّنة وتواريخ محدّدة، وتداخل فيه وصف لشخصيات كثيرة، إسلامية وغير إسلامية، أو حتى أقوال لبعضها للتأكيد على فكرة أو حادثة ما. فإضافة هذه التفاصيل، إن كانت في وصف شخصية أو سير معركة أو وصف حالة، تنعش العرض التاريخي الذي قد يكون جافا أحيانا، وتساعد القارئ أو السامع على التركيز وتجسيد الفكرة في ذهنه.

السمة الأخرى التي تبرز في المحاضرة، هي اهتمام القائد رمضان شلّح على وضوح المصطلح الذي يستخدمه، لأن وضوح الفكرة تكمن في تحديد المصطلح تحديدا دقيقا، لا لبس فيه. قبل الشروع في موضوع المحاضرة، يحدّد ماذا يعني بمصطلح "الغرب" ويعدّد مكوّناته، كما يرسم حدود الموضوع الذي سيتكلّم عنه، إذ يقول أنه لم يتناول مسار الإسلام الداخلي، رغم أهميته، بل مساره الخارجي بالعلاقة مع الغرب، "ونحن ندرك أن العامل الخارجي والعامل الداخلي، في حركة نمو الإسلام وتطوره، مرتبطان ويؤثر كلاهما في الآخر".

أمثلة كثيرة تدلّ على الأهمية الخاصة التي أولّاها لاختيار المصطلح المناسب، كون المصطلح الدقيق يغرس الفكرة في الذهن. يعارض مثلا "محمد الفاتح" (الاسم الآخر للدكتور) مصطلح "مصادرة الأرض" الشائع في الأدبيات الفلسطينية والعربية، لدى الحديث عن ممارسة الكيان الصهيوني، بقوله: "إن استخدام تعبير «مصادرة» لوصف النهب الصهيوني لأراضي القدس، فيه مغالطة، حيث يوحي بأن الفاعل جهة اختصاص قد يكون من حقها ذلك، مثلما تصادر أية دولة أو سلطة «محترمة» ممنوعات معينة. إن ما يحدث لأراضي القدس سرقة ونهب وليس مصادرة. "(وكفى الله العرب شر «القمة»! محمد الفاتح،المستقبل، العدد (24) 27/5/1995). فاختيار المصطلح الدقيق لوصف حالة معيّنة يعبّر عن وضوح الفكرة، بعيدا عن الضبابية والتلميحات التي قد تفسّر بطرق مختلفة.

وفي هذه المحاضرة الغنيّة، أضاف الدكتور القائد مصطلحات جديدة، عند حديثه عن عواقب سقوط الأمة في صراعها مع الغزوات الأجنبية. فيميّز بين "زوال الملّة" التي تمت في الأندلس، حيث كان التطهير العرقي والديني بحق المسلمين، و"زوال الدولة" ومنها الخلافة الإسلامية، و"زوال الهوية"، عندما تسلخ الشعوب"عن إسلامها ودينها"، وهي أشكال الزوال التي عانت وتعاني منها الأمة، ولكل شكل تداعياته على مسارها.

سمة أخرى في فكر القائد المفكّر هي الموضوعية لدى عرضه المسائل، ومنها تاريخ الأمة، بإخفاقاتها ونجاحاتها. في سرده لبعض جوانب تاريخ الأندلس، أو الغزو المغولي، والصراعات بين الصفويين والعثمانيين والمماليك، لم يخف المؤامرات والمذابح والقتل داخل العائلات الحاكمة، تماما كما ذكر بكل دقة وأمانة المذابح التي تعرض لها شعب مصر خلال غزوة نابليون، وكيف قاتل المقاومون ضد الغزوات الأجنبية.

تلتقي هذه السمات وغيرها لفكر الدكتور القائد لتؤدي الدور الذي سعى اليه، وهو توعية الجماهير العربية والإسلامية بواقعها وتاريخها وعقيدتها الجامعة، وفقا للأسس الثلاثة التي تبنّتها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين: الإيمان والوعي والثورة. تمنح الموضوعية مصداقية للكلام الذي يصدر، ويوضّح المصطلح المناسب الفكرة التي تصل الى عقل ووجدان المتلقي، وتهزّ أعماقه وتخترق ما تكدّس لديه سابقا من أفكار مغلوطة تمنعه من رؤية الحقيقة، وتساعد قدرة الإيجاز والتفصيل معا على التقاط الفكرة الرئيسية التي يراد لها أن تتوضّح وتنمو في عقول جماهير الأمة.

مضمون المحاضرة – الكتاب

يطرح الدكتور رمضان ثلاثة أفكار رئيسية في محاضرته: عداوة الغرب للإسلام وحروبه على المسلمين عبر التاريخ، مواجهة المسلمين للغزاة، إما بالوحدة والمقاومة والانتصار عليهم، إما بالانقسام والصراعات الداخلية والسقوط أمامهم، والأسباب التي أدّت الى "ضياع فلسطين".

