محاولات شرعنة العمالة والتاريخ الأسود

03 حزيران 2020 - 10:30 - الأربعاء 03 حزيران 2020, 10:30:23

صبرا وشاتيلا.. إرث العملاء الأسود
صبرا وشاتيلا.. إرث العملاء الأسود

بقلم: سمير أحمد

أعادت تغريدات وتصريحات ومواقف نديم بشير الجميل التي أطلقها عشية الجلسة النيابية (في 28/5/2020) التي ناقشت من بين جدول أعمالها مشروع قانون "العفو العام" الذي يشمل -من بين من يشملهم- العملاء الذين خدموا في جيش العدو الصهيوني... أعادت تلك التغريدات وما تلاها من مواقف وتصريحات، الجدال والنقاش الذي لم يتوقف حول هذه الفئة من "اللبنانيين" الذين باعوا وطنهم وأنفسهم، ودينهم، بحفنة من الدولارات، وانخرطوا في جيش العدو، وارتضوا أن يشكلوا له درعا بشريا وأكياس رمل ومتاريس وحراساً، يتلقون بصدورهم قذائف المقاومة الموجهة الى المحتلين، وعملوا كقوة ردع وإرهاب لأبناء جلدتهم في المناطق الجنوبية المحتلة، نفذوا أقذر المهمات، وأكثرها إيذاء وإيلاما، وأذاقوا الأهالي كل أشكال الإرهاب والعسف المادي والمعنوي، وألحقوا الكثير من الأذى بالمقاومين المعتقلين، وأسرهم الكريمة، في سجون العدو، بدون تمييز بين رجل وامرأة، أو شيخ وطفل.

كان رهان العملاء في الجنوب المحتل، وأقرانهم من قادة سياسيين وأحزاباً وقوى ميليشياوية في الداخل اللبناني، أن يبقى العدو جاثماً على صدر الوطن، وأن يلحق الهزيمة بالمقاومة، التي ما فتئوا يهاجمونها منذ انطلاقتها الأولى، مرة باعتبارها عملا مغامراً لا جدوى منه، وأفعالها غير محسوبة النتائج؛ وأخرى، بزعم استدراجها للعدو وتعريض لبنان للدمار، وشعبه للموت؛ وثالثة، أن هذه المقاومة ليست لبنانية وتخدم أجندات خارجية؛ ورابعة، أن العين لا تقاوم المخرز؛ وخامسة، أن انسحاب العدو من الأراضي اللبنانية المحتلة، قد يتم عبر المفاوضات والمشروعية الدولية، وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وبدعم "أصدقاء لبنان"؛ وسادسة وسابعة، "أن قوة لبنان في ضعفه".

إلا أن رهان العملاء وأقرانهم في الداخل اللبناني، من سياسيين وقوى ميليشياوية، ومن الخارج على حد سواء، قد خاب. حيث ألحقت المقاومة الإسلامية بجيش العدو –الذي قيل يوما إنه لا يقهر- شر هزيمة نكراء، دفعته للفرار تحت جنح الظلام في الخامس والعشرين من أيار/مايو العام 2000. وقد وصف قادة جيش العدو العسكريين والسياسيين والأمنيين، الإنسحاب من لبنان، وبدون قيد أو شرط، بالنكسة. وعبروا عن ذل الهزيمة بقولهم: ”لقد انسحبنا من جنوب لبنان وذيلنا بين أرجلنا”.

وترك الجيش المهزوم خلفه فلول العملاء، على اختلاف مسمياتهم، وتشكيلاتهم، في الجنوب المحتل، وفي الداخل اللبناني، وباتوا كالأيتام على موائد اللئام، وقد اسودت وجوهم، وخارت قواهم،  وانهارت معنوياتهم، بعدما فاجأتهم الهزيمة، بقدر ما أذهلهم فرار جيش الاحتلال، تحت وابل من ضربات المقاومين، ودخول جحافل المحررين من أبناء القرى التي كانت قبل لحظات محتلة، ليل الخامس والعشرين من أيار/مايو. حيث ترك العملاء مواقعهم وزحفوا خلف الجيش المهزوم، يجرون ذيول الهزيمة والخيبة، مكللين بكل أكاليل العار، ووقفوا أذلاء أمام البوابة (الفاصلة) التي أقفلها بوجههم الضابط الصهيوني بيني غانتس، الذي صار اليوم رئيس حكومة العدو البديل، في حكومة الشراكة مع بنيامين نتنياهو، وهم يستجدون ويتوسلون قادة العدو فتح بوابة العار أمامهم، والسماح لهم بالعبور إلى الداخل الفلسطيني المحتل. وقد نقلت كاميرات الصحفيين صورهم السوداء، مباشرة على الهواء، وهم يعاملون كالكلاب النازفة المثخنة بالجراح، كما قال ضابط عميل مأجور بحضور "كبيرهم" أنطوان لحد.

