"ثورة" الأميركيين أبعد من ثنائية "الأبيض والأسود"

02 حزيران 2020 - 12:43 - الثلاثاء 02 حزيران 2020, 12:43:25

المواجهة في مينيابوليس
المواجهة في مينيابوليس

بقلم: وسام متى*

قضية جورج فلويد ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. هذه بديهية تجد الكثير من الدلائل المؤكِّدة في العلاقة المجتمعية بين البيض والأقليات العرقية في الولايات المتحدة، والتي يحكمها التمييز ليس في قطاع الشرطة فحسب، وإنما في الكثير من المفاصل الاقتصادية والاجتماعية، وحتى في الخدمات الصحية، على النحو الذي ظهر في مؤخراً خضم أزمة فيروس «كورونا».

الاحتجاجات المرافقة لمقتل المواطن «الأسود» جورج فلويد على يد – أو بعبارة أدق تحت اقدام – رجل الشرطة «الأبيض» في مينيابوليس، قد تشكل نقطة مفصلية في صراع داخلي يتجاوز عنوان «العنصرية»، لا سيما أن الواقعة تترافق مع سلسلة من المسببات التي تفاقمت في عهد دونالد ترامب إلى حدود يرى الكثيرون أن الولايات المتحدة لم تشهد مثيلاً لها منذ حربها الأهلية.

في الإعلام الأميركي، دخلت كلمة «ثورة» في التداول، بعدما كان استخدامها نادراً في قاموس السياسة الداخلية الأميركية. مراكز الشرطة والمقرات الرسمية باتت تحت حصار المحتجين.. ورئيس «اقوى ديموقراطية في العالم» انتهت به الحال، بناءً على نصائح أمنية، لأن يصبح حبيس مخبأ تحت البيت الأبيض يحميه من غضب شعبه أو البعض منه.

رباعية العنصرية، الاقتصاد، الأيديولوجيا والانتخابات

خلف الشرارة التي اشعلها مقتل جورج فلويد، لا يمكن فصل ما يجري في الولايات المتحدة حالياً عن مجموعة من الأزمات الأكثر عمقاً، تتراوح بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعرقي، والتي أخذت تتداخل أكثر فأكثر منذ بدء العد العكسي لانتهاء الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، بحيث باتت السياسة الداخلية الأميركية متقاطعة بين حملة انتخابية مستعرة، وصراعات أيديولوجية تقليدية ومستجدة، بجانب أزمة اقتصادية فاقمها انتشار فيروس "كورونا".

بهذا المعنى، يمكن اعتبار المسألة العنصرية، أو قضية الإجراءات التعسفية للشرطة الأميركية، رأس جبل الجليد في مجموعة متكاملة من الأزمات التي تعود جذورها إلى ما قبل عهد ترامب.

صحيح أن الانفجار الحالي أتى على خلفية ممارسات الشرطة الأميركية، لكن في المقابل، فإن هناك اقراراً دائماً بأن هذه الممارسات ليست ظاهرة جديدة، وبأن نظام إنفاذ القانون الأميركي بأكمله مبني على الانحياز العنصري.

وفقاً للاحصاءات المعلنة، فإن العام 2019 وحده، شهد مقتل 1099 شخصاً على يد رجال الشرطة الأميركية، وأن الرجل الأسود في الولايات المتحدة معرض عموماً لخطر القتل على يد الشرطة ثلاث مرات أكثر من الرجل الأبيض، كما أنه في 99 في المئة من الحالات، لا تتم مقاضاة ضابط الشرطة على فعله.

علاوة على ذلك، تؤكد الإحصاءات نفسها، على سبيل المثال، أنه بين العامين 2012 و2018، قتلت الشرطة الأميركية ما معدله 2.8 شخصاً في اليوم، وأن المواطنين غير البيض يواجهون خطراً أكبر، فمن بين مئة ألف اميركي يتم توقيفهم، يُقتل 2.4 شخص من أصل أفريقي، و1.2 شخص من أصل إسباني، في مقابل 0.7 شخص من البيض.

إضافة إلى ما سبق، فإن قلة في الولايات المتحدة على قناعة بأن الاحتجاجات التي انطلقت من مينيابوليس ستغير أي شيء جوهري في هذا الواقع، حتى لو استجابت السلطات لمطالب المتظاهرين وأرسلت الشرطي الذي قتل فلويد الى السجن، مع العلم بأن تركه حراً هذه المرة قد يقود الشارع الغاضب الى موجة متصاعدة من الاضطرابات.

لهذا السبب، يمكن القول إنه إذا كان السبب المباشر للاحتجاجات الحالية هو مقتل جورج فلويد، إلا أن أسبابها الفعلية أعمق بكثير.

حتى الواقعة نفسها تنطوي على ما يتجاوز سردية “التمييز العنصري”، وهو أن ثنائية «الأبيض والأسود» في العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن من أصول أفريقية أو لاتينية تحمل في ظاهرها جزئية عرقية، إلا أنها تحمل في باطنها جزئية طبقية، فغالبية السود في أميركا فقراء للغاية وأقوياء جسدياً في الوقت ذاته، ما يعني أن اي اشتباك بين شرطي «ابيض» ومواطن «أسود» لا بد من أن يكون محكوماً بسلسلة من الانفعالات النفسية التي يتداخل فيها الأصل العرقي مع الانتماء الطبقي، خصوصاً أن الشرطة الأميركية تعترف منذ زمن طويل بأنها تشكل "طبقة خاصة".