لتوضيح هذه الأفكار، يوجز المفكّر مسيرة الأمة الإسلامية مركزا على بعض محطاتها بعلاقتها مع الغرب ويستخلص بعض دروسها، بعد توضيحه مصطلح "الغرب": "أما في المعنى الإصطلاحي، فالغرب اليوم هو منظومة كاملة وكتلة حضارية عملاقة، فيها دول وحكومات وشعوب وجيوش ومنظمات وبنوك وشركات وأسواق عالمية، وفوق هذا والأهم هناك "الثقافة الغربية" ومنظومة القيم الغربية بكل مخزونها وإرثها الديني والتاريخي، وإمكاناتها وأدواتها الحديثة والمعاصرة".

العداء الغربي للإسلام ليس طارئا ولم يبدأ بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001، بل "هناك تأصيل فكري وطرحت نظريات تبرّر العداء والكراهية للإسلام". هذا ما حاول المحاضر شرحه، من خلال الحروب التي شنّها الغرب لأسباب دينية، والتعامل مع المسلمين عبر العصور الماضية. انطلق من الوضع السياسي العالمي بعد الألفية الثانية والهجوم الأميركي (والغربي عموما) على الإسلام والمسلمين ليعود الى التاريخ، من الأندلس في الغرب الى الحروب الصليبية والزحف التتري في الشرق، ويعود الى سقوط غرناطة في العام 1492، وصعود الدولة العثمانية من جهة أخرى، لينتهي الأمر في إزالة الخلافة العثمانية  و"ضياع فلسطين" وتجزئة الوطن، وقبل ذلك، الهجمة الغربية الحديثة مع نابليون التي أسست للتغريب الفكري.

فأشار الى طبيعة "الغرب" الذي 1) لا يتحمّل منظومة فكرية أخرى في دياره، 2) وينقض الاتفاقات التي يوقعها.  يقول: "مأساة الأندلس ظهرت في معاملة "النصارى" للمسلمين، حيث نقضوا الاتفاقات الموقعة حول "احترام حقوق المسلمين بصيانة دينهم وأرواحهم وممتلكاتهم وحريتهم" وانتهت بعملية "تطهير ديني وعرقي لأسبانيا (المقدسة) التي لم تحتمل التعايش مع أي ديانة أو ثقافة مختلفة.". 3) ولم يحترم الغزاة الصليبيون أعراف أو قوانين الحرب التي كانت سائدة في العصور الوسطى، فقتلوا أكثر من ثلاثة آلاف أسير مسلم يوم سقوط عكا في 12 حزيران/يونيو 1191 م. وهي أيضا طبيعة الغزاة الذين جاؤوا من الشرق، التتار أو المغول وهم "صحراويون وثنيون كانوا يعبدون الأوثان والشمس والكواكب... وهم دمويّون في طبعهم، يحبّون الحرب والسلب والقتل وسفك الدماء"، والذين ارتكبوا أفظع المجازر بحق المسلمين والبلاد التي دخلوا اليها.

من خلال سرده لبعض محطات تاريخ الأمة،يبيّن المحاضر عوامل التراجع والتدهور والسقوط أمام الهجمة الغربية، أهمها عامل الانقسام والحروب الجانبية والتشرذم داخل الأمة، كما ظهر ذلك جليا في الأندلس، وأيضا في الحروب العثمانية – الصفوية من جهة وبين العثمانيين والمماليك من جهة أخرى. فيقول حول الحروب العثمانية – الصفوية: "كانت حروب الدولة العثمانية مع الصفويين نموذجا لاستنزاف القوة الإسلامية لصالح الأعداء الذين يتربصون بالإسلام وأهله". وفيما يخص الأندلس، "يعيد التاريخ سبب الانهيار الى أهل الأندلس أنفسهم، وإلى تفككهم وانقسامهم الى طوائف وملوك، وإلى صراعاتهم وتحالفاتهم مع الصليببين ضد بعضهم البعض،...". مذكرا بـ"زحف جيش غرناطة المسلم مع الجيش الصليبي في "عاصفة" حربية، ليحاصروا أشبيلية المسلمة، حصارا دام ثمانية عشر شهرا!"

أشار الى تداخل المسارين الخارجي (مواجهة الغزاة) والداخلي، في كلا الحالتين، الوحدة والانقسام، وتأثيرهما على مجريات الأمور. فكانت معارك التحرير طريقا للوحدة، بعد أن "نهض القادة الثلاثة تباعا، عماد الدين زنكي، ثم ولده نور الدين محمود، ثم القائد صلاح الدين الأيوبي، الذين حملوا راية الجهاد لمواجهة مشروع الغزو الصليبي"، وكما حصل عندما هزمت المماليك بقيادة السلطان سيف الدين قطز الغزو التتاري ولاحق جيش ظاهر بيبرس "فلول التتار" وطهّر "سائر البقاع الإسلامية منهم، فحرّر المسلمون بلاد الشام كاملة في بضعة أسابيع، وتم توحيد مصر والشام من جديد في دولة واحدة تحت حكم المماليك".

