تقرير

العنف والجريمة في فلسطين 48: الأسباب والمعالجات

10 حزيران 2020 - 01:46 - الأربعاء 10 حزيران 2020, 13:46:22

مظاهرات وفعاليات مستمرة في الداخل للمطالبة بمحاربة الجريمة في الوسط العربي
مظاهرات وفعاليات مستمرة في الداخل للمطالبة بمحاربة الجريمة في الوسط العربي

بقلم: راغدة عسيران

   يعيش المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948 حالة مقلقة تستنزف قواه وتفكيره، متمثلة بتفشي الجريمة، الفردية والمنظمة، والتي وقع ضحيتها، منذ 2011 الى الآن، ما يقارب ال600 ضحية، دون تعداد الجرحى الذين سقطوا من جراء هذا العنف.

واجه فلسطينيو 48 هذه الظاهرة بالمظاهرات التي جابت معظم المدن والبلدات، محمّلين سلطات العدو المسؤولية عنها، إما بالتساهل معها، وإما بالترويج لها. وحاولت المراكز البحثية في الداخل دراستها، وشكّلت "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية" طاقما "علميا" للتصدي لها. وكتب العديد من المثقفين عنها، في محاولة لفهمها ومعالجتها. وعقدت ورشات العمل لمناقشة أسبابها وكيفية وضع حدّ لها.

يتناول هذا التقرير بعض مما كتب حول الموضوع في الأشهر الماضية (ملف خاص: الفلسطينيون في "إسرائيل": العنف والجريمة والإجرام المنظم" - قضايا إسرائيلية، عدد 77، مركز مدار، نيسان 2020)

قبل أيام، أصدرت "بلدنا - جمعية الشباب العربي" بالتعاون مع "المركز من أجل الثقة، والسلام والعلاقات الاجتماعية" في جامعة كوفنتري البريطانية، دراسة احصائية شاملة ل"9 سنوات من الدم"، رصدت "معلومات إحصائية عن ضحايا جرائم القتل... بين سنوات 2011-2019"، لأول مرة منذ تفشي هذه الظاهرة الخطيرة. تشير الدراسة الى أن "تقديم وتحليل معطيات حول الضحايا لا يعني بالضرورة فهم حالة العنف والجريمة" وأن "تقديم المعلومات حول الضحايا.. من شأنه أن يساعدنا على الفهم وأن يكون مدخلا لدراسات معمقة لاحقا".

وفقا للدراسة، يرتفع "المعدّل السنوي لجرائم القتل في المجتمع الفلسطيني في الداخل" الى 64 جريمة، وهو معدّل "مرتفع جدا" بالمقارنة مع نظيره في الضفة الغربية من جهة وفي المجتمع الصهيوني من جهة أخرى. وتفيد الدراسة أن جرائم القتل منتشرة "في كافة مناطق تواجد الفلسطينيين"، ولكن نسبة الضحايا أعلى في منطقة "المركز" (يافا، اللد والرملة) حيث أن عدد القتلى يرتفع الى 112 في هذه المنطقة، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز ال71,000 نسمة، ما يعني أن عدد القتلى لكل 100 ألف شخص هو 156، وهو الأعلى بين المناطق الفلسطينية. ارتفع عدد القتلى في منطقة الشمال (من عكا على الساحل الى بلدات وقرى الداخل) الى 138 ضحية، ما يشكل 24% من جموع الضحايا، ولكن بسبب عدد السكان الذي يصل الى 464,700 نسمة، فعدد القتلى لكل 100 ألف شخص هو 30. ولكن حين ركّزت الدراسة على تطور الظاهرة خلال السنوات التسعة، وجدت أن عدد الضحايا في الشمال ارتفع في السنوات الأخيرة، من 7 ضحية عام 2018 الى 24 ضحية عام 2019.