العدو والعميل في الدستور اللبناني

ولئن اختلفت القوى السياسية اللبنانية حول تسمية العملاء والوصف الذي يستحقونه، بين من يصفهم بـ"الفارين الهاربين" خلف الجيش المهزوم، ويستحقون إنزال اقسى العقوبات بحقهم، بسبب أفعالهم المشينة وخدمتهم لمحتل بلادهم؛ وبين من يزعم أنهم "مبعدون"، قسرا، وبقوة السلاح، كما قال أحد ممثليهم والمدافعين عنهم، ولا بد من فتح الأبواب لعودتهم (إلى ربوع الوطن)، وإصدار العفو عنهم، فإن الدستور اللبناني واضح في تسمية "إسرائيل" بـ"عدو لبنان"، وفي توصيف من يتعامل مع العدو الصهيوني، ومن يخدم في صفوف جيشه...

وقانون العقوبات اللبناني، يؤكد في المادة 273، أن "الصلات محظورة مع هذا العدو، أو مع أحد رعاياه"... و"أن كلّ لبناني حمل السلاح على لبنان في صفوف العدو عوقب بالإعدام"..

و"كلّ لبناني، وإن لم ينتمِ إلى جيشٍ معادٍ، أقدم في زمن الحرب على أعمال عدوان ضدّ لبنان، عوقب بالأشغال الشاقّة المؤبّدة" .

وتقول المادة 274 عقوبات: إن "كلّ لبناني دسّ الدسائس لدى دولة أجنبية أو اتّصل بها ليدفعها إلى مباشرة العدوان على لبنان أو ليوفّر لها الوسائل إلى ذلك، عوقب بالأشغال الشاقّة المؤبّدة، وإذا أفضى فعله إلى نتيجة عوقب بالإعدام".

بهذا الوضوح، وبهذا الكلام الحاسم والجازم، الذي ينطق به الدستور اللبناني، ويحرسه قانون العقوبات، فإن "إسرائيل" هي كيان معادٍ للشعب اللبناني، يجرم من يتعامل معه، ومن يلتحق بصفوف جيشه المحتل، ويقوم بالاعتداء على وطنه وقتل أبناء جلدته...

وهذه الجرائم المستنكرة والمدانة من قبل الغالبية العظمى من الشعب اللبناني، لا تسقط بمرور الزمن. ويكفي الاستشهاد بما فعلته الثورة الفرنسية بالعملاء الذين خدموا القوات الألمانية، حيث قتلت منهم نحو 20.000 عميل في ساعات معدودة. وهذا القصاص العادل الذي يستحقه العملاء.  

في ضوء ما تقدم، أين يمكن وضع تغريدات وتصريحات نديم الجميل، ابن بشير الجميل، قائد ميليشيا "القوات اللبنانية"، التي استدعت العدو الصهيوني لغزو ثلاثة أرباع الأرض اللبنانية بما فيها القصر الجمهوري والعاصمة بيروت، وشاركت في حصارها، وقتل سكانها، وقطع الماء والغذاء والهواء عن أهلها لأكثر من ثلاثة أشهر... وساهمت بشكل مباشر في الوصول إلى اتفاق الذل والعار (كما وصفه الرئيس نبيه بري) في 17 أيار 1983، الذي كبَّل لبنان بالأصفاد الصهيونية، ووضعه تحت الهيمنة الكاملة والمباشرة لسلطات العدو الصهيوني... هذا الاتفاق الذي أسقطه الشعب اللبناني ومقاومته الوطنية بالضربة القاضية في الشارع، قبل أن يسقطه مجلس الوزراء في الخامس من آذار العام 1984؟..

