النكبة: مئات الآلاف من المآسي والبطولات

15 أيار 2020 - 08:30 - الجمعة 15 أيار 2020, 08:30:37

بقلم: راغدة عسيران

بعد اتفاقيات أوسلو (1993) وما تبعها من لقاءات بين مسؤولين فلسطينيين وصهاينة لإيجاد صيغة تلغي حق عودة اللاجئين الى ديارهم، استشعر الفلسطينيون، وخاصة اللاجئون منهم، الخطر الذي يهدّد القضية برمتها. إضافة الى اللجان التي تأسست، والمؤتمرات التي عقدت في اللجوء والوطن للتأكيد على حق العودة، قامت بعض المؤسسات بتوثيق ذاكرة اللاجئين الناجين من المجازر التي ارتكبها الصهاينة في الأعوام 1947 –1949، قبل فوات الأوان. تضاف الآلاف من الذكريات التي سجلّت بالفيديو في لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، والموجودة على الشبكة العنكبوتية، الى مئات الكتب من تأليف اللاجئين وغيرهم من الفلسطينيين، لتخليد ذكرى قراهم وبلداتهم، قبل اختفائها من جراء الهمجية الصهيونية التي اجتاحت فلسطين، وتخليد ذكرى أهلها وأبطالها، عائلاتها وشهدائها.

تتيح هذه الذكريات فرصة التعرّف على تفاصيل الحياة اليومية في فلسطين قبل وبعد الاحتلال البريطاني وغزو المستوطنين الصهاينة، في أنحاء متفرقة من فلسطين، كما توضّح صورة القرى والبلدات والأحياء خلال الثورات التي اندلعت، لا سيما ثورة 1936-1939، من شارك فيها ومن استشهد أو جرح، ومن عمل مع السماسرة لبيع الأراضي ومن اتصل بالمحتلين سعيا وراء المال والجاه.

في إحدى التسجيلات مثلا (موقع فلسطين الذاكرة)، يتحدث الصحافي مسلم وجيه بسيسو، بالتفصيل، في جلسات عدة، عن مدينته بئر السبع قبل احتلالها، والحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها، وعن مدارسها وتنظيم شوراعها، وعن عائلاتها، كما يصف ما حصل خلال ثورة 36، وكيف كانت أول مدينة تتحرّر من الإنكليز في تلك الفترة.

يبطل هذا النوع من الشهادات المزاعم الصهيونية التي كانت تدعي أن فلسطين كانت "أرض بلا شعب" أو أن شعبها كان مجرد جماعات تعيش على هامش الحضارة والعلم، وأن المستوطنين اليهود جاؤوا الى فلسطين من أجل تقدمها ورقيها، كما يفنّد روايات المستشرقين المتصهينين الذين زاروا فلسطين دون أن يروا الفلسطينيين، إلا من خلال عيون الصهاينة.

أما بالنسبة لتفاصيل أحداث النكبة، فتروي هذه الذكريات كيف نُفذت المجازر وكيف تم التهجير، وكيف واجه وقاوم الشعب الفلسطيني في كل بقعة من أرضه، وكيف شارك المتطوعون العرب، ضمن الجيوش العربية أو في تشكيلات خاصة، وكيف كانت علاقاتهم مع أبناء البلد، ولاحقا، كيف هاجر الفلسطينيون من قراهم، وعذاباتهم خلال الهجرة من القرية الأصلية الى قرى أخرى، ومن مخيم الى مخيم، الى الإستقرار النسبي في مكان ما، بانتظار العودة.

قد يشكك البعض في مصداقية هذه الشهادات والذكريات التي تعدّ من صنف "الرواية الشفوية"، وفي امكانية الركون اليها لكتابة التاريخ، ولكن، رغم بعض التناقضات بين الروايات أو عدم الدقة في المعلومات أحيانا، أو التقييمات المبنية على جزء من المشهد، إلا أنها تبقى الأساس في معرفة ما حصل فعلا، ويمكن التأكد من ذلك من خلال مقارنتها مع شهادات ووثائق أخرى.

يروي الفنان الراحل اسماعيل عبد القادر شموط قصة حياته في مدينة اللد، وطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها (موقع خريطة التاريخ الشفوي الفلسطيني)، ويتحدث عن الحياة السياسية والشخصيات المعروفة التي كانت تتكلّم عن الوضع (بعد قرار التقسيم) و"كيف يجب أن ننتبه ونستعد"، وسياسة البريطانيين التي كانت تميّز بين المستوطنين والفلسطينيين. تشكّلت اللجان القومية التي قامت بالحراسات الليلية لمنع تسلل المستوطنين الى المدينة، ثم حفر أهل اللد والرملة خندقا بيوم واحد طوله 10 كلم، لأن "الناس أحسوا بالخطر". ورغم أن اللد والرملة كانتا ضمن "الدولة العربية" وفقا لقرار التقسيم، وأن الجيش الأردني كان "من المفترض أن يحميها"، ولكن اختلّ الوضع و"دبّ الخوف بعد انسحابه وسقوط مدينة يافا". دخلت القوات اليهودية من جهة يافا، وكان في اللد والرملة حوالي مئة ألف شخص بسبب لجوء الكثير اليها، من الفلسطينيين المهجّرين من يافا وقرى القضاء.  