المدن والبلدات التي شهدت أكبر عدد من الضحايا هم يافا واللد والطيبة وأم الفحم والطيرة (2 في المركز و3 في المثلث)، وكان إطلاق النار هو أداة القتل الأكثر شيوعا (74% من الجرائم). أما بالنسبة لجنس الضحية، فالإناث تشكّل 16,3% من الضحايا، وهي نسبة أقل من نسبة الذكور التي ارتفعت الى 83,7%. تشير الإحصائيات الى أن جيل الشباب هو المستهدف الأول بجرائم القتل، إذ أن "حوالي نصف القتلى هم شباب من عمر 15 عاما حتى 30 عاما"، ونسبة فئة الشباب من الضحايا مرتفعة في كل المناطق، ورغم تدنّي عدد الضحايا في منطقة حيفا (24 ضحية)، إلا أن نسبة الشباب الذين سقطوا من جراء القتل تمثل 79% من مجمل الضحايا في هذه المنطقة.

إضافة الى هذه الدراسة الإحصائية، تناولت الدراسات الخاصة بالمسألة، الأسباب التي تقف وراء تفشي الجريمة. لكن في البداية، ميّزت المخرجة السينمائية والصحافية سهى عرّاف في دراسة استقصائية، بين الجريمة المنظمة والجريمة الفردية، معرّفة الجريمة المنظمة أنها "منظومة اجتماعية واقتصادية مرتبة ومركبة، ذات نظام إداري وهيكلية تنظيمية يسعى أعضاؤها الى جني مكاسب مادية".

من خلال المقابلات التي أجرتها مع المتخصصين في شأن الجريمة، يتّضح أن منظمات الإجرام الكبيرة ولدت بداية الثمانينيات في الشارع اليهودي، و"أصبحت تشكل خطرا على اقتصاد وأمن "إسرائيل". عملت هذه المنظمات في المدن اليهودية مثل نتانيا، كرمئيل ونهاريا.. كانت منظمات الإجرام "العربية" بمثابة مقاول ثانوي لها وكانت تتولى التنفيذ.."

وبعد انهيار المنظمات اليهودية التي تم محاربتها من قبل السلطات الرسمية، انتقلت الظاهرة الى الوسط العربي و"شرعت في تطوير ذاتها". فلم تحاربها الشرطة "الإسرائيلية"، فتوسّع نشاطها الى حدّ سيطرتها على المجالس المحلية والبلديات: "تعرّض رؤساء 15 سلطة محلية لإطلاق النار، مباشرة، خلال السنة المنصرمة (2019)، وهو ما يؤشر على منحى خطير... الهدف من وراء هذا كله هو تبييض أموال هذه المنظمات" من خلال المناقصات والابتزاز.

يقول رئيس "لجنة المتابعة لقضايا الجماهير العربية في الداخل"، محمد بركة : "منظمات الإجرام اخترقت السلطات المحلية قبل 20 سنة، في الانتخابات المحلية التي جرت في العام 1998... وتعززت قوة هذه المنظمات بالدعم الذي تحصل عليه من الدولة (الصهيونية).. الدولة لا تدافع عن القانون في القرى والمدن العربية.. وتحظى (هذه المنظمات) برعاية الدولة والشرطة وحمايتها".

في الدراسة ذاتها، تستطلع الكاتبة آراء مسؤولين فلسطينيين حول هذه الظاهرة. لم يخف أغلبهم تحميل المسؤولية للكيان الصهيوني ومؤسساته الأمنية، وركّز بعضهم على أن الأسباب سياسية، لا سيما بعد انتفاضة الأقصى العام 2000، التي أحدثت قطيعة بين المجتمع الصهيوني ومؤسساته الأمنية وبين المجتمع الفلسطيني. يلفت المحامي رسول سعدة الانتباه الى وجود "المتعاونين" (العملاء من الضفة الغربية وقطاع غزة) "نحن رفضناهم ونبذناهم، فأخذوا يبيعون المخدرات، كانوا يحملون السلاح ورويدا رويدا، انخرطوا في عالم الإجرام، وهو ما منحهم مكانة ما. الآن، أصبحنا نحن نتوجه اليهم ليوفروا لنا الحماية من أشخاص آخرين".

