ذكرى النكبة الـ 72.. سقوط الأوهام والرهانات الخاسرة

15 أيار 2020 - 11:15 - الجمعة 15 أيار 2020, 11:15:58

بقلم: سمير أحمد

تُجمع القوى والفصائل والحركات الفلسطينية، على اختلاف مسمياتها وتلاوينها السياسية والفكرية، بما فيها تلك المنضوية تحت يافطة "منظمة التحرير الفلسطينية"، بأن "نهج التسوية" و"المفاوضات" وما تمخض عنه من اتفاقيات: سياسية واقتصادية وأمنية، كانت وبالا وخرابا على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. وهو ما تعترف به القيادة المتنفذة، عبر بياناتها وتصريحات كبار المسؤولين فيها وفي المقدمة منهم، رئيس "سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود".

فإذا كانت السياسات والخيارات التي تتبعها هذه القيادة أو تلك تقاس بنتائجها وبخواتيمها كما يُقال، فإن النتائج والوقائع الميدانية التي انتهى إليها نهج التسوية وخيار المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني، تؤشر لحجم الكارثة الوطنية التي ألحقها هذا الخيار الخائب بالشعب الفلسطيني وقضيته.

وبالرغم مما آل اليه نهج التسوية وخيار المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني، الذي انطلق بشكل علني و"رسمي" بمؤتمر مدريد نهاية العام 1991، فإن القيادة المتنفذة في "منظمة التحرير" و"السلطة" لا تزال متمسكة بهذا الخيار الخائب، الذي لا تريد الخروج من رهاناته الخاسرة بالرغم من كل الخيبات التي لحقت بها، وسقوط سلة الأوهام التي راهنت عليها منذ انقلبت على شعارها الستراتيجي الأساسي، وتحولت من هدف التحرير الكامل والشامل لكل التراب الوطني الفلسطيني (27000 كلم2) الى شعار إقامة السلطة "على كل شبر يتم تحريره من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67"... واستكملت تلك القيادة مسيرتها بتمزيق "الميثاق الوطني الفلسطيني"، الذي مزق الأرض الفلسطينية، واعترف بالرواية الصهيونية، وقسَّم الشعب الفلسطيني، وأخرج من بين صفوفه فلسطينيي الداخل المحتل علم 48.

فقد منح نهج "التسوية" والمفاوضات العبثية واتفاق "أوسلو" الخياني، وكل ملحقاته، السياسية والاقتصادية والأمنية، العدو الصهيوني، "هدية العصر" التي شكلت له المظلة "القانونية" و"المشروعية الدولية"، وأعطته الفرصة لقضم الغالبية المطلقة من مساحة الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وإقامة مئات المستوطنات، ومضاعفة أعداد المستوطنين مئات المرات، الأمر الذي حوَّل الضفة (أرض الدولة الفلسطينية الموهومة) إلى مجمعات سكنية و"بانتوستانات" مقطعة الأوصال، محاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجسور والأنفاق ومئات الحواجز.. وتسريع مخططات ومشاريع التهويد والصهينة التي لم تستثنِ حتى المقدسات المسيحية والإسلامية، وفي المقدمة منها المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة، والمسجد الإبراهيمي. ناهيك عن عشرات المساجد والكنائس على امتداد الأرض الفلسطينية من البحر إلى النهر ومن الناقورة الى ام الرشراش، والتي حوَّل قسماً منها إلى ملاهِ ليلية وحظائر للحيوانات ...

وليس آخراً، ساهم الانخراط في هذا النهج الخياني بفتح أبواب التطبيع أمام العدو الصهيوني مع العديد من الأنظمة العربية والإسلامية التي كانت حتى وقت قريب مغلقة "رسميا"، وسهَّل إخراجها من السر إلى العلن، كما هو جار هذه الأيام مع بعض الدول العربية الخليجية، التي "اتحفت" الصائمين في هذا الشهر الفضيل بمسلسلين تطبيعيين شاركت في انتاجهما ونشرهما فضائياً، البحرين والإمارات والسعودية ومصر والكويت (التي أوقفت عرضهما بأمر من أمير البلاد).

وعلى هذا المنوال الذي لعبت خلاله الإدارات الأمريكية المتعاقبة دور الداعم والحامي والحاضن لكيان العدو الصهيوني، جاءت "صفقة القرن" التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه المتصهين في بداية عهده، ليختم بها مسار تصفية القضية الفلسطينية.

فاعترف (ترامب) بالقدس عاصمة أبدية موحدة للكيان، ونقل سفارة بلاده إليها؛ وأسقط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وشن الحرب على وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وهو يسعى لوقف عملها وإغلاق مؤسساتها؛ واعترف بشرعية وجود المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، بما فيها القدس؛ ووافق على سياسة "الضم" لمساحات واسعة من الضفة المحتلة، باعتبارها أمرا خاصا بحكومة العدو؛ ورهن قيام "دولة فلسطين الجديدة" المقطعة الأوصال والمنزوعة السلاح، والمحاصرة بالجدران الإسمنتية من كل جوانبها، بموافقة حكومة العدو الصهيوني، التي أعطاها الكلمة الفصل في هذا الشأن؛ وقبل هذا وذاك أيدت إدارة ترامب "قانون القومية" العنصري الذي أصدره الكنيست الصهيوني، باعتبار الكيان "دولة يهودية".