ففي تغريدته بتاريخ 26/5/2020 يتجاوز الجميل الإبن الوضوح الوارد في الدستور بشأن العداء لـ"إسرائيل". ويقفز على قانون العقوبات ويقول: إن “العميل هو يللي بيدعم فكرة لبنان وطن بديل! العميل هو يللي بيوقف مع الفلسطيني والسوري والليبي واللي معن ضد يللي عم يحارب التوطين! ومنكرّر انو في كتير مبعدين، وطنيين اكتر من كثير لبنانيين بالداخل"...

وفي تغريدة أخرى بنفس التاريخ، يقول الجميل: "مش ممكن اليوم يقطع وما نتذكر ونطالب بعودة كل لبناني مبعد إلى الأراضي المقدسة.

عودتن إلى لبنان دون أي قيد أو شرط حق مقدس كون هل دولة بالذات تخلت عنّن وطول عمرا اعتبرتن مواطنين درجة تانية، وكونن هني بالذات وطنيين أكتر من كتير ناس بيعتبروا حالن لبنانيين إنما هني مجرد أداة للخارج".

وفي تصريح له على قناة الجديد في 27/5/2020 قال الجميل لبرنامج “أنا هيك” "إننا لم نعد نقبل بالتخوين من أحد، و”المبعدون” إلى فلسطين المحتلة هناك من وضع السلاح في رؤوسهم ونطلب العفو عن المبعدين قسراً بحكم الظروف"...

ان الدفاع المستميت عن العملاء من قبل الجميل الإبن وبعض القوى والأحزاب التي انخرطت في المخطط الصهيوني، ونفذت ما طلب منها من معارك ومجازر بحق الشعببين اللبناني والفلسطيني في لبنان، وأبرزها مجزرة صبرا وشاتيلا، التي قتل خلالها عملاء "إسرائيل" أكثر من 3500 مواطنة ومواطن من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين والعرب، إنما هو محاولة يائسة لإضفاء صفة "الشرعية" على مفهوم العمالة، وكل ما قام به العملاء الذين تجندوا في صفوف العدو لعقود عدة... ومسعى مكشوف لتبييض صفحات تاريخهم الأسود الذي يطفح بالكثير الكثير من الجرائم الموصوفة بحق الشعبين اللبناني والفلسطيني، وبحق المقاومين الذين يقعون في قبضة العدو، ويزجون في سجونه ومعتقلاته...  

وبالتالي، فإن التشديد والاستماتة لإقرار مشروع قانون العفو العام، الذي يشمل العملاء المتصهينين، الذين فروا خلف جيش العدو المهزوم، هي محاولة لنزع صفة العمالة وإسقاط العقاب عنهم، وتبييض صفحاتهم السوداء. وهو ما يصب بالضرورة في سياق مساعي تجميع فلول العملاء، ومن بينهم العميل عامر فاخوري، الذي استنفرت الإدارة الأمريكية كل إمكانيتها، ومارست كل ضغوطها لإطلاق سراحه، وبعثت بطائرة خاصة، اخترقت السيادة اللبنانية ودنست أجواء البلد لتهريب الفاخوري..

وكل ذلك في إطار تعزيز الوجود المعادي لقوى المقاومة الإسلامية في لبنان، والفلسطينية، التي تتهمها إدارة دونالد ترامب بـ"الإرهاب" والتي تندرج تحتها الدعوات المشبوهة لنزع سلاح المقاومة، وتجريدها من كل عناصر قوتها، ليتحول لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة والمحاصرة إلى لقمة سائغة بين براثن العدو الصهيوني. وبالتالي تعبيد الطريق أمام تمرير "صفقة القرن" الأمريكية الصهيونية.