يؤيد مسؤول صهيوني أمني متقاعد هذا الكلام عن العملاء بقوله: "جلبوهم للسكن في جنوب تل أبيب ويافا، إنهم يحسبون إنه مسموح لهم فعل كل ما يريدون لمجرد أنهم كانوا متعاونين، بعض أفراد عائلاتهم أصبحوا مجرمين، لا يمكن التحدث معهم. بعضهم لديه أسلحة. هم واثقون تماما من أنهم مدعومون".

فإن كانت المؤسسة الأمنية الصهيونية تتحمل المسؤولية المباشرة عن تفشي العنف والجريمة المنظمة في المجتمع الفلسطيني، فهي تتحمل أيضا المسؤولية غير المباشرة بسبب احتلالها وتهميش المجتمع الفلسطيني، وإضعاف النخبه العربية الفلسطينية السياسية والمجتمعية. قد تكون يد الإجرام فلسطينية، لكن لا يمكن التغاضي عن التحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي أحدثتها النكبة لدى من بقي في وطنه.

يتحدث الاستاذ رضا جابر، مدير مركز أمان، "المركز العربي للمجتمع الآمن"، عن عملية "بتر مؤلمة لهذا المجتمع عن شعبه واستقراره بصورة قسرية، على هامش دولة ومجتمع آخر قوي ومعاد له... وقد أصبح الشعب الفلسطيني في الداخل "أقلية قومية في حالة صراع وهامشية دائمة داخل دولة تعتبرها جسما غريبا، بل عدوا لها". ثم جاءت "مرحلة ما بعد أوسلو، وقد رافقتها عملية بتر ناعمة وغير مرئية، في الوعي، عن القضية الأم، وقد أحدثت تحولا في عمق انتماء هذا المجتمع وتماسكه". فيستخلص أن "تأثير هذين الحدثين (النكبتين) متواصل وتراكمي، وله أبعاد عميقة على شعور الفرد بالانتماء لمجتمعه وشعوره بالمعنى والأهمية داخله. تتفشى الجريمة والعنف في المجتمعات التي تآكلت بوصلتها الجامعة وتشظّت هويتها".

في ظل الاحتلال ومنعه من التطور الطبيعي للمدن والبلدات الفلسطينية، "لم تتحول هذه التجمعات السكانية الى مدن حديثة" ولم تلب الطموحات الفردية لساكنيها. أسفرت سرقة الأراضي وسياسة التهميش التي أتبعتها المؤسسة الصهيونية الى تغيير البنى الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني وبالتالي، الى تغيير وظيفة العائلة والحمولة "من مصدر لحماية أفرادها الى مبنى سياسي يصحو فقط في الانتخابات المحلية".

ينطلق د. أسعد غانم الذي كلّفته لجنة المتابعة العليا لترأس طاقم لصياغة "المشروع الاستراتيجي لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي"، من ضرورة تقديم تفسير شامل لظاهرة العنف "حتى نقف على أرضية ثابتة تتيح معالجتها"، بدلا من التفسيرات "القطاعية" (اقتصادية، تربوية، تفكك المجتمع، انعدام النظام، الخ..). فيعتبر أن "تراجع المرجعيات التي تستطيع ضبط الناس وتنظيمهم بسبب المأزق المركب للأقلية الفلسطينية" مسؤول عن تفشي هذه الظاهرة، والمرجعيات "قد تكون أنماطا أو قيما أو أفكارا، وقد تكون مؤسسات، أو حتى قد تتمثل في قيادات فردية لها دور مركزي..".

تراجعت المرجعيات الاجتماعية والدينية "نتيجة لتغييرات على مستويات عدة"، والمرجعيات السياسية الوطنية، التي "لا تملك مفاتيح لحل قضايا الناس... (و)لا تطرح القيادات برنامجا جماعيا وطنيا لمستقبل الفلسطينيين في إسرائيل يستطيع أن يبعث الأمل..". وشعور الفلسطينيين بأنهم عاجزون عن التغيير "الى الأفضل" يؤدي "الى اللجوء لوسائل القوة والعنف، بمعنى أن حالة العنف المتزايد هي علامة قوية على انهيار المجتمع وتفتته".

