من المقاطعة إلى التطبيع... هل يمكن تجاوز الإرادة الشعبية؟

01 حزيران 2020 - 04:40 - الإثنين 01 حزيران 2020, 04:40:22

وكالة القدس للأنباء - متابعة

قبل أن تكون مقاومة التطبيع موقفا عربيا رسميا كانت موقفا شعبيا فلسطينيا، عبّر عن إدراك عفوي لحقيقة المشروع الصهيوني، فبرزت المقاطعة أسلوبا نضاليا للشعب الفلسطيني منذ عشرينيات القرن الماضي، واستهدفت التوظيف الاستعماري البريطاني- الصهيوني للوجود اليهودي في سياق مساعي تأسيس "الوطن القومي لليهود" في فلسطين.

أصبحت مقاطعة إسرائيل موقفا سياسيا عربيا ثابتا من الكيان الرسمي الذي أعلن عن نفسه العام 1948 تحت مسمى "دولة إسرائيل". ورغم قنوات اتصال سرية بدولة الاحتلال "الإسرائيلي"، وحتى العام 1973، استمرت مقاطعة "إسرائيل" في مختلف المستويات تحوز، فيما هو معلن، إجماعا عربيا، رسميا وشعبيا. وطرح لأول مرة مصطلح التطبيع "normalization" (بحسب معجم أكسفورد: جعل الشيء مناسبًا للظروف وأنماط الفعل الطبيعية، من الصفة normal أي المعتاد أو الطبيعي أو الاعتيادي) من قبل الجانب "الإسرائيلي" في مفاوضات السلام مع مصر، ليكون مقابلا للمقاطعة، ويشمل إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية وثقافية.

ومنذ سنوات يتحدث رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، عن تحسن العلاقات مع دول عربية (لم يحددها) تشارك "إسرائيل" في اعتبار إيران عدوا، وحاجة هذه الدول العربية للتعاون مع "إسرائيل" في مجالات التقنيات والمسائل الأمنية كمكافحة التطرف الإسلامي وغيرها، وأن ذلك يجري دون تحقيق أي تقدم مع الفلسطينيين. تصاعدت موجة التطبيع بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 28 يناير/كانون الثاني الماضي، الخطوط العريضة لخطته للسلام في الشرق الأوسط، المعروفة إعلامياً بـ"صفقة القرن"، والتي لم تعارضها دول عربية (مثل السعودية والإمارات والبحرين) سبق أن أقدمت على خطوات تطبيعية.

وقال نتنياهو في تغريدة على حسابه في"تويتر"، في 9 فبراير/شباط 2020، إن العالم يشهد تغييراً هائلاً تقوده "إسرائيل" من أجل تغيير علاقاتها مع جميع الدول العربية والإسلامية. اللقاءات بين مسؤولين "إسرائيليين" وعرب عكست رغبة الطرفين في إنهاء حالة "العداء" بينهما، بعد ترسيخ واقع عزل المسار الفلسطيني عن المسار العربي؛ والقبول بإدماج "إسرائيل" في منطقة الشرق الأوسط كقوة فاعلة.

من المقاطعة إلى التطبيع

انطلاقا من الدوائر السياسية "الإسرائيلية"، بدأ مصطلح التطبيع يدخل إلى الأدبيات العربية، ليزاحم "المقاطعة" التي بدأت خيارا شعبيا قبل أن تصبح خيارا رسميا عربيا. وبالرغم من اتفاقيات السلام الموقعة مع دول عربية، بدا أن أهم دعائم المقاطعة قد سقطت بعد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، وقيام السلطة الفلسطينية على أراضي الحكم الذاتي بموجب اتفاقيات أوسلو، وتعالت أصوات ترفض المقاطعة المطلقة بدعوى السلام، ودعت إلى "مقاطعة انتقائية" مؤسسة بذلك لأنماط معينة من العلاقات مع "إسرائيل" بحجة البحث عن الأوساط المعارضة لسياسات الحكومة الإسرائيلية. لاحقا، انهار جدار المقاطعة رسميا بالكامل، ووجدت دول عربية مصلحتها في التطبيع الكامل مع إسرائيل، وتورطت في مناصرة "القضية الإسرائيلية" على حساب القضية الفلسطينية، وروّجت للسردية التاريخية الصهيونية على حساب السردية الفلسطينية، ومضت في بناء علاقات عربية إسرائيلية لا ترتبط بتطورات عملية السلام بين العرب وإسرائيل، في مراحل سابقة، أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المرحلة الحالية.

