حراس الكيان وحجارة يعبد

18 أيار 2020 - 08:33 - الإثنين 18 أيار 2020, 20:33:50

حراس الكيان
حراس الكيان

بقلم: راغدة عسيران

في يوم 13 أيار/مايو الماضي، اغتال حراس مشفى احتلالي في مستوطنة تل أبيب مصطفى محمود يونس (26 عامًا) من قرية عارة في منطقة المثلث المحتل عام 1948، أمام أعين والدته، عند خروجهما من المشفى. أظهر تسجيل الفيديو عملية الإعدام التي اقترفها الصهاينة، بعد أسبوعين من عملية إعدام أخرى للشاب سلامة أبو كف (40 عاما) من قرية أم بطين في النقب.

وصف الشيخ خضر عدنان القيادي في "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، جريمة الإعدام بحق الشهيد مصطفى يونس بـ"الجريمة المزلزة"، فيما قال والد الشهيد، محمود يونس بأنها "الإرهاب بعينه". واعتبر المجلس المحلي في عارة – عرعرة أن الجريمة "كان ممكن أن توجه لأي صدر عربي مجرد لأنه عربي. أصبح في عرفهم الدم العربي مستباح ولا عقاب للقتلة". أما عائلة الشهيد سلامة أبو كف، فوصفت جريمة القتل لأبنها بأنها "قتل بدم بارد لأنه عربي" وقالت إن الشرطة الصهيونية "منعت الأهل من التعرف على جثته وأخفت الأدلة وجريمتهم".

تدلّ الجريمتان، في تل ابيب والنقب، على أن القتل المتعمد للفلسطيني عُرفٌ راسخ في المجتمع الاستعماري الصهيوني، بسبب بيئته العنصرية الإحلالية، تستسهل قتل العربي الفلسطيني، أينما كان ومهما فعل. وكون الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 48 يعتبر مواطنا "إسرائيليا" لا يعني شيئا للمستوطن الصهيوني ،لأنه مجرد "غير يهودي" في "دولة اليهود".

استكملت الأجهزة الصهيونية الرسمية جريمة الإعدام أمام المشفى بتأخير جنازة الشهيد عمدا، بإرسال جثته الى قرية عرعرة النقب بدلا من عرعرة المثلث، إمعانا في الاستهتار والإذلال، وكأنه بالنسبة لها (وهي التي تراقب كل شبر من أرض فلسطين) كل الأسماء العربية شبيهة لأنها "غير يهودية". ثم قمعت الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في عرعرة واعتقلت العشرات من المحتجين، بذريعة أنهم أقفلوا الطريق العام. وفي مقر الشرطة تم الاعتداء على الموقوفين "بشكل تناوبي وبوحشية"، كما أشار أحدهم بعد إطلاق سراحه.

ردا على الجريمة، قرّرت "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية"، تنظيم تظاهرة يوم الإثنين (18 أيار/مايو) أمام المشفى، وطالبت المشاركة الواسعة فيها لإيصال "صرخة غضب على جرائم قتل المواطنين العرب بدم بارد على يد الشرطة وعناصر الأمن". وطالب الشيخ كمال الخطيب، رئيس لجنة الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة، الطواقم الطبية "أن يقفوا احتجاجا على الجريمة، ولو لربع ساعة، أمام كل المشافي في البلاد وبلباسهم الطبي.

كان للأطباء صدى في الشارع في مواجهة وباء كورونا، وليستمر صداهم في هذه القضايا التي تخص أبناء شعبنا". وصرّح عضو المكتب السياسي في حركة أبناء البلد، طاهر سيف، أنه "يجب علينا أن نفهم مع من نتعامل، نحن نتعامل مع شعب عنصري بشموليته، لذلك يجب علينا أن ننتفض وأن لا نعمل بالتجزئة. قضايانا المصيرية، للأسف، نتعامل معها بالتقصير، وهذا الحديث لكل القيادة دون استثناء. يجب إغلاق الشوارع وإعلان إضراب عام وشامل وإلا استمر سفك دمنا".

في يوم 12 أيار/مايو، أي قبل يوم واحد من إعدام الشهيد يونس، سقطت قطعة حجر ضخمة (أو صخرة، كما يصفها الصهاينة) على رأس رقيب في لواء "غولاني"، كان ضمن قوة صهيونية اقتحمت بلدة يعبد، قرب

جنين، وقتلته رغم الخوذة التي كان من المفترض أن تحمي رأسه.