ولكن، يبقى الكيان الصهيوني أساس هذه الأزمة، بسبب بنيته الإثنية و"رفض الدولة الإستراتيجي لمطالب المساواة والانتماء". فلذلك، فهو يعيد المسألة الى إقامة هذا الكيان أو "بعد قيام دولة إسرائيل" حيث بدأت"مشكلة الفلسطينيين في إسرائيل، وهي جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية بمفهومها الواسع". يعتبر د. غانم أن "التهميش المزدوج" للمجتمع الفلسطيني (الحركة الوطنية الفلسطينية التي أُبعدوا عنها أو ابتعدوا عنها، وكيان الاحتلال)، أدى "الى تغلغل الوهن والضعف والتفتت على المستوى الداخلي" والى "انعدام رؤية متفق عليها لمستقبل جماعي".

إضافة الى "تعقيدات سيرورة التغيير الاجتماعي"، شكّلت هذه العوامل "الحاضنة الأشمل لتفاقم العنف، وحتى الجريمة.. حتى أن عصابات الجريمة المنظمة تجد مرتعا خصبا لعملها، ولا تجد من يردعها داخليا من حيث المجتمع، وخارجيا من قبل الشرطة".

أمام هذا التشخيص السياسي والاجتماعي لأسباب تفشي الجريمة، قدّم الباحثون بعض الاقتراحات لمعالجتها، كل حسب اختصاصه. في حين ركّز الخط الإندماجي على مطالبة الشرطة ووزارة "الأمن" الصهيونية بتحمّل المسؤولية ومحاربة الجريمة في الوسط العربي كما تحاربه في الوسط اليهودي، طالب آخرون علاجات "قطاعية"، مع التركيز على ضرورة النهوض الإقتصادي، وفرض "القانون"، والتوعية في المدارس والمنازل حول مخاطر استخدام العنف.

يرى الأستاذ رضا جابر أن "معالجة العنف والجريمة بالوقاية منه كفعل استباقي، أو مواجهته المباشرة، هو فرصة المجتمع الفلسطيني لإعادة التأكيد على قيمه"، لكنها بحاجة الى مشروع "مجتمعي وحكومي مدعوم بالميزانيات الهائلة، وأيضا بموقف سياسي داعم ومستعد للمواجهة لسنوات طويلة". من جهته، يركّز د. أسعد غانم على ضرورة المعالجة الشاملة، تبدأ ب"إعادة الاعتبار لتنظيم المجتمع، من خلال إعادة ترميم أو بناء جديد لمرجعيات مجتمعية، وعلى رأسها موضوع القيادة الجماعية" والالتفاف حول مشروع وطني.

يستند د. غانم على تاريخ الشعب الفلسطيني و"تجربة مجتمعنا الفلسطيني في "إسرائيل" إبان عهد الصعود الوطني.. فالشروع بمشروع جماعي، يشدّ الجماعة وينظمها ويجعلها أكثر تسامحا فيما بينها، في مواجهة العدو الخارجي"، ولكنه يضيف أن على الدولة (الصهيونية) أن تغيّر سياستها وكذلك الشرطة.

رغم اعترافه أن "سياسات الدولة هي السبب الرئيسي في تفكك المجتمع الفلسطيني عموما"، يستبعد د. غانم "أي إمكانية واقعية لأن يكونوا (فلسطينيو الداخل) جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية في الظروف الراهنة، على أساس من المساواة مع الفئات الفلسطينية الأخرى".

فلهذه الأسباب، يطالب بصياغة مشروع وطني لفلسطينيي الداخل، بمعزل عن بقية الشعب الفلسطيني، للخروج من الأزمة الوجودية التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني في الداخل، أي الاعتراف بالمواطنة الكاملة وبـ"الحقوق القومية" للمجتمع الفلسطيني ضمن الكيان الصهيوني. فهي العودة مرة أخرى الى ثنائية المواطنة في كيان العدو مقابل المشاركة في الحركة الوطنية الفلسطينية، رغم تعثرها الحالي، ضمن برنامج يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل ساحة من ساحاتها.

انشر عبر
المزيد