هذا ما يفسح المجال أمام مسببات أعمق لموجة الاحتجاجات الحالية، أهمها الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بسبب فيروس «كورونا»، والتي فقد بسببها نحو 40 مليون شخص (25 في المئة من السكان) وظائفهم، وهو رقم قياسي منذ الكساد الكبير عام 1933.

هذا ما يفسر كيف أن البيض الغاضبين من تداعيات الازمة الاقتصادية انضموا إلى السود الغاضبين للسبب ذاته، فضلاً عن تعسف الشرطة بحقهم، ما يعني أنه لولا الازمة الاقتصادية لما خرج نطاق الاحتجاجات الحالية عن نطاق سابقاتها في العهود الرئاسية السابقة.

نقطة مفصلية

من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه موجة الاحتجاجات الحالية، ولكن بعيداً عن الخيال السياسي الذي يدفع البعض –  لا سيما في فضاء التواصل الاجتماعي العربي – إلى الحديث عن سيناريوهات متطرفة تذهب الى حد التعبير عن الآمال بسقوط الولايات المتحدة، فإن أحداث مينيابوليس وشقيقاتها من المدن الأميركية تمثل، من دون ادنى شك، نقطة مفصلية في التاريخ الأميركي، على النحو الذي من شأنه أن يجعل اسم جورج فلويد في الولايات المتحدة موازياً لاسم محمد البوعزيزي في تونس أو خالد سعيد في مصر، في حال انفلات الأمور عن المسار التقليدي للعلاقات السياسية الداخلية.

ولكن في الحد الأدنى، سيكون للاحتجاجات الحالية أثرها الكبير على الانتخابات الأميركية، اذ بات واضحاً أن الديموقراطيين سيستخدمونها الى اقصى حد في معركتهم الانتخابية ضد دونالد ترامب، لا سيما أن استثمار أزمة «كورونا» قد لا يكون مجدياً بما فيه الكفاية، بعدما بات الفيروس «روتيناً» منذ أن تخطت الولايات المتحدة ما يُسمى «العتبة النفسية» المتمثلة في مئة ألف حالة وفاة.

وإذا كان الاستثمار «الديموقراطي» لقضية جورج فلويد أمراً مؤكداً فإن هامش المناورة فيه قد يكون محدوداً، خصوصاً أن بإمكان «الجمهوريين» أن يحاججوا بأن سجل منافسيهم الديموقراطيين في مجال التمييز العرقي ليس مشجعاً على الإطلاق، بدليل أن الأحداث المرتبطة بالتمييز العرقي كانت نمطاً متكرراً في عهد باراك أوباما – أول رئيس أسود للولايات المتحدة – منذ الاحداث التي تلت مقتل أوسكار غرانت (2009)، وبعدها حركات الاحتجاج الغاضبة في فيرغسون (2014)، وشارلوت (2016)، وسانت لويس (2017)،  في حين أن أحداث مينيابوليس هي الأولى على هذا المستوى في عهد دونالد ترامب، إذا ما استثنينا صدامات بورتلاند التي كانت في الواقع تعبيراً عن صراع ايديولوجي اشعله اليمين الشعبوي.

انطلاقاً من ذلك، فإن الديموقراطيين قد يجدون صعوبة في اجتذاب قاعدة شعبية في صفوف الناخبين «السود» الذين تبين أن رهانهم على باراك اوباما قبل 12 عاماً لم يكن أكثر من وهم.

في المقابل، فإن القاعدة الانتخابية الثابتة لدونالد ترامب ستدعم نهجه في التعامل مع الأحداث الحالية، ما يجعل رهانه منصباً أكثر على الاقتصاد منه على المعضلة العرقية.

ولكن الاقتصاد ليس ورقة محسومة في يد ترامب، ذلك أن الاحتجاجات الحالية، ببعدها الاقتصادي، قد تقود الولايات المتحدة الى موجات متتالية من الغضب الواسع النطاق، بدليل ما تشهده الجولة الحالية من اعمال تخريب ونهب.

قبل أشهر، كان بإمكان الرئيس الأميركي مواجهة خصومه بالعزف على الوتر الحساس لدى الناخبين الاميركيين: النمو الاقتصادي وانخفاض عدد العاطلين عن العمل… لكن كل ذلك انهار بمجرد دخول أول فيروس تاجي الى الولايات المتحدة، ومن غير المعروف بعد ما إذا كانت الفترة المتبقية من الولاية الرئاسية الحالية كافية لاعادة توجيه المسار.

ملامح المستقبل الاميركي ستتضح أكثر في غضون الأسابيع القليلة المقبلة. قد تتمدد الاحتجاجات الحالية وقد تنحسر بشكل أو بآخر، كما حدث في الماضي. قد تنجح إجراءات فتح الاقتصاد الأميركي بعد فترة الاغلاق التي فرضها فيروس «كورونا»  في اعطاء دفعة انتخابية لترامب وقد لا تحقق المأمول منها… ولكن أياً تكن الحال، وبصرف النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، فمن المرجح أن يستمر التوتر، وستكون أحداث مينيابوليس مجرد «بروفة» لما هو أكبر.

*صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

انشر عبر
المزيد