وبذلك، كان إطلاق "صفقة ترامب" بكل ما حملته من مواقف، بمثابة "الضربة القاضية" لنهج التسوية وخيار المفاوضات، ومعها تعزز سقوط الأوهام والرهانات الخاسرة التي انخرطت فيها القيادة المتنفذة في منظمة التحرير، سابقا، وسلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود، لاحقا، وكلفت الشعب والقضية الفلسطينية الكثير من الخسائر والتضحيات على الصعد والمستويات كافة.

وأبرز تلك الأوهام المتساقطة والرهانات الخاسرة هي:

-       سقوط وهم "السلطة الوطنية المقاتلة" الذي رفعته القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير الفلسطينية في برنامج النقاط العشر في العام 1974... بقرينة إنشاء "سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود"، اللا مقاتلة، والتي تحولت أجهزتها الأمنية لحراس لكيان العدو وقطعان المستوطنين، وأدوات لملاحقة المقاومين والمجاهدين، ومنع الأعمال المقاومة، وقطع الطريق أمام قيام أية انتفاضة شعبية.

-       انكشاف وسقوط أوهام خيار التسوية، والسلام العادل والشامل، الذي بدت ملامحه وصورته واضحة جلية، باعتباره خياراً استسلاميا تاماً وكاملاً لكيان العدو، وتابعا له بكل مفاصل الحياة.

-       سقوط وهم قيام "الدولة الفلسطينية" على الأراضي المحتلة عام 67، بعدما تحول ما بقي من الضفة الغربية التي زرعت بمئات المستوطنات الصهيونية والطرق الالتفافية والأنفاق والجسور والحواجز العسكرية، والمهددة أجزاء منها بالضم الى الكيان الغاصب في أول تموز/ يوليو المقبل... بعدما تحول ما بقي من الضفة الى "بانتوستانات" وغيتوات متباعدة. ناهيك عن أن قيام هذه "الدولة" مرهون بموافقة حكومة العدو، والتي تجمع مع كل مكونات "المجتمع الصهيوني" على رفض قيام "دولة فلسطينية"، وحصر ما يمكن تقديمه للمفاوض الفلسطيني بـ"الحكم الذاتي" وهو ما أعلنه (رئيس حكومة العدو الأسبق) مناحيم بيغن في مباحثات "كامب ديفيد" مع مصر، وما أكده (وزير خارجية العدو) إسحق شامير في مؤتمر مدريد في نهاية العام 1991.

-       سقوط وهم خيار المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، التي كشف مسارها الطويل والمتعرج عبثيتها باعتراف المفاوضين "الفلسطينيين" أنفسهم، الذين لطالما أكدوا أن الصهاينة اتخذوا من المفاوضات محطة لتنفيذ مخططاتهم التوسعية، وزيادة عديد مستوطناتهم وقضم المزيد من أراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم. وتحقيق مشاريع التهويد والصهينة.

-       سقوط الرهان على المشروعية الدولية وقراراتها، بخاصة في ظل الحضور الدائم للفيتو الأمريكي المتحفز دائما للتصدى لأي مشروع قرار أممي قد تشتم منه رائحة إدانة كيان العدو الصهيوني، المحظي بالغطاء الأمريكي. واقتصار فعالية قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة على الناحية المعنوية، فقط.

-       سقوط الرهان على "نزاهة" الراعي الأمريكي في المفاوضات بين حكومة العدو الصهيوني وسلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود، بخاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، صاحب "صفقة القرن"...

وحيال هذا السقوط المدوي لسلة الأوهام والرهانات الخاسرة، على نهج التسوية وخيار المفاوضات العبثية، الذي كبد الشعب الفلسطيني وقضيته خسائر فادحة على مدى عقود عدة، أظهرت العديد من استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا انحياز الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني لخيار المقاومة والكفاح المسلح باعتباره أقصر الطرق وأقلها كلفة لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، بإلحاق الهزيمة بالمشروع الاستعماري الصهيوني، وتحرير أرضه (ال27 ألف كلم2) وتحقيق العودة الحرة الكريمة لملايين اللاجئين.

هذا هو خيار الشعب الفلسطيني، الذي يحيي في الخامس عشر من أيار/مايو الجاري الذكرى الثانية والسبعين للنكبة... مجددا العهد والوعد برجاله ونسائه، بشيوخه وأطفاله، بقواه المقاومة، وحركاته الجهادية، بشهدائه وجرحاه، بأسراه ومعتقليه، بمقدساته المسيحية والإسلامية، بترابه المخضب بدماء عشرات آلاف الشهداء والجرحى وزيتونه بالثبات على طريق التحرير الكامل والشامل لكل الأرض الفلسطينية..

هذا هو طريق اشعب الفلسطيي المستمر والمتواصل، والذي لم يمل ولم يكل منذ قرن ونيف.. وهو عنوان الوحدة الوطنية وأقصر الطرق لإنهاء الإنقسام في الساحة الفلسطينية. إذ لا يجوز أن تكون فلسطين التاريخية مدار بحث ونقاش، فهي لا ولن تقبل القسمة، كما القدس البوصلة الثابتة للشعب الفلسطيني وكل قواه المقاومة والحية... ولا بديل عن خيار المقاومة والكفاح المسلح كلغة وحيدة للتخاطب مع العدو الصهيوني الاستعماري .

انشر عبر
المزيد