المطران كبوتشي : " لا بد من العنف لكسر شوكتهم وشراستهم"

29 أيار 2020 - 01:31 - الجمعة 29 أيار 2020, 13:31:24

كبوتشي
كبوتشي

بقلم: راغدة عسيران

ختم القائد زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، خطابه بمناسبة يوم القدس العالمي، بهذه الكلمات: "في يومِ القدسِ ننحي إجلالاً واحترامًا لأرواحِ شهداءِ شعبِنا العظيمِ، ولأرواحِ الشهداءِ جميعًا الذينَ ارتقَوْا على هذه الطريقِ، طريقِ الحريةِ والعدلِ والسلامِ... وأخصُّ بالذكرِ الإمامَ الخمينيَّ الذي جعلَ منَ القدسِ عنوانًا لوحدةِ الأمةِ في مواجهةِ إسرائيلَ، والحاج قاسم سليماني، والحاج عماد مغنية، والمطران كبوتشي، بما يمثلونَ منْ قيمةٍ معنويةٍ عاليةٍ في مسيرتِنا نحوَ القدسِ، ونحوَ فلسطينَ."

لماذا ورد اسم المطران كبوتشي في خطاب الأمين العام، الى جانب الأمام الخميني وقاسم سليماني والحاج عماد مغنية؟ ومن هو المطران كبوتشي الذي أعاد تذكير سيرته ونضاله المسلسل "حارس القدس" الذي بُث في شهر رمضان المبارك على شاشات التلفزة ؟

استوحى المسلسل السوري "حارس القدس" من كتاب "المطران إيلاريون كبوجي، ذكرياتي في السجن" الذي لم يصدر في العام 1979، حين أجرى الصحافيان أنطوان فرنسيس وسركيس أبو زيد مقابلة شاملة معه في روما، بعد سنتين من إطلاق سراحه من سجن الرملة، ذلك لأن أحد بنود الاتفاق الذي تم بين الفاتيكان والكيان الصهيوني لإطلاق سراحه يمنع المطران من الحديث عن اعتقاله وعن الصراع العربي الصهيوني. لهذا السبب، لم يصدر الكتاب إلا بعد وفاة مطران القدس المبعد، في اليوم الأول من العام 2017.

في الكتاب، يروي المطران كبوجي (كبوتشي) سيرته، منذ ولادته في مدينة حلب، في آذار/مارس 1922، الى إبعاده الى روما بعد إطلاق سراحه يوم 6/11/1977، مشدّدا على انخراطه في النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، بعد العام 1967، ثم اعتقاله وسجنه، وتعذيبه الجسدي والمعنوي، وفترة محاكمته التي انتهت بالحكم عليه بالسجن 12 عاما.

أضاف الصحافيان الرسائل التي كتبها المطران في سجن الرملة (1976) الى شخصيات دينية وسياسية (ياسر عرفات مثلا) وعائلية، حيث يصف فيها المطران معاملة الصهاينة الوحشية والمهينة معه، ما جعله يعلن مرارا الإضراب عن الطعام، وكاد يستشهد في آخر معركة خاضها ضد السجانين.

ترسم الرسائل والحوارات الأخرى التي نقلها الكتاب والخطب التي ألقاها بعد نفيه (سوريا، فنزويلا)، صورة دقيقة لشخصية المطران ولحبه لفلسطين والقدس، ولمواقفه المبدئية حول الصراع مع الكيان الصهيوني. لقد سار، من ناحية معيّنة، على خطى الشهيد عزالدين القسام، الذي وصل من سوريا الى فلسطين، ليؤسس مقاومة فكرية ومسلحة ضد الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني.

وبعد عقود واحتلال كل فلسطين، شارك المطران كبوتشي في تأسيس مقاومة مسلحة في مدينة القدس ضد الغزاة الصهاينة، ورفض السكينة والحياد، كما كان يتطلب منه موقعه الديني. فيقول: "كيف يكون الإنسان محايدا عندما يصبح وطنه في خطر؟" و"لم يعد الصمت ممكنا. وبات الحياد بالنسبة اليّ نوعا من التواطؤ. واقتنعت يوما بعد يوم أن هؤلاء الغزاة لا ينفع معهم إلا السوط. ولا بد من العنف لكسر شوكتهم وشراستهم."

لم يتنكر يوما لما قام به، مستغلا مركزه الديني لتسليح المقاومين إذ يقول "لم أفعل أكثر من محاولة لاستعادة حقي المسلوب"، و"لأني كنت مقتنعا بأني قمت بواجبي". والواجب هو التصدي لـ"عدو غاشم مراوغ، سلبنا ديارنا، يجثم على صدورنا. ولما كان الصلف شعاره، والتعنت رائده، والقوة منهجه، فليس إلا الجهاد سبيلا الى التحرير، الى العودة".