اليوم الأخير كان في 10 تموز، "سمعنا هدير من الناس ماشية في الخارج"، كانت الناس تتوجه الى ساحة النواعير، "الناس فكّرت أننا سنظل في الساحة، ثم نعود الى بيوتنا". لكن فتح المحتلون الصهاينة ثغرة بين جنودهم وأمروا الناس بالتوجه الى الشرق. كانت أيام شهر رمضان، والطقس حار، و"مشت الناس باتجاه الشرق. مررنا من وسط مدينة اللد، رأينا المتاجر مفتوحة، وجثث الشهداء".

يروي الشاهد رحلة العذاب، مع الأطفال وكبار السن: "التعب والخوف لعدم معرفة وين رايحين، لم نأخذ شيء معنا، فوجئنا بناس يقولوا لنا اطلعوا، الطريق جبال، وعرة، لا توجد ماء. شفت الناس تموت من العطش، كان أهلهم يتركوهم."

يروي المرحوم السيد ابراهيم الحايك من قرية أبو شوشة، الرملة، المولود عام 1933 (موقع فلسطين الذاكرة) كيف عاشت القرية خلال الفترة الممتدة من قرار التقسيم (نوفمبر 1947) الى يوم التهجير في 14 (أيار) مايو 1948، ثم اعتقاله ونقله مع جنود مصريين وسودانيين، الى معسكر صهيوني، كان في الأساس قرية "فلاحية عليها سياج، وداخلها مسجد ومدرسة ومقبرة، القرية صارت معتقل" ليعمل في فريق الأطباء والممرضين.

اقتحم الصهاينة قرية أبو شوشة قبل آذان الفجر، "دخلوا من الجهة الشرقية، وفجّروا بعض البيوت" ثم جاءوا من جهات أخرى. "كانت الناس في بيوتها". تصدى شباب القرية للهجوم، واستشهد الكثير، ما بين 70 الى 80 شخص تم إعدامهم. طلب المستوطنون من النساء دفن الشهداء في المكان الذي استشهدوا فيه. اختبأت بعض العائلات في المغر الموجودة قرب القرية. في المغارة التي اختبأ بها الشاهد، تجمّع حوالي 15 شخصا، ولكن بقي والده في البيت مع أعمامه. دخل الصهاينة الى البيت وسرقوا أموالهم والدراجة الهوائية. استشهد في هذه الأثناء أخوان له كانا من المدافعين عن القرية، تم دفنهما في البيت. ثم رحل أفراد العائلة، إلا الوالد الذي كان كفيفا، الى مغارة مع باقي أهل القرية. وفي اليوم التالي، "جمعوا أهل البلد وقالوا لهم "يلا"، وأطلقوا النار فوق رؤوسهم، الناس ذهبت، والدي ظل في البيت، ما عرفنا شو صار، لقد تُرك مع أخواني الشهداء."

تختلف الشهادات، حسب موقع القرية والمدينة (الشمال أو الجنوب، ضمن "الدولة العربية" أم "الدولة اليهودية" وفقا لقرار التقسيم) وحسب مكانة الراوي أو الراوية (العائلة، المهنة، الوعي السياسي والحالة الاجتماعية في هذه الفترة)، ووجود أم غياب الجيوش العربية والمتطوعين، وأهمية الموقع بالنسبة للغزاة، والى الاماكن التي لجأ اليها الناجون من المذابح، غير أن جميعها تنقل كيف كانت الحياة قبل الغزو الصهيوني، وكيف تواطأ البريطانيون مع الغزاة، وما حصل خلال ثورة 36، وتروي بطولات أبناء فلسطين الذين تصدوا للهجوم بما كانوا يملكونه من أسلحة للدفاع عن قراهم وبلداتهم.

تفنّد هذه الشهادات والذكريات المسجلة كل الأكاذيب التي يبثها اليوم المطبّعون العرب مع العدو، الذين يردّدون دون تدقيق رواياتهم الكاذبة حول النكبة، ما قبلها وما بعدها، لتبرير خيانتهم للقضية العربية الأولى، وأولئك الذين يريدون طيّ صفحة الماضي، كما يريد الصهاينة والاستعماريون في العالم، دون عودة الحق الى أصحابه، سعيا وراء المال والشهرة، وينظرون للحاضر من خلال المجتمع الدولي، وكأن ليس لهم تاريخ ولا انتماء.

انشر عبر
المزيد