التطبيع: من بن غورين إلى نتنياهو

في العقود الأولى لتأسيسها، طوّرت "إسرائيل" استراتيجية أمنية واقتصادية لتتخطّى العزلة التي وجدت نفسها فيها، عرفت بـ "عقيدة الأطراف  (periphery doctrine)، وبموجب هذه العقيدة، التي تبنّاها دافيد بن غوريون، اعتقد الإسرائيليون أن بوسعهم القفز فوق التحدّي الذي خلقته لهم قومية الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وتخطّي المقاطعة والعزلة التي فُرضت على كيانهم، وذلك من خلال تفتيت الكيانات السياسية العربية من خلال الدفاع عن أي أقلية قومية إثنية أو دينية في المنطقة والحفاظ على نسيج تعددي للشرق الأوسط، ودعم قيام كيانات لها خصوصية ثقافية وحضارية واجتماعية. وبموجب هذه العقيدة أيضا، سعت إسرائيل إلى إقامة علاقات مع دول غير إسلامية، وإسلامية غير عربية تحيط بالعالم العربي جغرافياً للفكاك من الطوق الخانق الذي فرضه العرب على إسرائيل، فأقامت ابتداءً من خمسينيات القرن لماضي، علاقات جيّدة مع كل من تركيا، إيران، واثيوبيا، مُستفيدة من مشاكلها مع الدول العربية لاسيما المائية والحدودية.

وبالرغم من أن "إسرائيل" خسرت حلفاءها، بعدما أطاح انقلاب عسكري بالإمبراطور الأثيوبي هيلا سيلاسي عام 1974، ثم إطاحة الثورة الإسلامية بالشاه محمد رضا بهلوي في إيران عام 1979، إلا أن هذا الجانب من تلك العقيدة بقي يشكل حيزا مهما من التفكير الاستراتيجي "الإسرائيلي".

تفوق نتنياهو على بن غوريون ليصبح رئيس الوزراء الأطول حكما في تاريخ دولة الاحتلال "الإسرائيلي"، بل رأى محللون "إسرائيليون" أنه قدم "لإسرائيل" أكثر مما فعل بن غوريون، سواء على صعيد تغيير البنى السياسية والإعلامية والقانونية في "إسرائيل" بما يخدم المشروع الأيديولوجي اليميني المتشدد، أو على صعيد تغيير الوعي العام "الإسرائيلي"، أو على مستوى نظرة "إسرائيل" إلى نفسها لتصبح بموجب القانون "الإسرائيلي" "الدولة القومية للشعب اليهودي" تطالب الأصدقاء والأعداء بالاعتراف بها على أنها كذلك.

تراجعت فرص إحياء عملية السلام المتجمدة بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين منذ 2014، بسبب رفض رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو وقف الاستيطان، والقبول بحدود ما قبل حرب يونيو / حزيران 1967 أساسا لحل الدولتين. وسن نتنياهو عقيدة محدثة (أنطوان شلحت: "بنيامين نتنياهو: عقيدة "اللاحل"،2014) فحواها أن المصالحة الأوسع نطاقا بين "إسرائيل" والعالم العربي قد تساهم في دفع السلام "الإسرائيلي" الفلسطيني، خلافا للعقيدة التي سادت حتى الآن ومفادها أن السلام الفلسطيني "الإسرائيليين" قد يساهم في المصالحة الأوسع نطاقا بين "إسرائيل" والعالم العربي.