من خلال انخراطه في المقاومة المسلحة ضد الغزاة الصهاينة، ودعمه لها والدعوة اليها، يمثل المطران جميع السوريين والعرب الذين لبّوا نداء الواجب وشاركوا متطوعين في ثورة 1936 ثم في حرب 1948 واستشهدوا في سبيل الدفاع عن الحق، والذين انخرطوا في منظمات المقاومة الفلسطينية ليقاتلوا عدوهم و"إرهاب البرابرة (الذي) يمزق جسد الوطن".

لم يفصل المطران واجبه القومي عن واجبه الديني، بل يؤكد مرارا أن انتماءه للديانة المسيحية يفرض عليه الدفاع عن وطنه وأهله، المقدسيين والفلسطينيين والعرب، لأن القضية الفلسطينية هي قضية انسانية أولا، وليست سياسية بالمعنى الضيّق للسياسة، أي تابع لتيار أو حزب سياسي. ولذلك يجب ان تتوحد الأمة حولها وأن تعمل جاهدة لتحرير القدس وفلسطين ومن أجل العودة الى الوطن المحرّر. فيقول "توحّدت الطوائف والأديان على مذبح الشهادة في مواجهة عدو متوحش" و"وحدتنا هي سلاحنا الأكبر والأهم. هي الضمان الأكيد لنهضتنا، لانتصارنا، لاستعادة كرامتنا، بعودتنا الى قدسنا الحبيبة، الى وطننا المفدى فلسطين".

فكانت القدس وفلسطين البوصلة التي تشير الى الطريق، وتدلّ رسائله على وعيه لخطط العدو الصهيوني الذي كان ينشر الفتن والحروب الأهلية داخل الدول العربية لمنع توحيد الصفوف ضده، كما حصل في لبنان في السبعينيات من القرن الماضي، وكما يحصل الآن في أكثر من دولة. وفلسطينيا، أكّدت رسائلة الى الشهيد ياسر عرفات مدى اهتمامه بوحدة الموقف الفلسطيني لمواجهة العدو الصهيوني، وكان يوجّه تحياته الى كل الفصائل وأمنائها العامين، حرصا منه على عدم التفرقة وعدم استئناء أحد. 

ولكن، رفض المطران الحلول الجزئية التي طرحت في زمانه، أي المطالبة بالضفة الغربية بما فيها "القدس الشرقية" وقطاع غزة،  فيتساءل: "فماذا نفعل بأبناء حيفا ويافا والناصرة ؟ هل سيستمرون في العيش تحت نير الاحتلال أم يبقون مشردين في الخارج ؟" مضيفا : "لا يجوز أن يعود جميع الفلسطينيين الى "وطن" اسمه الضفة الغربية على أساس أنها جزء من فلسطين. لا! يجب أن يعود كل إنسان الى بيته، الى أرضه، الى ممتلكاته، في أرجاء فلسطين الكاملة... القضية الفلسطينية ليست الحدود السياسية التي تقبل بها "إسرائيل" أو يطالب بها نظام عربي معيّن، إنها قضية إنسانية قبل أن تخضع للحلول السياسية والمساومات. هي قضية شعب هجّروه من أرضه، وسلخوه من حقله، وطردوه من بيته، ويريد الآن العودة الى كامل تراب وطنه."

لم يتطرق الكتاب الى مشاركة المطران في أسطول الحرية الذي انطلق نحو قطاع غزة في صيف 2010 لكسر الحصار، حيث تم اعتقاله من على السفينة، وإبعاده، كما كان قد توقّع في العام 1980، وفقا لما ذكره في المقابلة مع الصحافيين. كان يعتبر أن الاتفاق بين العدو والفاتيكان لإطلاق سراحه في العام 1977 نقله من سجن صغير الى سجن كبير، بسبب البنود التي منعته من الإقامة في الدول العربية والحديث عن الكيان الصهيوني. فأراد التحرّر وتحرير الفاتيكان من هذا الاتفاق المجحف بحقه، عبر التوجه الى الكيان "من دون موافقة الفاتيكان". فوضع احتمالين، أو الاعتقال ثم النفي، "وهكذا أكون قد حرّرت نفسي بنفسي، لأني عدت إليهم فأطلقوا سراحي"، أو "أن يضعوني في السجن، وهذا أفضل، لأني اعتقد أن السجن أكثر جدوى لخدمة قضيتي".

هكذا كان المطران كبوتشي، مطران القدس، الذي شكّلت فلسطين والسعي الى تحريرها الموقع المركزي في حياته.

انشر عبر
المزيد