وبالمقدار ذاته يساهم العفو العام عن العملاء، وما يواكبه من حملات تبريرية لفعل العمالة، وتغطية لأعمال وجرائم كبار عملائهم أمثال عامر الياس فاخوري، الذي تجندت لإنقاذه الإدارة الأمريكية، في قلب المفاهيم وتغييرها، بحيث يصبح العدو التاريخي للأمة العربية والذي يغتصب الأرض الفلسطينية ويدنس مقدساتها المسيحية والإسلامية، ويحتل أراضٍ عربية في سوريا ولبنان، ويعتدي عليها ويدوس على سيادتها صبح مساء.. يصبح هذا العدو صديقا، والصديق والشقيق عدوا. وهو ما تساهم في إنجازه حملات التطبيع، الذي تساهم به المؤسسات الإعلامية لدول مجلس التعاون الخليجي التي أخرجت –حتى اليوم-  مسلسلين تطبيعيين مرا على شاشاتهم خلال شهر رمضان الفائت.

لذلك لا نسمع أصوات هذه الحفنة، تنديدا أو استنكارا ولو حتى همساً، بتدنيس العدو الصهيوني السيادة اللبنانية، براً وبحراً وجواً مئات وآلاف المرات شهرياً، دون أن يرف لسيادتهم جفن. وهو ما يكشف حقيقة المواقف المشهرة من ملف العملاء، وتلك المعادية لقوى المقاومة والقضية الفلسطينية برمتها، ويفضح انحيازهم مع المطبعين العرب، للمحور الأمريكي الصهيوني.

لذلك لم تفاجئ تصريحات الجميل الإبن أي عاقل، حين صرح بأن القضية الفلسطينية اضرت بلبنان، وبأن القضية الفلسطينية لا تعنيه، وبأن لا مانع لديه بأن يوقع تسوية مع العدو الصهيوني. إذ أن الانتماء إلى المحور الاستعماري الغربي الأمريكي، والعلاقة مع كيان العدو الصهيوني، قديم ومتأصل، منذ ما قبل النكبة وبعدها. وكانوا شركاء في الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1958، والثانية التي شهدها لبنان في العام 1975، وفي اجتياح العام 1982، وفي المجازر التي ارتكبها الغزاة وعملائهم ومليشياتهم ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني.

وللجميل الإبن الذي يدعي مرارا وتكرارا بأنهم أسقطوا مشروع توطين الفلسطينيين بتفجيرهم الحرب الأهلية في السادس والعشرين من شباط العام 1975، نقول بأن مشاريع التوطين التي بدأت في وقت مبكر مطلع خمسينيات القرن الماضي، هي صناعة أمريكية صهيونية، والهدف منها كان ولا يزال تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وشطب حق العودة، كمقدمة لتصفية القضية الفلسطينية برمتها، وأن الشعب الفلسطيني وكل حلفائه من أحرار الأمة والعالم هم الذين أسقطوا كل حلقاتها، وآخرها "صفقة ترامب... وجل ما قامت به الميليشيات العنصرية هو إعلام الحرب على الضحية المستهدفة بالمخططات الصهيو أمريكية، والالتحاق بأصحاب مشروع التوطين الذين أرسلوا السفن الأمريكية الى مرفأ جونية لتهجير المسيحيين، كما فعلوا ويفعلون في العراق وسوريا وفلسطين.

ونحيل هذه الحفنة الفاشية والعنصرية الى ما قاله المفكر اللبناني ميشال إدة الذي لطالما أكد "أن إسرائيل سقطت هي ومحاولاتها فرض مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين على لبنان، والذي خططت له إجهارا في آن معا على الشعب الفلسطيني وقضيته وعلى لبنان". (مجلة الجيش، العدد 208/2002).  

ان اختباء البعض خلف ملف العمالة، لن يجعل من هذا الأمر، وجهة نظر، مثلما أن الحرب المفتوحة على قوى المقاومة وسلاحها، لن تخفي التوجه الفعلي لمساعي هذا الفريق المنحاز للمحور الأمريكي الصهيوني الخليجي، للانخراط في مشروع تطبيع العلاقات مع كيان العدو الصهيوني، وفتح الأبواب معه بشكل علني، على طريق إنهاء الصراع العربي الصهيوني، وفق الرؤية الأمريكية – "الإسرائيلية"، على حساب القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، والأمة العربية.

انشر عبر
المزيد