لم ينج أهل بلدة يعبد من شراسة المحتل الذي صبّ غضبه عليهم وعلى أطفالهم، لبضعة أيام، ليبرهن مرة أخرى حجم الكراهية التي يختزنها ضد الشعب العربي الفلسطيني، وخاصة ضد من يتجرأ على الوقوف بوجهه ويقاومه. لقد سقط الحجر على المعتدي وقتله، إذ كما يقول الشيخ خضر عدنان "إن الجندي الذي لاقى حتفه في بلدة يعبد جاء ليقتل ويعتقل أهلها، لم يأت ليوزع الورود والحلوى على الفلسطينيين". أنه مستوطن قاتل لمجرد أنه يشارك في احتلال فلسطين.

حجر يعبد لم يسقط على رأس المحتل بسبب اقتحامه البلدة وتهديد واعتقال أهلها فقط، بل سقط أيضا ردا على جرائم الاحتلال وعلى ظلم الغزاة، على طول مساحة فلسطين. حتى وإن كان الرد موضعي، في بلدة يعبد "العصية على الاستسلام والانكسار"، كما يصفها نائب رئيس البلدية الاستاذ أحمد بعجاوي، أو في أماكن أخرى من الضفة الغربية والقدس، أو من قطاع غزة، فهو يتجاوز التجزئة الجغرافية، ويعيد وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة الأرض الفلسطينية التي جزأها الغزاة الصهاينة، ووافقت اتفاقية أوسلو والسلطة التي أفرزتها،على تجزأتها، بين أراضي 48 وأراضي السلطة التي أصبحت "جناحي الوطن".

تكون التجزئة عمودية أو زمنية، عندما يفرض العدو على الشعب الفلسطيني أن يردّ على آخر انتهاكاته وجرائمه، كما تتعامل اليوم سلطة الحكم الذاتي، ومن يدعمها فلسطينيا وعربيا، مع مسألة الضمّ (مناطق ما يسمى "جيم" وهي تجزأة أخرى)، أو كما تتعامل المؤسسات الفلسطينية في الداخل المحتل عام 48 مع مسألة الاغتيالات والإعدامات. في الحالتين، يبقى الردّ على الأفعال الإجرامية الأخيرة (الضمّ والاغتيالات)، دون ربط هذه الأفعال بما أسسها، زمنيا وجغرافيا، أي زرع الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ليكون ثكنة عسكرية غربية متقدمة في وجه الأمة.

يتعامل المحتل مع الفلسطينيين كشعب واحد، وإن لم يعترف به كشعب، يقتل ويدمّر ويلاحق ويسجن، في حين يتعامل البعض معه جغرافيا، بالجزئيات. ويواصل مشروعه الاستيطاني الإحلالي على أرض فلسطين التاريخية (من البحر الى النهر) منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل (1897) وأولى مغتصاباته، في حين لا يتعامل البعض معه إلا بالردّ على آخر أفعاله الإجرامية، دون ربطها بما سبق، وكأن المستوطنين الصهاينة اليوم هم من فصيلة مختلفة عن مستوطني البارحة الذين قتلوا وهجّروا أيام النكبة وما بعدها، وكأن حزبهم الحاكم اليوم يختلف عن أحزابهم الماضية والحاضرة، وكأن في داخل مجتمعهم العسكري فئات تعترف بالحق العربي الفلسطيني الحصري على فلسطين.

مقابل هذه الأصوات الفلسطينية والعربية المجزئة للقضية الفلسطينية، جغرافيا وزمنيا، هناك حجارة يعبد، وقبلها حجارة مخيم الأمعري، التي توحّد المجزأ، كما توحّدها المقاومة في قطاع غزة، والمقاومون في كل أنحاء الأراضي المحتلة، الذين يطعنون ويدهسون ويطلقون النار على المحتل. حجارة يعبد ردّت على إعدام شهيد عرعرة المثلث، وإن سقطت قبل هذا الإعدام بالذات، لأن حجارة يعبد، وكل فعل مقاوم، يردّ على كل جرائم الاحتلال، أولها احتلال فلسطين.

انشر عبر
المزيد