في ظل الصراع الفكري والسياسي حول تقييم الدولة العثمانية الذي تشهده بين الحين والآخر المكتبة العربية، يوضّح المؤلف مسار بني عثمان، منذ بداية دخولهم المنطقة، حيث لم تكن مراحل حكمهم متشابهة، ويميّز بين السلاطين وأدوارهم في بناء الدولة ثم الخلافة، والذين خاضوا حروبا في كافة الاتجاهات لتوسيع رقعة الحكم الإسلامي من جهة، ولتوحيد هذا الحكم وجعله مركزي: ضد المماليك والصفويين، وضد التتار الذين اجتاحوا مجددا المشرق العربي، وضد دول أوروبية في طور التكوين، وضد روسيا.وميّز بين الحقبات التاريخية التي شكّلت "الدولة العثمانية (سلطنة وخلافة) لأكثر من ستة قرون"، واعتبر أن "مرحلة طويلة من الضعف والتدهور" ظهرت بعد سليمان القانوني، بسبب "الثورات الداخلية، إضافة الى الحروب في أوروبا ومع الصفويين.".

 انعكس هذا الضعف على الحكم وتفاقم الفساد، وانتقلت الدولة العثمانية، من "مرحلة الضعف الى مرحلة الانحطاط والتراجع" منذ منتصف القرن الثامن عشر، ما فتح الباب أمام الامتيازات الأجنبية "التي لم تكن أكثر من غطاء قانوني لتسلل المشروع الاستعماري الغربي الذي لم يتخل عن زحفه العسكري ولا مشروعه الاستراتيجي بالقضاء على الدولة الإسلامية في نهاية المطاف".

لهذه الأسباب، لا يمكن الحكم على الدولة العثمانية بإلغاء ستة قرون من تاريخها والاكتفاء بما مثلته آخر مراحلها، أي دولة "الرجل المريض" التي أثقلت الشعوب، وخاصة الفلاحين، بالضرائب والتجنيد، والتي اضطرت الى تحديث نظامها وقوانينها بالشكل الذي فرضته عليها الدول الغربية. 

رغم الضعف والانحطاط والتفسخ، وقف السلطان عبد الحميد الثاني ضد بيع فلسطين للمشروع الصهيوني الغربي في نهاية القرن التاسع عشر ميلادي. تمثل هذه الوقفة إحدى تعبيرات إرادة الصمود أمام الزحف الغربي المعادي للإسلام. تجلّت هذه الإرادة في المعارك التي خاضها صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس: "لا شك أن قصة انتصار حطين وتحرير القدس على يد صلاح الدين قصة ينحني أمامها التاريخ، بل يسجد في محرابها، لما فيها من العبر والدروس، إيمانا وإسلاما، جهادا وفروسية، قيما وإنسانية"، وفي دحر المغول من قبل المماليك، بزعامة السلطان سيف الدين قطز، وفي مقاومة أهل الأندلس للزحف الصليبي، رغم تواطؤ الحكام، وفي صدّ نابليون عن مدينة عكا والساحل المصري ثم دحره عن المنطقة، وفي قتل الجنرال كليبر في مصر، وفي مقاومة الدولة العثمانية ضد روسيا والدول الغربية الأخرى.

ولكن ضاعت فلسطين وسقطت القدس في يد الغرب الصهيوني. يحدّد د. رمضان "عاملان لضياع فلسطين": سقوط الخلافة (العثمانية)، "والاستعمار الثقافي والمعنوي". ويعتبر أن "رواد النهضة العربية هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن ضياع فلسطين... كان التحدي الذي فرضه النهوض الأوروبي على الأمة يستدعي استجابة عربية إسلامية في مجال العلم والصناعة، إلا أن النخب العربية نقلوا الاستجابة الى مجال العقيدة والأخلاق والفن والأدب، وظنوا أن اللحاق بركب المدنية الحديثة أن نسلك طريق أوروبا في النهضة حذو النعل بالنعل، وكأن التاريخ الأوروبي تاريخنا وتاريخ البشرية جمعاء، وينبغى تقمص تجربتهم بالكامل".