في "خطاب بار إيلان 2" في العام 2014 حاول نتنياهو تزييف التاريخ، وأدّعى أن القضية ليست قضية "الدولة الفلسطينية" بل تتعلق القضية المحورية بـ"الدولة اليهودية" ومحاولة تقويض الصلة القديمة التي تربط الشعب اليهودي بـ"أرض إسرائيل"، وكذلك تقويض الحقائق الأساسية المتعلقة بالصراع مع الفلسطينيين خلال القرن العشرين. رافضا أن يكون جذر الصراع متمثلا في سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية بعد حرب 1967 والمستوطنات، وأن تكون هي أسباب استمراره، واعتبر أن تاريخ اندلاع الصراع يعود إلى عام 1921 حين هاجم عرب فلسطينيون مقرّ القادمين الجدد في يافا، في استهداف للهجرة اليهودية، مما أسفر عن مقتل عدد من اليهود. وبرأي نتنياهو، فالشرط الضروري للتوصل إلى حلّ حقيقي هو زوال رفض الاعتراف بـ"حق اليهود" في أن تكون لهم دولة قومية في أرض أجدادهم، مما يجعل الاعتراف بهذا الحق أهم مفتاح لحل الصراع. فالقضية الفلسطينية، حسب زعمه، ليست لبّ الصراع في الشرق الأوسط، والكلام حول ذلك يبدو اليوم "مسخرة"، فهي ليست جوهر الصراع الحاصل في ليبيا أو تونس أو الجزائر أو مصر أو اليمن أو سورية أو العراق، والحبل على الجرار. وأضاف أن "كثيرين أكدوا لنا على مدى سنوات أن جوهر الصراع في الشرق الأوسط يعود إلى القضية الفلسطينية، لكن هذه البقرة المقدسة، وفق المقولة الشائعة، أصبحت من ضحايا الثورات العربية الحالية".

التطبيع والوعي الشعبي العربي

لا تكتفي إسرائيل بمجرد إقامة علاقات ديبلوماسية مع الدول العربية في أي اتفاقيات سلام توقعها معها أو تسعى إليها، فحرصت، من خلال الإطار السياسي، على فرض التطبيع الاقتصادي كجزء لا يتجزأ من أي مسار للسلام مع الدول العربية منذ اتفاقيات كامب ديفيد، فالتطبيع الاقتصادي في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي ضرورة لتعزيز السلام بقدر ما هو حاجة من احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي. وإلى جانب الضمانات الأمنية، على رأسها التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة اللازمة لفرض السلام، فإن تدفق السلع، وبالتالي الأفكار، وحدهما الدعامتان القادرتان على تعزيز التسوية واكسابها الصيغة المقبولة وفقا للمفهوم الإسرائيلي.

بعد توقيع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما اتفاقها النووي مع إيران 2015، وتعثر الرياض في حربها في اليمن ضد المليشيات الحوثية المدعومة إيرانيا، سادت رؤية خليجية ترى ضرورة الشراكة الأمنية مع إسرائيل في مواجهة التهديدات الإيرانية، تمتد إلى السياسة والاقتصاد. من جانبها تروّج إسرائيل للمصالح المشتركة الخليجية الإسرائيلية، ولإمكانية تعاون إسرائيلي واسع النطاق مع تلك الدول في مجالات التقنيات وتحلية المياه والزراعة والطب وغيرها. وترى بالسوق الخليجية فرصًا لتسويق التقنيات الإسرائيلية المتقدمة في مجالات شتى.

تآكلت مركزية الصراع العربي الإسرائيلي، بشكل تدريجي لينحصر الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولم يعد من أولويات السياسات الخارجية لأنظمة عربية سعت عبر سياسة إعلامية مكثّفة لإعادة صياغة الوعي العربي تجاه "إسرائيل" تناغما مع عقيدة نتنياهو وسرديته التاريخية الصهيونية لتصفية الحق الفلسطيني، فقامت بتصدير شخصيات تدعو للتطبيع علانية، وتنتقص من الحقّ الفلسطيني وعدالة القضية الفلسطينية، أو بتكثيف حملات ما بات يُعرف بـ "الذباب الإلكتروني" لخدمة هذا التوجه، وكان آخر تلك المحاولات تقريب تلك السردية إلى قلوب الجماهير العربية وعقولهم عبر الدراما الرمضانية.

