جرائم العنصرية في أميركا.. سلوك إجرامي لم يغيره الزمن

29 أيار 2020 - 01:15 - الجمعة 29 أيار 2020, 13:15:29

قلم
قلم

بقلم: د. علي مطر

جريمة قتل جورج فلويد بطريقة وحشية على يد الشرطة الأميركية في مدينة مينيابوليس، وما يحدث في المدينة حالياً من اضطرابات رفضاً للسياسية العنصرية التي تتبعها الولايات المتحدة الأميركية، تعيد إلى الأذهان أحداثا عنصرية عدة حصلت في الأعوام الماضية، نتيجة التحريض الدائم الذي يحصل ضد أصحاب البشرة السمراء.

العنصريّة موجودة في الولايات المتّحدة منذ الحقبة الاستعمارية، حيث أُعطي الأمريكيّون البيض امتيازات وحقوقاً انحصرت بهم فقط دونما كلّ الأعراق الأخرى.

لقد اشتمل العديد من المؤسّسات الرئيسيّة في بلاد العم السام على الأساس العنصري والعرقي على العبودية والفصل العنصري، واحتجاز الهنود الحمر، ووضعهم في مدارس داخلية، وقانون الهجرة والتجنس، ومعسكرات الاعتقال.

وعلى الرغم من أنه تمّ حظر التمييز العنصري الرسميّ بشكلٍ واسعٍ في منتصف القرن العشرين وأصبح يُنظر إليه على أنّه غير مقبول اجتماعيا وأخلاقيّاً، ولكن تبقى السياسة العنصريّة ظاهرة كبرى، ولا تزال العنصرية تنعكس في عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

تاريخ الولايات المتحدة مليء بالحوادث العنصرية، وبعد عشرات العقود من العزل العنصري وأكثر من عشرة أعوام من النضال تحت قيادة مارتن لوثر كينغ، تم إلغاؤه، فخرجت مسيرة كبيرة للمطالبة بالحقوق المدنية في العام 1963. بيد أن الإلغاء الرسمي للتمييز العنصري لم يضع حداً للمشاكل، فقد شهدت الستينيات الكثير من الاحتجاجات وأعمال الشغب التي أدت الى القتل أحيانا: في واتس بالعام 1965، وفي ديترويت في العام 1967، ثم في العام 1968 تم اغتيال مارتن لوثر كينغ، ما خلف عشرات القتلى وآلاف الاعتقالات. بعد هدوء نسبي في السبعينيات والثمانينيات تجدد الغضب في العام 1992 مع قضية رودني كينغ الذي تعرض للضرب من قبل أربعة ضباط شرطة من ذوي البشرة البيضاء أمام كاميرا أحد مصوري الفيديو الهواة، بعد القبض عليه بسبب تجاوز السرعة المقررة.

آخر الاحتجاجات ضد العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية كان في العام 2010 بعد أن قُتل الشاب الأسود أوسكار غرانت على ايدي رجال الشرطة. حكم على الضابط الذي قتل أوسكار بالسجن لمدة عامين فقط. الحادث أثار غضب العديد من الذين تظاهروا سلمياً إلا أن عنف الشرطة مع المظاهرات أدى إلى جريمة اخرى. وفي عام 2012، أطلق رجل شرطة أبيض في ولاية فلوريدا النار على شاب أسود (17 عاما)، بينما كان في طريق العودة إلى منزله بعد شراء حلوى، وذلك في نفس توقيت استعداد باراك أوباما لتولي فترة رئاسية ثانية.

وفي 9 آب 2014، قتل مايكل براون الذي لم يكن مسلحًا، برصاص دارين ويلسون في أحد شوارع فرغسون وتسبب الحادث في اضطرابات خطيرة حيث جرت مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن أمام مركز للشرطة أولا ثم توسعت إلى مناطق أخرى في المدينة وبدأت أعمال العنف منذ إعلان القرار القضائي.

ولا ننسى حادث شابل هيل عام 2015 الذي راح ضحيته 3 أمريكيين مسلمين في ولاية كارولينا الشمالية والذي لم يكن حادثا عابرا، بل هو جريمة من  6 آلاف جريمة تحدث سنويًا في الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب عنصرية مختلفة سواء بسبب الدين، اللون، العرق، الجنس أو حتى الإعاقة.

وفي عام 2018 قتل شاب في ستارباكس في مدينة فيلادلفيا في ولاية بنسيلفانيا من قبل الشرطة، كما قتل شاب آخر يدعى ديانتي ياربر بنحو عشرين رصاصة أطلقها رجال شرطة على موقف للسيارات في ولاية كاليفورنيا الأميركية.

ونُشر الكثير من التقارير التي تشير إلى قيام بعض الأشخاص داخل أمريكا بأفعال وهجمات ذات دوافع عنصرية وذلك منذ أن أصبح ترامب رئيسا للولايات المتحدة، وآخر مثال على هذه الأعمال العنصرية التي وقعت في أمريكا هي أحداث شارلوتسفيل، حيث تجمع مجموعة من البيض وبعض القوميين المتطرفين في منطقة شارلوتسفيل التابعة لولاية فيرجينيا الأمريكية وبعد فترة وجيزة اندلعت بين تلك المجموعات وخصومها صراعات خشنة ووقعت أحداث عنف كثيرة.

وقد وجهت الاتهامات إلى ترامب بأنه يسعى إلى رسم خط خفي للتمييز بين الأمريكيين البيض والسود، إضافة إلى تبني خطابات كراهية ضد المهاجرين والمسلمين.

وفي أعقاب حادثة مدينة إل باسو الأمريكية، التي تسببت في مقتل عشرين شخصاً، تعالت الأصوات المنوّهة بدور ترامب في تأجيج الكراهية والتحريض على العنصرية، حيث أشير إلى أن سبب الحادث هو الكراهية.

اليوم أشعل مقتل "جورج فلوريد" موجة غضب ضد رجال الشرطة، وفتحت الطريقة التي قتل بها هذا الشاب الباب على مصراعيه مجددا على الأزمة والعنصرية بين الدولة والشعب في اميركا، كما دفع إلى المواجهة في الشارع، ويأتي كل هذا فيما يقف النظام الأميركي بأسره عاجزاً عن إنصاف ذوي الأصول الأفريقية، وكبح جماح ما يتعرضون له من انتهاكات من قبل الشرطة التي أضحت اليوم مكلفة بتنفيذ ما يسمونه قانونا بعيدا عن خدمة الشعب وحفظ سلامته، وخصوصا بعد تشريع أعطاها الضوء الأخضر بممارسة التحقيق والبحث والاحتجاز وإطلاق النار عموماً على أي مشتبه به وبمباركة تامة من المحاكم، فأضحوا يعاملون الشعب كأعداء أو مشتبه بهم بدلا من معاملتهم كمواطنين.

انشر عبر
المزيد