يوضّح هنا الدكتور شلّح ما كان قد كتبه الشهيد الشقاقي حول عامل التغريب الذي وضعت أسسه حملة نابليون، وهو العامل الذي مكّن الغرب من السيطرة على "الحوض العربي – الإسلامي" بعد خروج الجيوش الغربية من المنطقة، ويذكّر من انبهر بحملة نابليون "التقدمية والعلمية" أن جيشه "ارتكب الكثير من المذابح والفظائع بحق الأهالي"، وأن "الاستعمار الثقافي والمعنوي" كان أشد خطورة من الاستعمار العسكري، وأن "الليبرالية السياسية والثقافية العربية" انسلخت عن "تراث الأمة وعقيدتها وانتمائها التاريخي"، كما انسلخ المثقفون من أمثال طه حسين وسلامة موسى "حين حضرا حفل افتتاح الجامعة العبرية في القدس عام 1925 التي كانت بمثابة القاعدة العلمية للمشروع الصهيوني".

فتجزئة الأمة بعد سقوط الخلافة والتغريب يشكلان العاملين الأساسيين لضياع فلسطين، كما نقرأه في أدبيات حركة الجهاد الإسلامي. وبعد وصول العسكر الى الحكم في الدول العربية في الخمسينيات والستينيات، الذين رفعوا "شعار القومية العربية" و"تبنّوا الإشتراكية كأيديولوجية وعقيدة فكرية"، ضاع "ما تبقى من أرض فلسطين وأكثر من ثلاثة أضعافها من الأرض العربية". أنها "لحظة أخطر من سقوط غرناطة على يد الصليبين، وسقوط بغداد على يد التتار"، لأن سقوط القدس "هي الطعنة في القلب من الوطن الإسلامي.". يتحمّل العسكر هذه النكبة الثانية، لأنهم "خاضوا حربا ضد الإسلاميين الذين نادوا بإعادة دور الإسلام في قيادة الحياة بدلا من العقائد والأفكار المستوردة" وتمت "المقابلة في ميدان الصراع التاريخي بين الأمة وأعدائها... بين مشروع صهيوني قام على أسس عقائدية توراتية، وهو نتاج الحضارة الغربية بمرجعيتها الفكرية ومشروع عربي يستعير الليبرالية والاشتراكية من فتات الحضارة الغربية، أي أنه إفراز مشوّه للغرب وليس نقيضا له".

رغم "الإنجاز العظيم الذي صنعه الإنسان العربي والمسلم" في حرب تشرين أكتوبر 1973، تواصل "الانحدار العربي والإسلامي" الى أن وصل الى اتفاق أوسلو، حيث تنازل "من يملك لمن لا يستحق" وأسّس لفك "الطوق عن الكيان الصهيوني". إلا أن شعلة التصدي والمقاومة ما زالت هائجة مع الاستشهاديين في فلسطين الذين يعلنون أن "الصراع ما زال مفتوحا طالما أن الشعب الفلسطيني صاحب الحق ما زال حيّا وجماهير الأمة ما زالت أفئدتها تنبض باسم القدس مسرى نبيها وقبلتها الأولى...".

ما سبب هذا السقوط ؟ يجيب الدكتور القائد بالمقارنة بين الغزو الصليبي سابقا والغزو الصهيوني اليوم، لافتا الى أن الأمة لم تستسلم أمام الصليبيين ولم تعترف بشرعية وجودهم في المنطقة وظلت تحاربهم لمدة قرنين من الزمن، في حين يتسابق اليوم الحكام العرب وغيرهم من النخب الى إقامة علاقات علنية أو غير علنية مع الكيان الصهيوني. السبب الأهم لهذه الظاهرة هو وجود "الوكلاء في سدّة الحكم والفكر يدينون له (الغرب الاستعماري) بالتبعية في كل شيء، أي أن الاستعمار السياسي والثقافي حلّ محل الاستعمار العسكري عندما رحل الغزاة، وأعلن ما سمي بالاستقلال بهذه الدولة أو تلك".

يتساءل المؤلف، بعد هذا العرض وبعد احتدام الهجمة الغربية على الإسلام والمسلمين في كل مكان: "هل نحن ذاهبون فعلا الى صراع الحضارات؟ وما هو موقفنا من ذلك؟". يجيب أننا فعلا في قلب "صراع الحضارات" أي "الصراع الحضاري مع الغرب منذ زمن، بل هو برنامج الغرب في مواجهة الإسلام والمسلمين" إلا أن التعامل مع هذه الهجمة لا ينفي "التعايش والتفاهم تحت سقف هذا العالم"، ولكن بعد حلّ "الملفات الكبرى": الاستعمار، التبشير، التنصير، التغريب، التبعية، التجزئة، "إسرائيل"، النفط والثروة، العولمة، الهيمنة والسيطرة..." حيث "نحن فيها الضحية".

في النهاية، يجب الإشارة الى أن المحاضرة تحتوي على ملفات أخرى لها علاقة بالموضوع، وكلّها تدلّ على ثقافة المجاهد القائد الغنيّة والعميقة، التي سخّرها في عملية استنهاض الأمة. .

انشر عبر
المزيد