اختراق الوعي الشعبي العربي يعد أحد الأهداف السياسية الإسرائيلية المعلنة، لكن حتى الآن يبدو أن محاولات فرض السردية الصهيونية بوسائل مختلفة على الوجدان العربي قد فشلت، وردود الفعل الاحتجاجية الشعبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي على بعض الأعمال الدرامية دليل على ذلك، إذ بدت الأصوات المؤيدة للتطبيع في هذا الفضاء الافتراضي حالات فردية شاذة. لكن من الضروري أن تنتقل تلك الاحتجاجات من نطاق ردود الأفعال إلى نطاق الفعل والإدراك الواعي أن التضامن مع القضية الفلسطينية هو أولا موقف إنساني أخلاقي، وفضح زيف ادعاءات الأنظمة العربية التي تحمّل القضية الفلسطينية وأعباءها المسؤولية عن فشلها في إدارة موارد البلاد الاقتصادية والبشرية، وأن السياسات العربية التطبيعية، لا تأتي من باب تصحيح أخطاء الماضي المتمثلة "بالاهتمام المبالغ فيه بالقضية الفلسطينية" (وفق تعبير لوزير الشؤون الخارجية المصري الأسبق، بطرس غالي، أحد عرابي كامب ديفيد) بل تأتي في سياق تثبيت وجود النظام الرسمي العربي من البوابة الإسرائيلية، وليس من أجل مصلحة الشعوب العربية التي لم تكن يوما على قائمة أولويات تلك الأنظمة، وهنا أحد أهم أسباب انطلاق موجات الربيع العربي التي استهدفت إسقاط أنظمة قادها من ادعوا طويلا أنهم "أبطال حرب" و"أبطال سلام".

التفريط بالقضية الفلسطينية لا يخدم القضايا العربية، والصراع لا يمكن اختزاله إلى صراع فلسطيني إسرائيلي، فهناك مصلحة عربية في مناهضة التطبيع حتى مع صرف النظر عن القضية الفلسطينية، طالما كان هدف إسرائيل من وراء التطبيع في نهاية المطاف تكريس تفوقها السياسي والعسكري والاقتصادي والتكنولوجي، وتأكيد تبعية العرب لها. والأولى بتلك الأنظمة، أقله من الناحية البراغماتية، التحالف مع الفلسطينيين وحقوقهم بدل الخضوع لعدو مشترك ما انفك يهددهم.

لقد بدأت المقاطعة ومقاومة التطبيع موقفا شعبيا بالدرجة الأولى، ولا بد أن تستمر موقفا شعبيا ضاغطا على المستوى الرسمي العربي مضعضع الأركان منذ الربيع العربي، الذي لن يستطيع المضي قدما في تجاوز الإرادة الشعبية، لتبقى محاولات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي في أسوأ الأحوال تراوح في المستوى الرسمي بين السر والعلن.

تدرك دولة الاحتلال الإسرائيلي خطورة حملات المقاطعة الشعبية، وهي تخوض اليوم حربا شرسة ضد حركة "BDS" التي تراها أشد خطورة على الكيان الإسرائيلي من جيوش عربية. أما تورّط المستوى الرسمي الفلسطيني في السلام مع إسرائيل (له أسبابه الذاتية والموضوعية) دون تحقيق حقوقهم المشروعة مع كل ما قدموه من تنازلات، فينبغي أن يكون دليلا على عقم السلام مع إسرائيل، لا مبررا للتخلي عن الشعب الفلسطيني، وتشويه تاريخ نضاله المستمر في مقارعة الاحتلال حتى تقرير المصير ونيل حقوقه المشروعة.

المصدر: العربي الجديد

انشر عبر
المزيد